كيف؟ تؤثر قرارات وقوانين وتشريعات التمييز العنصري للدولة المورثة من الاستعمار على بعض السودانيين “الهوسا والبرنو والبرقو والسواكنية نموذجا”
محمد علي مهلة

◾️تمهيد
التمييز العنصري ليس هو تلك الكلمات والأوصاف التمييزية التي تُطلق من البعض على الآخر الذي تراه مختلفًا، بل إن جوهره هو واقع الحرمان من الحقوق المتساوية، عبر خلق الحواجز والعوائق والموانع الهيكلية التي تورث المظالم من الأسلاف إلى أجيال الحاضر، وتمنع الأفراد والمجموعات من حق التطور العادل وفق شروط المواطنة المتساوية، ويتم الإقصاء عبر قرارات وتشريعات وقوانين تمييز عنصرية، وهو ما اتسمت به الدولة السودانية المورثة من الاستعمار.
ما دعاني للبحث عن ذلك هو التأمل في فكرة التغريب والدمغ بالأجنبية التي تمارسها بعض النخب التي ورثت أوضاع البلاد بعد خروج المستعمر واستمرت في سياساته، وأصبحت تلك النخبة تمتلك إيديولوجيات إقصائية، تستخدمها عند احتدام التنافس على امتيازات السلطة والثروة. وبالطبع فإن التغريب والدمغ بالأجنبية ليس حصرًا على المذكورين في هذا المقال من الهوسا والبرنو والبرقو والسواكنية. فالتغريب والدمغ بالأجنبية يتجاوز هؤلاء إلى آخرين كالأقباط والفلاتة والزغاوة والتاما والبني عامر والحباب، ومؤخرًا عرب البقارة والأبالة من الرزيقات والمسيرية والهبانية وأولاد راشد والتعايشة والسلامات وبني هلبة ..إلخ، وربما يتم إدخال آخرين في القائمة وفقًا لتطور مسار الصراع والتنافس على امتياز السلطة والثروة. وهذا التنافس الذي يتم بدون أسس ومعايير عادلة، ويأتي في شروط محكومة بالاقصاء عبر الغلبة والعنف.
▪️قرارات إدارة مشروع الجزيرة في العام 1945م وقانون تعريف من هو السوداني للعام 1948م
أن مدخلنا هذه المرة لمناقشة قرارات وقوانين التمييز العنصري التي تعرض لها البعض من مجتمعات الهوسا والبرنو والبرقو والتاما والزغاوة …إلخ المذكورة في صدر كتابتنا هذه، هي شهادات لكتابات رصينة ومميزة، أولها كتابة عثمان نواي هبيلا في كتابه “المواطنة المؤقتة: ملكية الأرض كآلية استغلال واضطهاد” والذي تناول فيها الجذور التاريخية والأبعاد الثقافية والاقتصادية لأزمة الكنابي، وأورد توثيق الباحث بيتر ماكلوجين الذي نشره في مطلع الستينيات، وهو توثيق لحيثيات الجلسة السابعة للمجلس الاستشاري لشمال السودان المنعقدة في قصر الحاكم العام في الخرطوم في 25 مايو 1947، حيث تم فيها تقديم تقرير من هنري ماكنتوش المسؤول الإداري عن العمل حول النقص في العمال الزراعيين والدور الهام والرئيسي الذي يلعبه العمال من غرب السودان في الإنتاج الزراعي في ذلك الوقت. وفي هذا التقرير علق المسؤول الإنجليزي على المداولات التي جرت حول العمال من غرب السودان في ذلك الاجتماع قائلًا: “لقد كان النقاش بالكامل من قبل القادة السودانيين الشماليين يشير بوضوح إلى أنه من الناحية السياسية، فإن القادم من غرب السودان يُعتبر مثيرًا للشغب والمتاعب، حاملًا للأمراض وغيره، وأنه يجب عدم تشجيع إقامته في السودان (باعتبارهم حجاجًا عابرين فقط). ولكنهم اتفقوا على أنه، أي القادم من الغرب، لا يمكن أبدًا الاستغناء عنه من الناحية الاقتصادية”. ويؤكد ماكلوجين في دراسته على وجود تحيز وتمييز منهجي ضد القادمين من غرب السودان بشكل عام في مشروع الجزيرة، ويؤكد على وجود تحيز عرقي مناهض لهم من قبل ما يسميهم بالشماليين هناك، حيث يقول: “على الرغم من الإدراك لحقيقة أنه بدون أن يقوم العمال القادمون من غرب السودان بمهام معينة، فلن يكون هناك قطن ليتم تصديره، إلا أن الاستياء والضغينة ضد هؤلاء القادمين من غرب السودان قد وصل إلى نقطة منعهم من أن يصبحوا من مستأجري أراضي المشروع منذ الخمسينيات”، أي أن يصبحوا مزارعين يمتلكون حواشات. “فبينما لا يزال هناك بينهم القليل من المستأجرين (المزارعين)، فإن النسبة من القادمين من الغرب الذين يمتلكون أراضي مؤجرة قد تناقصت كثيرًا”. في كتابات سابقة تناولنا ما أورده نواي بالتفصيل والذي نعتبره واحدًا من أصحاب المساهمات الرصينة حول قضية الكنابي والتمييز العنصري بشكل عام.
ونأتي للشهادة الثانية التي نفصل فيها أكثر، وهي لصديق عبد الهادي في كتابه “بعض قضايا الاقتصاد السياسي” 2019 (ص: 136-137)، إذ يورد النص التالي:
“يرجَع وجود العمال الزراعيين في منطقة الجزيرة إلى ما قبل تأسيس وقيام المشروع. يُرجح أن أقدم تواجد للعمال الزراعيين كان في جنوب منطقة الجزيرة، وأما في منطقة امتداد المناقل فيمتد وجودهم لعقود قبل قيام الامتداد في عام 1958، حيث إن بعض ‘الكنابي’ يرجَع تواجدها لأكثر من ثمانين عامًا. ولكنه صحيح تمامًا بأن قيام المشروع عمل على جذب أعداد كبيرة من العمال الزراعيين إلى منطقة الجزيرة، وخاصة في العشرين سنة الأولى من عمره، وذلك بسبب السياسات التشجيعية التي تبنتها السلطات الاستعمارية وإدارتها في مشروع الجزيرة، والتي وصلت إلى حد تمليك الحواشات للعمال الزراعيين، سيما في سنوات الكساد الاقتصادي العالمي في بداية الثلاثينات من القرن الماضي، والتي تأثر بها سلبًا إنتاج القطن وعائداته بشكل كبير، مما حدا ببعض المزارعين ترك حواشاتهم. فبين العامين 1933-1934 كان هناك حوالي 2000 من القادمين الجدد من الغرب أصبحوا مزارعين، وبحلول العام 1944-1945 ارتفع عدد الملاك منهم إلى 3000 مزارع. ولكن تلك السياسات التشجيعية سرعان ما تقهقرت بصدور قانون الجنسية لعام 1948 والذي حدد بأن السودانيين وحدهم لا غيرهم هم من يحق لهم العمل بمرتب وكذلك امتلاك الأرض. وفي حقيقة الأمر أن هذا القانون جاء معززًا، بشكل أو بآخر، لتوجيه أجازته إدارة المشروع في عام 1945، والذي يقضي بأنه ‘لو توفي مالك الحيازة أو الحواشة من غير السودانيين، يجب ألا تتحول ملكية تلك الحيازة أو الحواشة لورثته من بعده’. وذلك يعني بالنتيجة أن يظل أبناؤهم وبناتهم عمالًا زراعيين، أي ألا يخرجوا عن تلك الدائرة أو الواقع الطبقي! والغريب في الأمر أن الوضع الذي تسبب فيه وأنتجه قانون 1948، وبعد مرور سبعين عامًا، ليس ساري وحسب، بل قد يكون أصبح منحدرًا إلى الأسوأ في الوقت الراهن، حيث يهوي المشروع إلى درك سحيق! إن سياسة التمييز ضد الآخر بشأن امتلاك الأرض مارستها معظم الأنظمة العنصرية، حتى لو كان لذلك الآخر دور حاسم في العملية الإنتاجية. ففي الولايات المتحدة الأمريكية صدر في العام 1913 ما عُرف بـ ‘قانون كاليفورنيا للأراضي لسنة 1913’، وبموجبه حُرمت إجارة أو امتلاك الأرض لغير الأمريكيين البيض. وقد كان هذا القانون يستهدف في الأساس العمال الزراعيين المكسيكيين والصينيين واليابانيين وغيرهم. ولكن في عام 1939 أجاز مجلس الشيوخ قانونًا تضمن حماية العمال الزراعيين، وهو أول قانون يساوي بين العمال الصناعيين والعمال الزراعيين في الحماية، وقد عُرف بـ ‘القانون رقم 1970’. ولابد في شأن العمال الزراعيين من الإشارة إلى حقيقة سمات مشتركة بينهم أينما وجدوا، وأهم سمتين بارزتين هما: الأولى، تفشي الأمية، الأمر الذي يجعلهم، في غياب التشريعات التي تحميهم، عرضة للاستغلال والعيش تحت أسوأ الظروف. ينطبق ذلك على العمال الزراعيين بمشروع الجزيرة والمناقل، فقد أوردت بعثة البنك الدولي في تقريرها قائلة: ‘تُعتبر الجزيرة والمناقل أعلى المناطق تعليمًا في السودان، إلا أن الغالبية العظمى من سكان الكنابي أميون، حيث يسود تعليم الخلاوي أو المدارس القرآنية’، وتصل نسبة الأمية في الكنابي إلى 74%. والسمة الثانية هي الفقر المطبق”.
فما أورده صديق عبد الهادي حول قرارات وقوانين التغريب والدمغ بالأجنبية التي حرمت بعض مجتمعات العمال الزراعيين بالكنابي، ونزعت حقها في المواطنة والانتماء، وبالتالي حرمانهم من تملك الأرض الزراعية المتاحة حينها، وكذلك حرمان الأبناء من وراثة ما تم تمليكه وكذلك من العمل بمرتب، وأنه منذ تاريخ صدور 1948 وإلى 2019 حيث كتب صديق عبد الهادي كتابه، ازدادت الأوضاع سوءًا بالكنابي، وأن إيراده لنسبة الأمية العالية وتفشي الفقر، ومقارنته بالتمييز العنصري الذي تعرض له بعض العمال الزراعيين في أمريكا والقوانين التي عملت على إنصافهم هناك. فشهادة صديق عبد الهادي هي رؤية شاملة ومفصلة تلامس خلل الدولة الموروثة من الاستعمار والتي سارت على نهجه في الإقصاء والتمييز العنصري. وما تفضل به صديق عبد الهادي عن تفشي نسبة الأمية أعرفه تمامًا وعايشت مأساته لحظة بلحظة، ويكفي أننا بمنطقة سككنا والتي تأسست في الثلاثينيات، فإلى العام 2006 نحن فقط أربعة خريجين جامعيين.
▪️حادثة السواكنية في عام 1957 وقانون تعريف من هو السوداني في العام 1948
ولتناول دور قوانين التمييز العنصري، ومثالاً لها قانون 1948 “قانون تعريف من هو السوداني”، كيف يمكن لهذه الصياغات القانونية أن تكون مدخلاً للتجريد من حق المواطنة والانتماء، وبالتالي الحرمان من التنافس العادل على حكم وقيادة البلاد. وفي هذه الجزئية نورد شهادة الكاتبين؛ أحمد إبراهيم أبو شوك والفاتح عبد الله عبد السلام في كتابهما “التجارب البرلمانية في السودان (1953-1986)”، صدر الكتاب في العام 2008، وفي ص: 90 تناول تأثير مسألة الجنسية السودانية المرتكزة على قانون 1948، وأوردا الشهادة والنص التالي:
“أولاً: قضية الجنسية السودانية. كما أشرنا في الفصل الأول، إن تحديد الهوية السودانية بالنسبة لبعض الناخبين والمرشحين كانت مشكلة أساسية، أثارتها المكايدات السياسية والكسب الحزبي الرخيص، وذلك انطلاقًا من قانون الجنسية السودانية لعام 1948م، الذي يُعرّف السوداني بالشخص الذي استوطن في السودان منذ 31 ديسمبر 1897، وبذلك صُنّف معظم المهاجرين الذين استقروا في السودان بعد ذلك التاريخ بأنهم غير سودانيين. وقد تأثرت بذلك شريحة من السواكنية الذين كانوا يقطنون بورتسودان، وتوتر الجو السياسي آنذاك. حسب قول المحامي مبارك زروق: ‘إنني شخصيًا كنت أتمنى لو أن هذه الحوادث المؤسفة لم تقع أبدًا، وفي بورتسودان بالذات، وبين السواكنية أولئك المواطنون الوطنيون، الذين عرفناهم بإحساسهم وشعورهم سودانيين من صميم هذا السودان، وعرفناهم، بل عرف السودان أجمع، مشاركتهم في الحركة الوطنية. إلا أن موقف قاضي محكمة بورتسودان الجزئية كان له موقفًا مخالفًا لموقف زروق، حيث أصدر حكمًا يقضي بعدم أهلية ترشيح الأستاذ محمد عبد الجواد والأستاذ علي بازرعة وآخرين بحجة أنهم غير سودانيين، ويعلل ذلك الحكم بقوله: ‘إنه مقتنع بأن والد كل من عبد الجواد وبازرعة قد حضرا إلى السودان قبل المهدية، ولكن القانون يقول بأن الذين حضروا قبل المهدية لا يعتبرون سودانيين إلا إذا قدموا وثيقة قانونية من البلد الذي هاجروا منه، تثبت أنه لم تعد لهم صلة بذلك البلد’. ويبدو أن ذلك الحكم قد انطلق من تفسير حرفي للقانون، لأن المحكمة العليا ألغته، وأقرت هوية السواكنية السودانية، وسمحت لهم بممارسة حقهم الانتخابي. لكن السجال القانوني في مجمله ألقى بظلاله على الحملة الانتخابية الثانية لعام 1958م، واستُثمر استثمارًا حزبيًا لا علاقة له بواقع السواكنية في بورتسودان. وتداركًا لتلك المشكلة من ناحية قانونية وسياسية، تم تعديل قانون الجنسية السودانية في يوليو 1957م، وبموجب ذلك التعديل أضحى كل من وُلِد في السودان ووالده وُلِد في السودان أهلًا للحصول على الجنسية السودانية”.
وهذا النص يؤكد أن واحدًا من جذور المشكلات للدولة المورثة من الاستعمار هو الإقصاء على أساس الهوية العرقية، فوفقًا لقانون 1948 العنصري فإن بازرعة وعبد الجواد لم يشفع لهما حتى أن والديهما حضرا إلى السودان قبل المهدية أي قبل 1881، وأنهما شاركا في حركات التحرر الوطني السودانية، فجرّدهما هذا القانون من حق المواطنة والانتماء بمجرد منافستهما على السلطة والحكم.
أما أنا كاتب هذه السطور، فقد ذهبت إلى مدينة ود مدني في العام 1998 لاستخراج الجنسيات تجهيزًا لامتحان الشهادة السودانية 1999، وكان معي والدي رحمه الله. وبعد استخراجنا للجنسية، تعثر صديقي الذي ينتمي لمجموعة الهوسا في استخراج الجنسية، لقد طلب منه المُتحَرّي شاهدًا ثانيًا، مع أن صديقي يحمل شهادة ميلاد ومعه والده الذي يحمل جنسيته تلك التي تحمل الغلاف الأخضر. ورغم ذلك، طالبوهم بشاهد آخر، وإلا فلن يستطيعوا استخراج الجنسية. فتخيل! أن تكون مواطنًا وتطالبك دولتك بإثبات مواطنيتك، وألا تشفع لك شهادة ميلادك ولا جنسية والدك في ذلك!!! هذا الأمر لا يحدث في أي مكان في العالم المحترم، فحق المواطنة في الأساس حق فردي، وليس جماعيًا ليُحال إلى عرق أو أصل اجتماعي أو وضع طبقي، إلا في هذا السودان العجيب. لذلك هذه الدولة الموروثة من الاستعمار لا يمكن أن تستمر باختلالاتها تلك.
▪️في الختام
فنحن عندما نستعرض ما نراه جذورًا للمشكلات، ومنها التمييز العنصري عبر السياسات والقوانين والتشريعات، وفقًا لما سردناه هنا في تلك النماذج بذكر أسماء تلك المجموعات لضرورة اقتضتها أهمية التوضيحات العملية، وغرضنا معالجة جذور المشكلات، والتوافق على حل عادل وشامل، لينقلنا من تسييس الدين والهويات إلى دولة علمانية محايدة تجاه الدين والهويات، ومن مركزية قابضة إلى نظام حكم لا مركزي، ومن نظام اقتصادي طفيلي إلى نظام اقتصادي عادل توجه سياساته المالية والنقدية للمنتجين والإنتاج، ومن هوية أحادية جزئية إلى هوية وطنية ترتكز على المواطنة والإقرار والحماية للتعدد والتنوع والاختلاف. ونعتقد أن هذا هو ما ينفع الناس ويقود في نهاية الأمر إلى الانتقال والتحول إلى وضعية جديدة يسودها السلام المستدام، وتنتهي دورة الحروب التاريخية التي تمثل تمظهرًا لجوهر أزمات الدولة الموروثة من الاستعمار.
16 أبريل 2026
المراجع:
▪️ الانتخابات البرلمانية في السودان؛ أحمد إبراهيم أبو شوك والفاتح عبد الله عبد السلام – 2008
▪️ بعض قضايا الاقتصاد السياسي لمشروع الجزيرة – صديق عبد الهادي – 2019
▪️ المواطنة المؤقتة: ملكية الأرض كآلية استغلال واضطهاد – عثمان نواي هبيلا – 2018



