مقالات واراء

بَيْنَ العَنْبَةِ وَالكِهَانَةِ:

دكتور الوليد آدم مادبو

كيف تُصنع الأساطير حين يعجز أصحابها عن قول الحقيقة

كل أسطورة كبيرة تبدأ من كذبة صغيرة لا تستحق أن تعيش أكثر من ليلة. في الحكاية السودانية الشعبية «صاحب العنبة»، يُتهم رجل بالعجز، فيرتجل دفاعًا ساخرًا: ليس عجزًا، بل فرط رجولة أنتج «عنبة» في عضوه. كذبة عابرة قيلت في لحظة انفعال، ولم يقصد صاحبها أن يؤسس بها مجدًا، لكنها دفعت بعض النسوة إلى الفضول.

ومن الفضول تبدأ الحكاية الحقيقية: سؤالٌ يُهمس به، وتجربةٌ تُروى، ثم روايةٌ تتناقلها الألسن حتى تنسى من أين بدأت.

وهنا تكشف الكذبة عن موهبتها التي لا يملكها صاحبها: القدرة على البقاء. تنتقل من امرأة إلى أخرى، وتكتسب مع كل انتقال دليلًا لم يكن موجودًا: شاهدة لم تُرَ، وتفصيلًا لم يُذكر، وإجماعًا لم يُختبر. وتتحول عبارة «قالوا لي» إلى مصدر أوثق من أي شاهد عيان، لأنها لا تُستجوب ولا تُفضح ولا تُحاسَب.

والأدهى أن من عرفت الحقيقة، تلك التي جرّبت واكتشفت أن «العنبة» وهم، لم تستطع أن تقولها؛ لأن الاعتراف بأنها صدّقت الوهم كان أشد إحراجًا من الوهم نفسه. وهكذا يتحول الحياء، الذي يُفترض أن يكون حارس الفضيلة، إلى حارس للكذبة: من يعرف يخشى الكلام، ومن لا يعرف يجد في صمت العارفين برهانًا كافيًا للتصديق.

وهنا يحق لنا أن نسأل: هل هذه الآلية حكر على العهر الأخلاقي، أم أن العهر السياسي، الذي لا يقل عنه ابتذالًا وإن ارتدى بزّة رسمية بدل ثوب فاضح، يصنع أساطيره بالطريقة نفسها؟ حين أطلق خصوم البرهان، أو حلفاؤه المتلونون، عليه لقب «الكاهن»، لم يكونوا يصفون رجلًا بقدر ما كانوا يمارسون الطقس نفسه الذي مارسته نساء الحكاية: خلق أسطورة تبرر عجزهم عن مواجهته، أو تبرر تحالفهم السابق معه.

فـ«الكاهن» في المخيلة الشعبية ليس رجل دين بالضرورة، بل الماكر الذي يقرأ الغيب ولا يُقهر، لأنه يعرف ما لا يعرفه الآخرون. والمفارقة أن كل من اقترب من البرهان عن قرب يعرف أن هذه الصفة، بالمعنى الذي أُريد لها، غائبة تمامًا. لكن الاعتراف بهذا الغياب يعني اعترافًا أشد إيلامًا: أن الهزيمة أو التحالف أو الفشل لم يكن أمام كاهن عظيم، بل أمام رجل عادي. وهذا اعتراف يصعب على السياسي أن يقوله عن نفسه، تمامًا كما يصعب على من صدّق «العنبة» أن تقول: «جرّبت ولم أجد شيئًا».

من هنا يصبح الفارق بين البغي التي تخترع «العنبة» والسياسي الذي يخترع «الكاهن» فارقًا في المسرح لا في المنطق. مسرح الأول فراش، ومسرح الثاني منابر وبيانات؛ أما الآلية فواحدة: كذبة دفاعية تتحول، بفعل تواطؤ الصامتين، إلى حقيقة يصعب التراجع عنها.

ولأن هذه الآلية ليست سودانية خالصة، فقد التقطها الأدب العالمي من زوايا مختلفة. في «الأنف» لغوغول، يستيقظ الموظف الروسي كوفاليوف ليجد أنفه قد اختفى، ثم يظهر لاحقًا متجولًا في المدينة بزي موظف أعلى رتبة، وكأنه شخص مستقل بذاته. والمفارقة أن المجتمع البيروقراطي المحيط به لا يتوقف عند السؤال البديهي: كيف يحدث هذا أصلًا؟ بل ينشغل بتفاصيل العبث: كيف نعيده؟ وما رتبته الرسمية؟

حين تصبح استحالة الحدث مصدر إحراج جماعي، يتحول السؤال من «هل هذا صحيح؟» إلى «كيف نتعايش مع كونه صحيحًا؟». وهذا، في جوهره، ما حدث مع «العنبة»: بدل أن يبقى السؤال عند أصل الحكاية — هل توجد عنبة أصلًا؟ — انتقل إلى تفاصيلها: من رأى العنبة؟ وماذا حدث بعدها؟ وبالطريقة نفسها، حين يُسلَّم بأن الرجل «كاهن»، يصبح النقاش حول كيفية عمل كهانته، لا حول السؤال الأول والأبسط: هل هو كاهن أصلًا؟

ويصبح الأمر أكثر خطورة حين تتحول الأسطورة إلى نظام مغلق لا يسمح لنفسه بالنقض. في مسرحية آرثر ميلر «The Crucible»، المستندة إلى محاكمات ساحرات سالم، تتهم فتيات مراهقات أهل بلدتهن بالسحر، وسرعان ما تنقلب الآلية: من يدافع عن المتهمين، أو حتى يشكك في مصداقية الشاهدات، يجد نفسه متهمًا بالتواطؤ مع الشيطان. يصبح الإنكار نفسه دليل إدانة.

وهي الآلية ذاتها التي تعمل في «العنبة»: من يحاول تفنيد الشائعة يُتهم بأنه يخفي شيئًا، أو أنه لم يسمعها من «مصدره الخاص». وهي أيضًا ما يفعله الخطاب السياسي حين يتحول التشكيك في لقب «الكاهن» إلى موقف مشبوه في ذاته؛ فمن يقول «ليس كاهنًا» قد يُتهم بالسذاجة أو الانبهار أو التواطؤ. هكذا تبني المنظومة، دينية كانت أو سياسية، حصانة ضد النقض: كل محاولة للتفنيد تُعاد صياغتها دليلًا إضافيًا على صحة الزعم.

أما التفسير العلمي لهذه الظاهرة، فقدمه عالما النفس غوردون ألبورت وليو بوستمان في دراستهما الكلاسيكية عن سيكولوجية الشائعة عام 1947. فقد حددا آليتين أساسيتين تحكمان انتقال الإشاعة: التسطيح، أي حذف التفاصيل المعقدة، والتوكيد، أي تضخيم التفاصيل التي تخدم توقعات الجمهور. وفي تجاربهما، كان المشهد المعقد ينتقل من شخص إلى آخر حتى يصل الوصف الأخير مختلفًا تمامًا عن الأصل؛ لا بالضرورة بسبب كذب متعمد، بل لأن الناس يميلون طبيعيًا إلى تبسيط ما يصعب تذكره وتضخيم ما يخدم القصة.

وهذا بالضبط ما فعلته «العنبة». كل امرأة نقلت الرواية حذفت شيئًا من غموضها الأصلي وأضافت إليها قدرًا جديدًا من اليقين، حتى تحولت النكتة العابرة إلى حقيقة متداولة. وهو ما يحدث سياسيًا أيضًا: رجل عادي، يُعاد وصفه مرة بعد أخرى، قد يتحول عبر سنوات التداول إلى «كاهن» أسطوري لا يشبه في شيء الرجل الذي جالسه المقربون منه.

لكن يبقى السؤال الأهم: من المستفيد من بقاء الأسطورة حية؟

ليس بالضرورة من صدّقها، بل من اخترعها دفاعًا عن نفسه، ثم نجا بجلده بينما تورط فيها كل من نقلها. فالكاذب الأول، paradoxically، أقل الحاضرين خطرًا؛ لأنه يعرف، في نهاية المطاف، أنه يكذب. أما الخطر الحقيقي فيكمن في الجمهور الذي يحوّل الكذبة الفردية إلى حقيقة جماعية، لأن الاعتراف بزيفها يصبح مكلفًا أكثر من السكوت عليها.

وهنا تكتمل الدائرة بين «العنبة» و«الكهانة»: كلاهما يبدأ بكذبة صغيرة، ثم تكبر الكذبة كلما خجل الناس من اختبارها، حتى يصبح تفنيدها أكثر كلفة من تصديقها. الأول يبيع وهمًا في الجسد، والثاني يبيعه في الخطاب؛ لكن كليهما يحتاج إلى جمهور خجول كي يعيش الوهم أطول من ليلة واحدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى