
الشعوب الثائرة، هي بطبعھا كالسيول، لا تغير مجاريها، ولا تبدل عاداتها، ولا تنحرف عن اهدافها مھما كانت الأوضاع والظروف، بل ومھما كان الثمن.
وبطبيعة حاله فإن شعب السودان، ھو شعبٌ ثائر بالفطرة، مُجربٌ، ومُؤھلٌ لأن يَجتاحَ، وأن يُجرَّفَ ويُزيحَ، كل ما يعترض طريقه نحو النور، والتحرر، والانعتاق.
أنظر كيف يقابل ھذا الشعب بصمود أسطوري أعتي عوادي الدھر، من حرب فتنة مفخخة، ذات ذيول وعقابيل يخشي ألا تنتھي، وكارثة أمطار وسيول ودمار، لم يبقي علي إثره بيتا واقفا، ولم يذر زرعا زاھرا، أفضي من بعد الي كارثة جوع كافر، تتضور به ومنه البطون، فضلا عن كارثة الأسقام والعلل من أوبئة وأمراض فيروسية وغير فيروسية أشكالا وأنواعا تسري في الناس سريان النار في الھشيم.
المهم فقد صار شعب السودان، من واقع هذه التجربة المريرة، مع الحرب، ومع هذه الكوارث التي يأخذ بعضھا برقاب بعض، أمثولة يضرب بها المثل، في الصبر على كل بلاء.
لقد صار شعبنا في الحقيقة “شعب الله الأمثل”.
إذ أن الله يبتلي من الناس، والشعوب، الأمثل فالأمثل، كل على وسعه، وقدره، ومقامه، وطاقة صبره، وقوة احتماله.
بيد أن الثورة التي ھي سلاح ھذا الشعب علي مدي تاريخه، ستظل ھي اليوم أيضا سبيله الوحيد لتجاوز ھذا الواقع المأساوي المرير.
فالثورة أصلا ھي محاولة جادة وعملية، للقفز علي الواقع بالتمرد علي سلطانه، وكسر قيوده، توطئة للسباحة والتحليق خارج غلافه الجوي، ونطاق جاذبيته.
فالثورات تسعي بطبيعة حالها لتحقيق ما يبدو عند الناس مستحيلا، لا ما هو ممكن.
ولعل أكبر مستحيل صار ممكنا بل وواقعا في ثورة ديسمبر المباركة التي تدخل الآن عامها السادس، هو أن جذوتھا المقدسة لا زالت متقدة داخل النفوس، أكاد أري وميضھا تحت رماد ھذه الحرب.
اذ أن “ديسمبر المباركة” ھي في حقيقتھا ليست ثورة واحدة، مثلها مثل “اكتوبر وابريل”، بل هي في الواقع ثورة مركبة تتخذ عدة أشكال، وتتبدي علي أكثر من طابع، فھي ثورة عظيمة يجوز القول فيھا أنھا ثورة تحمل بجوفها عدة ثورات.
وھذا سر من أسرار أن “ديسمبر” ثورة لا تموت، بل ستمضي علي طريقة سباقات التتابع، فكما قادها المهنيون طورا، الي ان بلغوا بها محطة اعتصام القيادة، والي ان قلبوا الطاولة علي كافة الرؤوس، في اليوم المشهود ٣٠ يونيو (٢٠١٩).
قبل أن تقودھا أيضا لجان المقاومة، في عسر ومشقة، يفسرها علم الفيزياء علي قاعدة تقول: إن المقاومة تساوي النسبة بين فرق الجهد وشدة التيار، إذ أن مقاومة أي جسم تقاس بمقدار ما يسمح به من سريان للتيار المار به او عبره.
فرق جھد، فرضه وجود عصي “الثورة المضادة” داخل دواليب الدولة، وشدة تيار، رفع وتيرته منسوب الوعي العالي جدا لدي الشارع الثوري، ربما بأكثر مما ھو لدي ممثلو ھذا الشارع الذين تصدوا لمھمة التغيير.
ھو كان كذلك عسرا خلال فترة الإنتقال، سيتبعه لا محالة يسر نرتقبه، بعد عسر الحرب الذي كان ولا يزال.



