حين تتعرّى الدولة القديمة… مصرف المستقبل وفشل بنك السودان في معركة العدالة المالية
جمعة حراز

تحذير بنك السودان المركزي من تطبيق مالي غير مرخّص في مناطق سيطرة الدعم السريع لا يمكن قراءته خارج سياق الصراع السياسي العميق حول من يملك القرار الاقتصادي في البلاد. فالبيان، رغم لغته القانونية المنمّقة، يكشف مرة أخرى عن عقلية “دولة 56” التي لا ترى في المواطن إلا تابعًا، ولا تعترف بحقوق الهامش إلا عندما تخدم مركز السلطة.
بنك السودان يتحدث عن غسل أموال وتمويل إرهاب، بينما يصمت صمتًا مريبًا عن السحب القسري لودائع المواطنين في مناطق سيطرة الجيش، وعن تجميد الحسابات، وعن آلاف الأسر التي فقدت مدخراتها دون أي سند قانوني أو حماية مؤسسية. هذه ليست إدارة نقدية، بل استخدام سياسي للأدوات المصرفية.
في المقابل، يمثل موقف مصرف المستقبل في مناطق سيطرة الدعم السريع خطوة متقدمة نحو كسر الاحتكار المالي، ومحاولة جادة لإيجاد بدائل عملية في واقع انهارت فيه الدولة المركزية وفقدت مصارفها أي مصداقية. قد لا تكون التجربة مكتملة، لكنها تعبّر عن حاجة حقيقية للناس في دارفور وكردفان وسائر مناطق الهامش للوصول إلى أموالهم بعيدًا عن ابتزاز المركز.
إن ما يصفه بنك السودان بـ“النشاط غير المرخّص” هو في جوهره تعبير عن تمرد اقتصادي مشروع على منظومة ظلت لعقود تحاصر الأطراف، وتكدّس الثروة في الخرطوم، وتستخدم القوانين كسلاح لإخضاع المجتمعات المهمّشة. ومن هنا فإن دعم مصرف المستقبل ليس مجرد موقف مالي، بل هو موقف سياسي بامتياز، يندرج ضمن معركة فك الارتباط مع دولة 56 وميراثها الثقيل.
دولة 56 لم تسقط فقط لأنها فشلت في إدارة التنوع، بل لأنها احتكرت المال والقرار، وحوّلت البنك المركزي إلى ذراع من أذرع السلطة العسكرية. واليوم، حين يبدأ الهامش في بناء أدواته الاقتصادية الخاصة، يهرع المركز لإطلاق التحذيرات ورفع فزاعة القوانين الدولية.
المطلوب ليس العودة إلى مصارف فقدت شرعيتها، بل بناء نظام مالي جديد يعكس واقع السودان المتعدد، ويعيد الاعتبار لحقوق المودعين أينما كانوا، دون تمييز جغرافي أو سياسي. فالمعركة لم تعد عسكرية فقط؛ إنها معركة اقتصاد وسيادة وكرامة.
ومصرف المستقبل، رغم كل التحديات، يمثل إحدى إشارات هذا التحول… خطوة صغيرة في طريق طويل نحو تفكيك دولة المركز وبناء سودان جديد، لا تُصادر فيه أموال الفقراء باسم القانون، ولا تُحتكر فيه الحياة باسم الدولة.


