مقالات واراء

التسوية السياسية وبناء السلام: مقاربة تشاركية للأهداف( تحالف تأسيس أنموذجا) (1)

دكتور/ إبراهيم الضي

تشكل الحرب الحالية في السودان أكبر الأزمات تعقّيدا وتداخلا في الأبعاد ، حيث إندلعت الحرب في السودان 2023 ، كنتيجة حتمية و متوقعة نسبة للإختلالات البنيوية في الدولة والمجتمع منذ الإستقلال و إغفال النخبة بطريقة ممنهجة معالجتها ، و جعل الحديث عن ذلك الإختلال عنصرية و جهوية.

لذلك فإن الصراع لم يكن وليد اللحظة بل هو نتيجة لتراكمات طويلة من الأزمات السياسية و الإجتماعية المتوارثة و التي تجسدت في ضعف مؤسسات الحكم ، و تفشي الفساد و المحسوبية و تنامي الولاء الجهوي و القبلي علي حساب الولاء القومي ، و إعتماد الولاءات الجهوية و العنصرية و بعدها مرتبة الولاء السياسي كمعايير في مؤسسات الدولة في عمليات التعيينات و الرفت حفاظا على الإمتيازات المتوارثة عبر تتابع الأجيال.

كل ذلك ساهم في تدني الشعوري القومي وقد ساعدت تلك العقلية على نمو الرأسمالية الطفيلية التي تتغذي من دم الدولة و إرتبطت مصالحها و بقاءها مع وجود الطبقة الفاسدة في السلطة ، مما فاقم من زيادة حدة التنافس بين النخب ، نتيجة لتضارب المصالح مما خلق صراع دائم و أزلي في السلطة و النفوذ بين القوى المدنية والعسكرية.

وقد أدى ذلك الصراع إلى إنهيار شبه كامل في مؤسسات الدولة ، و فشلها في القيام بدورها المنوط بها مما أدى إلى تدهور الأوضاع الإنسانية والمعيشية وضعف كفاءة المؤسسات الخدمية ، مما زاد من حدة وإتساع رقعة الإحتجاجات والمطالبات المتنوعة و المتعددة الأبعاد منها السياسية و منها ما هو ذو طابع قبلي و جهوي ، و عقد المشهد أكثر ما إنتهجته الدولة و أجهزتها الأمنية و العسكرية في مجابهة تلك الإحتجاجات بالعنف و البطش بدلا عن الحوار و معالجة مكامن القصور ؛ و هذا ما أدى إلى توالي دوامة الحرب و القتال في مناطق الهامش و أخيرا إشتعالها في المركز.

عليه تبقى التسوية السياسية كخيار إستراتيجي لا بديل عنه ، و لكن ليس لوقف هذه الحرب الحالية فقط ، بل لإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة و مغايرة ، فإن إنتهاج التسويات الثنائية التقليدية القائم على منح و تقاسم السلطة و الإمتيازات بين الأطراف غير مجدي و أثبت فشله و قدرته علي إنتاج الأزمات بشكل أكثر تعقيدا.

هنا تبرز أهمية تبني برنامج قائم على مقاربة تشاركية للأهداف ، تهدف إلى ضمان مشاركة مختلف الفاعلين السياسيين و المجتمعيين في صياغة مستقبل البلاد بدلا من إحتكار القرار بيد أطراف محددة ، على أن تعتمد المقاربة على إعادة صياغة أهداف التسوية السياسية بحيث تتجاوز المصالح الضيقة نحو تحقيق مصلحة وطنية جامعة ، على أن يكون الوقف الدائم لوقف إطلاق النار مرتبط بإعادة بناء و صياغة كل مؤسسات الدولة و ضمان عدم تسييسها و تفكيك التمكين السياسي والجهوي و كل القيم المرتبطة بثقافة العنف و التهميش مع تطبيق عدالة إنتقالية تعالج كل إفرازات الماضي وتضمن عدم الرجوع إليها مستقبلا.

يكمن الحل في التبني الكامل لبرنامج “التحالف التأسيسي” و رؤيته في إحلال السلام المستدام وفق رؤية تقوم على تشاركية أهداف المجتمع السوداني ومنهجية إعادة بناء الدولة السودانية و مؤسساتها على أسس عادلة و مستدامة.
و نواصل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى