
كتب الإخواني د. حمد بن عبد العزيز الكواري والذي يكتب في صحيفة الشرق القطرية المحسوبة للإخوان مقالا بعنوان “السودان متى يستعيد عافيته؟”، قدّم فيه نفسه بوصفه صاحب علاقة وجدانية وتاريخية طويلة بالسودان، قبل أن ينتقل إلى تقديم وصف سياسي للحرب، بدا في جوهره أقرب إلى إعادة تدوير رواية الإخوان عن الصراع السوداني.
المشكلة في مقال الكواري ليست في سؤاله عن مستقبل السودان؛ فهذا سؤال مشروع ومؤلم لكل سوداني. المشكلة في الطريقة التي حاول بها تحديد أسباب المرض، ثم وصف الدواء بعد أن حذف من وصفته الطبية أهم الحقائق.
يقول الكواري إن “الدولة لا تحتمل جيشين”، وهي عبارة صحيحة من حيث المبدأ، لكنها تصبح مضللة عندما تستخدم كمدخل لإعادة كتابة تاريخ الدعم السريع وكأنه قوة ظهرت فجأة خارج الدولة ثم قررت من تلقاء نفسها منافسة الجيش.
الدعم السريع لم يكن قوة مجهولة الهوية أو تنظيماً سرياً خارج مؤسسات الدولة. لقد أُنشئ وتطور في ظل النظام السابق، ثم جرى تقنين وضعه قانونياً، وأُجيز قانون قوات الدعم السريع في البرلمان السوداني، وأصبح قوة عسكرية معترفاً بها ضمن منظومة الدولة قبل أن تنفجر الحرب الحالية.
هذه الحقيقة ليست تفصيلاً هامشياً يمكن القفز فوقه، لأنها تطرح السؤال الذي حاول المقال تفاديه: من الذي صنع تعدد مراكز القوة داخل الدولة السودانية؟ ومن الذي سلّح هذه القوة وأدخلها في معادلة السلطة؟ ومن الذي جعل المليشيات جزءاً من هندسة النظام السياسي والأمني؟
والأكثر إثارة للاستغراب فهو محاولة كاتب المقال تقديم الحرب باعتبارها صراعاً مجرداً بين مؤسستين عسكريتين، مع تجاهل الدور السياسي والتنظيمي للإسلاميين في المشهد السوداني.
فلايمكن فهم حرب السودان من خلال التركيز على أعراضها مع تجاهل الأسباب الكامنة وراءها وفي جوهرها، مشروع الكيزان لاستعادة الدولة وربطها بشبكة إقليمية أوسع تُزعزع الاستقرار عبر أفريقيا وبحر القلزم بدعم من إيران.
فالحرب لم تبدأ في فراغ، بل وراءها تاريخ طويل من تمكين الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة، وبناء الأجهزة الموازية، وتسييس القوات النظامية، وإضعاف الحياة السياسية، وإقصاء الخصوم، ثم محاولة استعادة السلطة بعد سقوط نظام البشير.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يجيب عنه الكواري:أين موقع الكيزان في هذه الحرب؟ ومنذ متى كانت قيادات الكيزان تتحدث عن الحرب باعتبارها معركة وجود، وتدفع باتجاه استمرارها، وترفض أي تسوية تنهي قدرتها على العودة إلى السلطة؟
لا يمكن كتابة تاريخ الحرب في السودان عبر حذف الإسلاميين من المشهد، ثم تقديم رواية أخلاقية عن الدولة والمليشيا وكأن السودان لم يعش ثلاثة عقود تحت نظام أسس بنفسه شبكة واسعة من المليشيات التي تقاتل بجانب الجيش الذي هو في الإساس جيش الكيزان.
والأغرب أن الكاتب يتحدث بإسهاب عن التدخلات الخارجية، ثم يمارس انتقائية صارخة في تحديد المسؤولين عنها ويتجاوز دور الدوحة في تغذية نيران الحرب بتمويل خطابها اعلاميا
نعم، للسودان مصالح وصراعات إقليمية ودولية متشابكة، ولكن تحويل هذا التعقيد إلى رواية جاهزة ثم الزج بإسرائيل في النص بهذه الطريقة، لا يشرح الحرب؛ بل يخدم خطاباً سياسياً يريد صناعة عدو خارجي”متخيل” وتبرئة حلفائه من مسؤولية إشعال الصراع وإطالة أمده.
وإذا كان الكواري حريصا على مستقبل السودان، فعليه أن يجيب بوضوح عن سؤال جوهري: هل يدعم قيام دولة علمانية، كما نصّ عليه دستور “تأسيس”، تحترم التنوع والتعدد وتفصل الدولة عن الأيديولوجيا السياسية والدينية، أم أنه يسعى، تحت عناوين جديدة، إلى إعادة إنتاج دولة ما قبل سقوط البشير وبنيتها السياسية والأيديولوجية؟
فالدولة التي يتحدث عنها المقال لا يمكن أن تكون دولة حقيقية إذا كان المقصود بها دولة تحتكرها جماعة سياسية بعينها، أو جيشاً تتحكم فيه شبكة حزبية، أو سلطة تستخدم مؤسسات الدولة لإعادة إنتاج نفسها.
السودان لا يحتاج إلى ذكريات جميلة بقدر ما يحتاج إلى قراءة صادقة لمأساته ولايحتاج إلى من يرثيه بلغة دبلوماسية ناعمة، ثم يمرر بين السطور الرواية التي يريد لها أن تصبح حقيقة.
لقد عرف السودانيون جيداً كيف تحولت الدولة خلال عقود إلى دولة حزبية، وكيف جرى استخدام مؤسساتها لمصلحة تنظيم سياسي، وكيف أُنشئت القوى المسلحة الموازية، وكيف انتهى ذلك كله إلى الكارثة التي يعيشها السودان اليوم.
لذلك فإن استعادة عافية السودان لن تبدأ بتبرئة طرف وإدانة طرف وفقاً للموقف السياسي من الحرب، ولن تبدأ بإعادة تدوير خطاب الإسلاميين، ولن تبدأ بتزييف التاريخ.
ستبدأ حين تُقال الحقيقة كاملة بلا مواربة؛ فالحقيقة أن السودان دفع ثمناً باهظاً لعقود من عسكرة السياسة، وتسييس المؤسسة العسكرية، وإنشاء وتكريس القوات الموازية التي أضعفت الدولة ومهّدت لانفجار الحرب.
والحقيقة أيضاً أن الإسلاميين لم يكونوا مراقبين من خارج المشهد، بل كانوا جزءاً أصيلاً من تاريخ السلطة التي أسهمت في تشكيل البيئة السياسية والعسكرية التي انتهت إلى هذه الحرب.
وحين لا يعود هناك جيش حزبي، بل جيش وطني جديد، يقوم على عقيدة وطنية حديثة، ويلتزم بدوره المهني بعيداً عن السياسة والصراع على السلطة؛ وحين يُبنى سودان جديد، علماني وديمقراطي، تنظر فيه الدولة إلى التنوع والتعدد باعتبارهما مصدر قوة وثروة قومية، لا تهديدا للهوية ولا انتقاصا من خطابها، عندها يمكن للسودان أن يخطو فعليا نحو بناء دولة المواطنة والمؤسسات.



