
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل سيتبخر الرهان السعودي على الجيش السوداني كما تقلصت أحلام نيوم عندما اصطدمت الشعارات الضخمة بحسابات المال والواقع؟
محمد بن سلمان الذي أراد إعادة رسم السعودية بمشروعات عملاقة وإنفاق هائل يجد بلاده اليوم أمام استحقاقات أكثر إلحاحاً: أمن الحدود، وحماية منشآت الطاقة، وكلفة التسليح، والتهديدات المتجددة من اليمن، في وقت اضطرت فيه الرياض إلى طلب دعم دفاعي من حلفائها لمواجهة التصعيد الأخير. (Reuters)
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إلى متى يستطيع محمد بن سلمان توزيع رهاناته وأمواله على جبهات الخارج بينما تتراكم المخاطر أمام أبواب المملكة نفسها؟
ان الأكثر إثارة للقلق في الملف السوداني أن السعودية التي يفترض أن تكون وسيطاً نزيهاً عبر منبر جدة أصبحت تدعم أحد طرفي الحرب وبشكل علني .وتورد مذكرة حكومية بريطانية، نقلاً عن ACLED، أن السعودية باتت مصطفة مع الجيش السوداني، مع استمرار مشاركتها في جهود الوساطة. (GOV.UK)
والأخطر من ذلك ما نشر عن محاولاتها وسعيها لتفكيك قوات الدعم السريع من الداخل واستقطاب بعض قادتها الميدانيين والسياسيين.
فقد نقلت صحيفة The Standard عن تقرير لـAfrica Intelligence مزاعم بأن الرياض دفعت مبالغ مالية لقائدين بارزين انشقا عن الدعم السريع، هما النور القبة وعلي رزق الله «السافنا»، وتحدث التقرير عن مبالغ بملايين الدولارات. ولم يصدر، بحسب التقرير، اي تعليق سعودي علني ينفيها او يؤكدها. (The Standard)
في المقابل، تؤكد مصادر أخرى أن استخبارات الجيش السوداني نفسها أدارت عمليات استقطاب استخدمت فيها حوافز مالية سعودية ضخمة وعلاقات قديمة بين القادة. والثابت أن سلسلة انشقاقات وقعت بالفعل، وأن البرهان استقبل بعض المنشقين وجرى لاحقاً دمج مجموعات منهم في الجيش. (Human Rights Watch)
ان هذه الخطوات المتعلقة بالدور السعودي، تؤكد بان محمد بن سلمان قد انتقل فعليا من وسيط يفترض أن يجمع السودانيين إلى لاعب متهم بمحاولة إعادة هندسة موازين القوى داخل الحرب السودانية نفسها.
لقد أنفقت السعودية لعقود مبالغ ضخمة على التسليح، ومع ذلك عادت الصواريخ والمسيّرات لتفرض نفسها على الحسابات الأمنية للمملكة، ووصل التصعيد الأخير إلى حد طلب الرياض دعماً دفاعياً إضافياً من حلفائها. (Reuters)
فماذا تعلم محمد بن سلمان من اليمن؟
هل الأمن تصنعه الصفقات وحدها؟
وهل يمكن لمحمد بن سلمان أن يبحث عن الاستقرار لبلاده بينما تدخل بلاده في رهانات إقليمية جديدة؟
السلاح يستطيع أن يشتري وقتاً، لكنه لا يشتري سلاماً دائماً.
لا تجعلوا السودان نيوم سياسية أخرى
المشكلة في سياسة محمد بن سلمان ليست الطموح في ذاته، وإنما الفجوة التي يمكن أن تتسع بين ضخامة المشروع وقدرة الواقع على احتماله.
والسودان ليس «نيوم» أخرى يمكن إعادة تصميمها من الرياض.
ولا قواته السياسية والعسكرية شركات يمكن إعادة ترتيب مجالس إداراتها بالمال.
ولا السودانيون موظفون ينتظرون من يقرر لهم من يحكمهم ومن يحمل السلاح باسمهم.
إن صح أن الأموال تستخدم لاستقطاب القادة وشق التحالفات، فهذه ليست صناعة سلام؛ إنها إعادة تشكيل للحرب بأدوات أخرى.
والأمم المتحدة نفسها حذرت قبل أيام من أن الدعم العسكري الخارجي بالسلاح والتكنولوجيا والأفراد والخدمات اللوجستية يزيد قدرة أطراف الحرب السودانية على مواصلة القتال واستهداف المدنيين، وطالبت بمحاسبة الدول التي تغذي الحرب. (Reuters)
الطريق أقصر مما يتخيل محمد بن سلمان
إذا أراد محمد بن سلمان خدمة السودان فعلاً، فالطريق ليس معقداً:
العودة إلى الحياد، وقف أي دعم يغذي الحرب، وعدم شراء الولاءات أو استقطاب القادة، وإحياء منبر جدة على أساس متوازن، والضغط على جميع الأطراف للوصول إلى تسوية سياسية.
أما محاولة صناعة السلام بتمويل طرف، أو تفكيك الطرف الآخر من الداخل، أو تحويل السودان إلى ساحة جديدة لتصفية الحسابات الإقليمية، فلن تنتج سلاماً.
لقد أثبتت المنطقة مراراً أن الحرب أسهل كثيراً في إشعالها من السيطرة على نهاياتها.
وربما يكون الدرس الذي يحتاج محمد بن سلمان إلى قراءته جيداً هو أن الدول لا تصبح أكثر أمناً بكثرة الجبهات التي تتدخل فيها، وإنما بعدد الجبهات التي تنجح في إغلاقها.
فهل يتبخر الرهان السعودي على الجيش السوداني كما تقلصت أحلام نيوم؟
الأيام ستجيب.
لكن المؤكد أن السودان ليس مشروعاً من مشاريع محمد بن سلمان، ومستقبله لا ينبغي أن تحدده أموال الاستقطاب ولا صفقات السلاح ولا صراعات المحاور.
ومن يريد السلام في السودان، فليأتِ إلى طاولة السلام؛ لا إلى سوق شراء الولاءات.

