
مرَّ أكثر من تسعة عشر شهرًا على حرب 15 أبريل، التي كثر التأويل حول مسبباتها وأسبابها. البعض يرى أنها محاولة من الإخوان المسلمين لاستعادة نظام حكمهم، الذي فقدوه جزئيًا بسبب ثورة ديسمبر، والتي قلَّصت من سيطرتهم وسطوتهم، على الأقل في الخطاب السياسي الداخلي وكذلك في توجهات السياسة الخارجية للدولة.
لكنهم ظلوا محتفظين بسطوتهم على مؤسسات مثل السلطة القضائية والجيش والعديد من الدواوين الحكومية، مما مكَّنهم من خلق المتاريس أمام الانتقال السياسي. وساعدهم في ذلك اضطراب إرادة الأحزاب السياسية المتأرجحة بين المحافظة على القديم وإجراء تغيير شكلي يبقي على طبيعة الدولة كما هي، مع استبدال بعض وجوه النظام السابق دون المساس بجوهر السلطة وخطابها السياسي.
هذه العملية لم تُرضِ حملة أفكار وإرادة التغيير الشامل، كما لم تُرضِ حتى عناصر النظام التابع للإخوان المسلمين، الذين أرادوا أن تكون الثورة مجرد تنفيس عن الغضب والاحتجاج لبعض الوقت، وليس تغييرًا لنظامهم. وهذا ما يعزز فرضية أن الحرب في أساسها من تخطيطهم، خصوصًا أن قوات الدعم السريع، كقوة عسكرية، فقدت انصياعها لأوامر عناصر الإخوان داخل المؤسسة العسكرية بعد إبعاد البشير عن الحكم. هذه المعضلة لم يكن لها حلٌّ، في نظرهم، إلا عبر حرب خاطفة أو استباقية، لكن حتى الآن، فشلت جميع محاولاتهم للتخلص من الدعم السريع بأقل الخسائر.
فرضية أخرى: هل كانت محاولة انقلاب فاشلة من الدعم السريع؟
حاول الإخوان المسلمون الترويج لهذه الفرضية بعد فشلهم في حسم الحرب خلال ست ساعات أو أسبوعين كما خططوا. فقد كان من المعلن قبل الحرب أن القضاء على الدعم السريع سيتم خلال ساعات، ثم مُدَّت المهلة إلى أسبوعين بعد الأيام الأولى، قبل أن يعلن أحد قادة الجيش أن الحرب قد تستمر مئة عام، بعد أن فقدوا الأمل في حسمها سريعًا.
الغرض من هذه الفرضية كان تشتيت الانتباه عن السبب الحقيقي للحرب، ومنع توجيه أصابع الاتهام إلى الجهة التي أطلقت الطلقة الأولى، وهي نقطة لا يزال معظم السودانيين مختلفين حولها.
إذا سلَّمنا بأن الدعم السريع قد حاول الانقلاب بالقوة، فهل يعقل أن يتم انقلاب عسكري دون أي ترتيبات سياسية مسبقة؟ حتى انقلاب 25 أكتوبر، رغم وصفه بانقلاب “الموز”، فقد سبقه تمهيد سياسي عبر احتجاجات واعتصام، ووجد دعمًا صريحًا من بعض القوى، قبل أن يتم فض الاعتصام بأوامر عسكرية، ويحدث الانقلاب بقيادة البرهان ومساعدة كلٍّ من الكتلة الديمقراطية والدعم السريع. لكن سرعان ما اكتشف هذان الأخيران أنهما كانا مجرد أدوات استخدمها قادة الإخوان المسلمين داخل الجيش لإتمام الانقلاب، ليبدأ بعدها ظهور السياسيين التابعين لهم في الإعلام والسلطة القضائية، تمهيدًا لإلغاء كل قرارات الثورة.
وإذا سلَّمنا أيضًا بأن الدعم السريع قد حاول الانقلاب، فهل يُعقل أن انقلابًا عسكريًا واحدًا يؤدي إلى تدمير البلد بهذا الشكل؟ لماذا لم يحدث هذا الدمار في الانقلابات السابقة التي شهدها السودان؟ هذا يطرح سؤالًا جوهريًا حول طبيعة المؤسسة التي نسميها “الجيش السوداني”، ولمصلحة من تعمل؟
المحـادثات الفـاشـلة
استمر القتال المدمر بين القوتين، وأدى إلى دمار هائل للبنية التحتية والمنشآت العامة والخاصة. حاول المحيط الإقليمي والدولي، وكذلك بعض دول الجوار، إيقاف الحرب، لكن جميع المحاولات فشلت، لأن القرار السياسي والعسكري لم يكن بيد قائد الجيش.
كيف لا، وهو نفسه وصف الحرب في ساعاتها الأولى بأنها “حرب عبثية يجب أن تتوقف”، لكنه غيَّر خطابه لاحقًا ليصفها بأنها “حرب وجودية”، كما سماها الإخوان المسلمون منذ البداية؟ هذا يثبت مدى تأثير الإخوان المسلمين على قرارات الحرب والسياسة، مما أدى إلى فشل كل محاولات التفاوض، سواء في السعودية أو البحرين أو حتى سويسرا.
الأثـر الداخلي للحرب
قبل اندلاع الحرب، زار قائد الجيش بعض مناطقه الاجتماعية، وخاطب أنصاره محذرًا من الأسوأ، ومهِّد بذلك للحشد الاجتماعي للحرب. فعل الشيء نفسه عضو مجلس السيادة شمس الدين كباشي ومالك عقار، وكأنهم جميعًا كانوا يضعون سيناريو الحرب مسبقًا. ثم اكتملت هذه التعبئة لاحقًا عبر الإخوان المسلمين، الذين جيَّشوا المجتمع تحت ما سُمي بـ”المقاومة الشعبية”.
في المقابل، لم يكن لدى الدعم السريع الخبرة الكافية لخوض حرب بهذا الحجم داخل المدن، مما أدى إلى وقوعه في فظائع وانتهاكات صوَّرته على أنه القوة الأكثر إجرامًا. لكن مع استمرار الحرب، انكشفت الفظائع التي ارتكبها جيش الإخوان المسلمين أيضًا، كما حدث في مجازر الدندر وسنار وسنجة والجزيرة.
فرية الجنجويد
استخدم الإخوان خطاب “محاربة الجنجويد” لحشد المجتمع، لكنهم لم يحددوا بوضوح من يقصدون بهذا المصطلح.
•إذا كانوا يقصدون قوات الدعم السريع، فهم مخطئون، لأن الدعم السريع منذ 2017 أصبح يضم آلاف المجندين من مختلف أنحاء السودان، بما في ذلك عناصر كانت تعمل في الجيش قبل أن يحيلها الإخوان إلى المعاش.
•إذا كانوا يقصدون مجموعة اجتماعية بعينها، فهم أيضًا مخطئون، لأن أبرز قادة جيش الحركة الإسلامية هم من ذات المجموعات الاجتماعية.
الأثر الخارجي للحرب
منذ البداية، اتهم الإخوان المسلمون دولة الإمارات بدعم الدعم السريع، لكنهم تناسوا أن علاقات الدعم السريع الخارجية لم تبدأ مع الإمارات، بل مع الاتحاد الأوروبي عندما تولى ملف تأمين الحدود لمنع الهجرة غير الشرعية، وكذلك من خلال مشاركته في “عاصفة الحزم”.
أما مصر، فكان لها أثر مباشر في الحرب، إذ لعبت دورًا في التخطيط للانقلاب، خصوصًا بعد زيارة رئيس الوزراء السوداني إليها وتصريحاته بشأن إنهاء الاحتلال للأراضي السودانية عبر التحكيم الدولي، وتنظيم التبادل التجاري بين البلدين بعملة حرة. كما أن مصر دعمت جيش الإخوان بقاعدة عسكرية في مروي، مما دفع الدعم السريع للتحرك نحوها قبل اندلاع الحرب.
آخر تطورات الحرب
مع فشل جميع محاولات الحل السلمي، تشكَّل تحالف سياسي وعسكري جديد تحت مسمى “القوى السياسية تقدم”، ليحل محل “الحرية والتغيير” التي أنهكتها الصراعات الداخلية.
هذا التحالف، الذي ضم الدعم السريع والحركة الشعبية كأكبر قوتين عسكريتين في السودان، اتفق على تكوين حكومة جديدة بناءً على ميثاق سياسي يُؤسِّس لدولة السودان الجديد.
هذا الوضع يخلق واقعًا جديدًا، لن يكون تهديدًا لوحدة السودان كما يزعم البعض، بل قد يكون خطوة نحو سودان أكثر شمولًا، يحقق شعار “وطن يسع الجميع”.


