مقالات واراء

محاكم الإعدام ضد أطفال النوبة: عنصرية الدولة المركزية بوجهها العاري

عمار نجم الدين

منذ دخول الاستعمار التركي إلى السودان وحتى يومنا هذا، ظل النوبة يمثلون ضحايا لسياسات مركزية تميزت بسمات عنصرية واقتصادية وسياسية ممنهجة. ارتبطت تلك السياسات منذ نشأتها بتحويل المجموعات الإثنية غير المنتمية إلى النخبة النيلية إلى مجرد أدوات وقود للحروب أو عبيد لأهداف الدولة المركزية.

تشكل الدولة السودانية الحديثة امتدادًا لهياكل استعمارية رسخت استغلال الإثنيات المهمشة مثل النوبة. فمنذ فرض ضريبة “الدقنية” التي كانت بمثابة جزية مفروضة على النوبة حتى منتصف الستينات، استُخدم النوبة كرمز للعجز الاقتصادي والتبعية. ومع اندلاع الحروب، خاصة في جنوب كردفان وجبال النوبة، زُجّ بأبناء هذه المناطق في الصفوف الأمامية كوقود لتلك الصراعات، مما يكشف عن البنية العنصرية التي ترى فيهم مجرد أدوات للاستنزاف العسكري.

يُظهر البيان الصادر من رابطة جبال النوبة كيف تتجلى العنصرية في ممارسات الدولة المركزية، حيث يُحاكم أطفال قُصَّر من النوبة بأحكام الإعدام تحت ذريعة المادة 50، التي تجرم أفعالاً تتعلق بالأمن الوطني.

وهم :_

الأسماء والأعمار المذكورة في البيان هي:

 1. يعقوب أندروس المالكي – العمر: 17 سنة

 2. عبير أندروس المالكي – العمر: 17 سنة

 3. عبد السلام عبد الرحيم سليمان – العمر: 17 سنة

هؤلاء الأطفال يواجهون أحكامًا بالإعدام وفقًا لما ورد في البيان، وهو انتهاك صارخ لحقوق الأطفال والقوانين الدولية.

المفارقة هنا أن المادة ٥٠ تفتقر إلى أدنى معايير العدالة، حيث يتم توظيفها فقط ضد الفئات الإثنية المهمشة في معظم الاوقات ، بينما يُستثنى منها القادة العسكريون والميليشيات المتورطة في جرائم واضحة، مثل قائد درع الشمال (كيكل)، الذي ارتكب انتهاكات كبيرة بتوجيهات من القيادة المركزية ولكنه لم يُحاسب.

يلعب بعض أبناء النوبة دورًا مأساويًا في دعم الدولة المركزية، حيث تسوقهم الحاجة لإثبات ولائهم للمركز على حساب أبناء جلدتهم. هذا النمط يعكس “سايكولوجيا الإنسان المقهور”، التي تظهر عندما يسعى الشخص المضطهد إلى التماهي مع مضطهده كمحاولة لتحقيق مكانة أو قبول. في حالة النوبة، يمكن ملاحظة ذلك في دعم بعض أبناء النوبة للجيش السوداني وإجبار مجتمعاتهم على المشاركة في الحروب التي لا تخدم إلا النخبة المركزية.

إن ملاحقة أطفال النوبة ومحاكمتهم بالإعدام بناءً على إثنياتهم يعكس نمطًا مشابهًا لقوانين هتلر العنصرية التي كانت تستهدف غير الآريين. هنا، تتجلى البنية العنصرية في تحويل القوانين إلى أداة للتصفية العرقية، مما يضع الدولة السودانية في خانة المؤسسات التي تُعادي الإنسانية وتستهدف التنوع.

بالعودة إلى التاريخ، يظهر أن النخبة المركزية النيّلية لم تكتفِ بتهميش النوبة اقتصاديًا واجتماعيًا، بل استهدفتهم نفسيًا وسياسيًا. من ضريبة “الدقنية” إلى محاكم الإعدام الحالية، تعمل هذه النخبة على تثبيت هياكلها بالتحكم في مفاصل السلطة والعدالة، مُصنفة النوبة دومًا كـ”وجوه غريبة” خارج النسيج الوطني، تمامًا كما وُصموا في الحقبة التركية.

إن هذا البيان يُعد وثيقة إدانة واضحة لسياسات دولة قائمة على التمييز الهيكلي، حيث تصبح العدالة مفهومًا نسبيًا مرتبطًا بالعرق والمصلحة. لذا، فإن تفكيك هذه البنية العنصرية ليس مجرد مطلب حقوقي، بل ضرورة تاريخية تُعنى بتحرير النوبة من قبضة دولة ترى فيهم وقودًا للصراعات، لا شركاء في بناء الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى