تقارير وحوارات

مصادر مطلعة: خيوط ملف الأسلحة الكيميائية في السودان قد تقود إلى تورط السعودية..؟

تقرير: إيهاب مادبو

بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع، لم يعد الصراع محصورًا في مواجهة داخلية، بل اتخذ أبعادًا إقليمية متزايدة، في ظل تدفق الأسلحة وأشكال الدعم الخارجي، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر في واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم.

وتشير تقديرات أممية إلى أن الحرب أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف، وأجبرت نحو 14 مليون شخص على النزوح، وسط استمرار التحذيرات الدولية من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.

وفي تطور بالغ الحساسية، تصاعد خلال الأشهر الماضية الجدل الدولي بشأن اتهامات باستخدام الجيش السوداني وكتائب إسلامية أسلحة كيميائية في الحرب الدائرة بالبلاد.

وفي سبتمبر 2026، نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تحقيقا استقصائيا قالت فيه إنها راجعت وثائق ومواد متعددة تشير إلى امتلاك الجيش مخزونا من الأسلحة الكيميائية، بينها ذخائر مرتبطة بغاز الكلور تم استخدامها خلال المعارك ضد قوات الدعم السريع.

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت، في وقت سابق، أنها خلصت إلى استخدام السلطة القائمة في بورتسودان أسلحة كيميائية خلال عام 2024، معتبرة أن السودان ظل في حالة عدم امتثال لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية خلال عام 2025.

وفي خضم هذه التطورات، بدأت تتكشف روايات عن مسارات محتملة لوصول المواد الكيميائية إلى السودان، وسط اتهامات بوجود أدوار إقليمية وشبكات دعم وتسهيل قد تمتد إلى مسؤولين سعوديين.

مسؤولون سعوديون في دائرة الاتهام

ويقول مصدر عسكري سابق بالجيش إن ملف الأسلحة الكيميائية لم يكن، بحسب روايته، قرارا محليا معزولا، بل ارتبط بشبكة من العلاقات الإقليمية والدولية.

ويشير المصدر إلى أن ورود أسماء شخصيات دبلوماسية في سياق القضية يثير تساؤلات بشأن طبيعة المشروع والجهات التي ربما وفرت له غطاء سياسيا وأمنيا، مضيفا أن الرياض ربما كانت على علم بتوفير المواد المستخدمة أو ساهمت في تسهيل وصولها إلى السودان.

ويضيف أن القضية قد تتجاوز مسؤولية قائد الجيش البرهان، لتطال شبكات نفوذ إقليمية ودولية، معتبرا أن الاتهامات المطروحة تجعل الملف أكبر من مجرد استخدام غاز الكلور في العمليات العسكرية، وتفتح الباب أمام تساؤلات بشأن وجود مشروع ذي امتدادات خارجية.

وفي سياق حديثه عن مسار المواد الكيميائية، يلفت المصدر إلى أن استيراد الكلور من الهند عبر ميناء جدة، يثير شبهات بشأن محاولة إخفاء المصدر الحقيقي للمواد، كما يثير الحديث عن شبكات شراء أو تهريب غير رسمية تساؤلات حول طبيعة الجهات التي تولت نقلها والظروف التي جرت فيها العملية.

ويؤكد المصدر أن هذه المعطيات، قد تشير إلى مسارات غير معلنة لتوفير المواد الكيميائية، وإلى محاولات محتملة لإبعاد المسؤولية المباشرة عن الجهات التي ربما شاركت في العملية.

من أين جاء الكلور..؟

تشير مصادر مطلعة إلى أن وصول غاز الكلور إلى الاستخدام العسكري في السودان مرّ بمرحلتين خلال عام 2024.

المرحلة الأولى: إعادة توظيف الكلور محليًا

تتحدث المصادر عن إعادة توظيف مادة الكلور التي دخلت السودان أساسا لأغراض مدنية ولا سيما معالجة مياه الشرب ومواجهة تفشي وباء الكوليرا وبحسب هذه المصادر، جرى استغلال الكلور الموجود في محطات مياه مدنية، من بينها محطة مياه في أم درمان، وإعادة استخدامه في برنامج عسكري سري للجيش .

وتشير المصادر إلى أن هذا البرنامج، الذي يُقال إنه أُشرف عليه من قبل ضباط، من بينهم العميد طارق حسين، استهدف تصنيع قنابل وذخائر تعتمد على غاز الكلور خلال عام 2024.

المرحلة الثانية: شحنة الكلور القادمة من الهند

أما المرحلة الثانية، فتتعلق بشحنة من غاز الكلور قيل إنها استوردت من الهند خلال العام نفسه، ووصلت إلى ميناء جدة السعودي، قبل أن تخضع لعملية استبدال للأسطوانات وتحويلها إلى سفينة الشحن “الأحمد” (ALAHMED).وتعرف السفينة، وفق البيانات البحرية المشار إليها، بأنها سفينة شحن عامة (General Cargo Ship)، تحمل الرقم التعريفي الدولي IMO: 9127863، ويبلغ طولها الإجمالي نحو 101 متر، وعرضها قرابة 16 مترًا.سجلت السفينة سابقا ضمن السفن المرتبطة بالسعودية أو التي رفعت علم المملكة، فيما تشير بيانات تتبع بحري حديثة إلى تحركات لها في نطاق البحر الأحمر.

وتتهم تلك المصادر كلا من وليد بن عبدالكريم الخريجي، نائب وزير الخارجية السعودي، والأمير مصعب بن محمد الفرحان، المستشار بوزارة الخارجية، بالاضطلاع بأدوار في تسهيل وصول شحنة الكلور إلى بورتسودان.

من هو وليد الخريجي؟

يعد وليد بن عبدالكريم الخريجي من الشخصيات الدبلوماسية السعودية التي شغلت مناصب حكومية ودبلوماسية متعددة، حيث حصل على درجة البكالوريوس في الهندسة المدنية من جامعة ميامي بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1982، وتولى منصب مدير عام الزراعة والمياه بمنطقة مكة المكرمة خلال الفترة الممتدة من عام 1995 إلى عام 2002.

كما شغل منصب مندوب المملكة العربية السعودية لدى منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي، قبل تعيينه سفيرًا للمملكة لدى تركيا، وهي الفترة التي شهدت مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي.

لاحقا تولى منصب المندوب الدائم للمملكة لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، قبل تعيينه نائبًا لوزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان.

ويقول مصدر سياسي سوداني إن الخريجي برز خلال الفترة الماضية، بوصفه أحد مهندسي التقارب بين الجيش والرياض، مشيرا إلى تحركاته بين باكستان وتركيا في إطار مساع قال إنها هدفت إلى دفع السعودية نحو الانخراط في الحرب السودانية إلى جانب الجيش.ويضيف المصدر أن هذا التقارب لم يقتصر على الجوانب السياسية والعسكرية، بل امتد، بحسب روايته، إلى دعم الخطاب الإعلامي المؤيد للجيش والقوى الإسلامية المتحالفة معه.

ويضيف المصدر أن قناتي “العربية” و”الحدث” السعوديتين تعرضتا لتوجيهات استخباراتية تقضي بتغيير خطهما التحريري بما يتماشى مع توجهات الرياض وانحيازها إلى أحد طرفي الحرب في السودان.

ولا تقتصر الاتهامات على الخريجي وحده، إذ يشير المصدر إلى أن ملف السودان في وزارة الخارجية السعودية كان يتولاه كل من الخريجي والأمير مصعب بن محمد الفرحان، المستشار بالوزارة.

ويقول المصدر إن الفرحان تكرر حضوره في الاجتماعات المتعلقة بالسودان، إلى جانب الخريجي والقيادة السعودية، كما شارك، في ترتيبات سياسية ودبلوماسية مرتبطة بمجلس التنسيق السعودي السوداني.ويضيف المصدر أن هذه التحركات استهدفت، بحسب تعبيره، تهيئة الظروف أمام انضمام سلطة بورتسودان بصورة شكلية إلى تحالف “مكة”، الذي يضم إلى جانب السعودية كلا من تركيا وباكستان، في إطار مقاربات ذات أبعاد عسكرية وسياسية.

دواعي إبعادهما عن ملف السودان

في تطور متصل، تحدثت مصادر عن إحالة كل من وليد الخريجي والأمير مصعب بن محمد الفرحان من ملف السودان، ونقل إدارته إلى الديوان الملكي السعودي.وبحسب مصدر دبلوماسي، جاء هذا التحول في ظل تصاعد تداعيات ملف الأسلحة الكيميائية، وما أثارته التقارير الإعلامية بشأن احتمال وصول شحنة الكلور عبر ميناء جدة، وما قد يترتب على ذلك من تساؤلات بشأن الدور السعودي المحتمل.

ويشير المصدر إلى أن ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، أبدى استياءه من أداء المسؤولين المعنيين بالملف، في ظل التطورات المرتبطة بالاتهامات المتداولة واحتمالات انعكاسها على موقف المملكة وعلاقاتها الإقليمية والدولية.

أسئلة أكبر من الحرب….؟ 

ومع دخول الحرب السودانية عامها الرابع، باتت الأزمة تتجاوز حدود المواجهة بين الجيش وقوات الدعم السريع، لتتحول إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، من البحر الأحمر إلى الحدود المصرية، مرورا بالتنافس على النفوذ والموارد والتحالفات السياسية والعسكرية.

وفي خضم هذه التعقيدات، يظل ملف الأسلحة الكيميائية من أكثر الملفات حساسية، ليس فقط بسبب خطورة الاتهامات المتعلقة باستخدامها، وإنما لما تطرحه من تساؤلات بشأن مصادر المواد المستخدمة، ومسارات انتقالها، والجهات التي قد تكون ساهمت في توفيرها أو تسهيل وصولها.

فالحقيقة الكاملة بشأن الأسلحة الكيميائية في السودان لن تتضح إلا من خلال أدلة قابلة للتحقق، وتحقيقات مستقلة تحدد المسؤوليات بدقة، وتكشف ما إذا كانت هذه القضية قد تجاوزت حدود الصراع الداخلي إلى شبكة أوسع من المصالح والتدخلات الإقليمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى