تقارير وحوارات

الإسلاميون والجيش السوداني.. من يدعم من..؟

إدراك _ فريق التحرير

أعلنت مصادر أمنية سودانية عن إحباط محاولة انقلابية في مراحلها الأخيرة، شارك فيها ضباط متقاعدون إلى جانب قيادات سياسية بارزة.

وأسفرت العملية عن اعتقال اللواء عبد الباقي بكراوي، المتهم بمحاولة انقلابية سابقة عام 2021، إضافة إلى توقيف رئيس حزب المؤتمر الوطني المكلّف أحمد هارون وعدد من الضباط الذين أُحيلوا إلى التقاعد بأوامر سابقة من قائد الجيش عبد الفتاح البرهان.

ومن اللافت في هذه المحاولة الانقلابية، بروز أسماء مرتبطة بالحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني،ممايعيد إلى الواجهة تاريخ هذا التيار الذي ظل لعقود يتأرجح بين العمل السياسي العلني والتحالف مع المؤسسة العسكرية، ما جعل نفوذه مرتبطاً بالدولة أكثر من ارتباطه بالقاعدة الشعبية. وهو مايطرح أسئلة متجددة حول موقع الإسلاميين في المشهد السوداني ودورهم في الصراع على السلطة.

تاريخ الإسلاميين في السودان

منذ عقود، يثير المشهد السياسي السوداني جدلاً حول طبيعة قوة الإسلاميين: هل هم بالفعل قوة إجتماعية راسخة، أم أن حضورهم ظل مرتبطاً بمؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش والأجهزة الأمنية؟

وتعود البدايات إلى أربعينيات القرن الماضي، حين عاد بعض الطلاب السودانيين من مصر حاملين أفكار جماعة الإخوان المسلمين. ومع ثورة أكتوبر 1964 برزت “جبهة الميثاق الإسلامي” كأول إطار سياسي معلن، لكنها بقيت محدودة التأثير مقارنة بالأحزاب التقليدية الكبرى، كحزب الأمة والاتحادي الديمقراطي، إضافة إلى الحزب الشيوعي.

وفي السبعينيات، أعاد حسن الترابي بناء الحركة وفق أسلوب الأحزاب العقائدية، فركّز على العمل الطلابي والنقابي، ما أتاح تكوين قاعدة من الكوادر المتعلمة، لكنها لم تتحول إلى قاعدة جماهيرية واسعة. ومع نهاية الثمانينيات، أسس الإسلاميون “الجبهة الإسلامية القومية”، وخاضوا انتخابات 1986 التي منحتهم حضوراً برلمانياً معتبراً، لكنه ظل أقل من القوى التقليدية. هذا الواقع دفعهم إلى خيار آخر: تعزيز ارتباطهم بالمؤسسة العسكرية.

وجاء التحول الأكبر مع انقلاب 30 جوان 1989 بقيادة عمر البشير وبإشراف مباشر من الحركة الإسلامية. ومنذ ذلك الحين ارتبط نفوذ الإسلاميين بسلطة الدولة، ليس عبر صناديق الاقتراع أو الدعم الشعبي، بل من خلال أجهزة الجيش والأمن. وعلى مدى ثلاثة عقود، حكموا بالاعتماد على القوة العسكرية، وإقصاء الخصوم، والسيطرة على الموارد والإعلام، ما جعل نفوذهم قائماً على مؤسسات الدولة العميقة أكثر من المجتمع.

ومع ثورة ديسمبر 2018 وسقوط نظام البشير، تكشفت هذه الحقيقة بوضوح؛ إذ فشل الإسلاميون في حشد قاعدة جماهيرية واسعة للدفاع عن سلطتهم، وواجهوا عزلة متزايدة، خاصة مع انفتاح المجتمع السوداني على العالم وتراجع تأثير خطابهم الأيديولوجي على الأجيال الجديدة.

فضحت حرب 15 أبريل وجود قاعدة شعبية مسانده للحركة الإسلامية، وان وجودهم السياسي يقوم على أدوات الدولة والسلاح

الإسلاميون والحرب الحالية

اندلاع حرب 15 أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع أعاد طرح السؤال ذاته: هل يمتلك الإسلاميون سنداً اجتماعياً حقيقياً؟ الوقائع أظهرت هشاشة حضورهم الشعبي، إذ تحركوا أساساً عبر تحالفاتهم مع الجيش، أكثر مما استندوا إلى قاعدة جماهيرية. الحرب لم تشهد اصطفافاً شعبياً خلفهم، بل زادت من عزلتهم، وأكدت أن وجودهم السياسي يقوم على أدوات الدولة والسلاح، لا على امتداد اجتماعي متجذر.

ومن العاصمة الخرطوم إلى شرق وشمال ووسط السودان، تشتعل جبهات القتال التي يتصدرها قادة بارزون من الحركة الإسلامية، يقاتلون إلى جانب الجيش بشراسة، رافعين خطاباً يرفض أي دعوات للتفاوض أو التسويات السلمية.

ويظهر مقاتلو الحركة عبر وسائل التواصل الاجتماعي مع كل تقدم عسكري، مرددين شعارات التنظيم ومتوعدين كل من يدعو إلى وقف الحرب من القوى السياسية والمدنية. هذا المشهد عزز الاعتقاد بأن عناصر النظام السابق يملكون تأثيراً مباشراً على قرارات الجيش.

ومع انتقال الجيش من موقع الدفاع إلى الهجوم، برز اسمان في جبهة المناقل بولاية الجزيرة: النيل الفاضل والناجي عبد الله.

النيل الفاضل

أحد قيادات حزب المؤتمر الوطني وأكثر شخصياته إثارة للجدل، اشتهر عام 2013 عندما سجد أمام موكب الرئيس عمر البشير، وكان وقتها رئيساً للاتحاد العام للطلاب السودانيين.ارتبط اسمه منذ دراسته بجامعة الخرطوم بالحركة الإسلامية وخطابها التعبوي. وبعد سقوط نظام البشير عام 2019، عاد إلى مسقط رأسه في ولاية الجزيرة لفترة قصيرة، ثم ظهر في مظاهرات “الزحف الأخضر” التي قادها الإسلاميون ضد حكومة عبد الله حمدوك.

ومع اندلاع الحرب، انخرط في القتال بجبهة الجزيرة، وظل يظهر في مقاطع مصورة يعلن فيها استمرار المعارك حتى استعادة مدني، إلى جانب الناجي عبد الله، القيادي البارز في حزب المؤتمر الشعبي.

الناجي مصطفي

وفي شرق السودان، يتقدم ناجي مصطفى بدوي، الأكاديمي السابق بجامعتي أم درمان الإسلامية ، جبهة القتال في محور الفاو بولاية القضارف. برز بعد سقوط البشير في مظاهرات واعتصامات الإسلاميين، وكان من مؤسسي حركة المستقبل للإصلاح والتنمية عام 2023 التي ضمّت قيادات إخوانية.

 وقد صدر بحقه حكم بالسجن 20 عاماً بعد ظهوره في مقطع مصور مهدداً الحكومة الانتقالية حال مضيها في التطبيع مع إسرائيل. واليوم، يظهر بانتظام بزي عسكري من جبهات القتال، متوعداً باستعادة مدني و”تحرير السودان” من قوات الدعم السريع.

نداء الوسط

أما في ولاية سنار، فيقود معمر موسى ما يُعرف بـ”نداء الوسط”، وهو تنظيم يتولى عمليات التعبئة الشعبية للقتال مع الجيش. برز موسى بعد سقوط البشير كأحد أبرز معارضي الحكومة الانتقالية، واعتُقل عام 2020 عقب دخوله مقر لجنة إزالة التمكين. لاحقاً شارك في تأسيس تحالفات ذات خلفية إسلامية، مثل الحراك الشعبي الموحد، وظل مناهضاً للتحول الديمقراطي. ومع اندلاع الحرب، انتقل إلى سنار وأسس “نداء الوسط” الذي يقود الاستنفار لصالح الجيش.

شهاب برج

وفي محوري النيل الأبيض وسنار، برز اسم شهاب برج، أحد كوادر الحركة الإسلامية بجامعة الخرطوم، الذي سبق أن قاتل مع الجيش ضد الحركة الشعبية في جنوب السودان. أُسر عام 2013 في معارك أبو كرشولا، وأُفرج عنه عام 2017. ورغم إعلانه حينها رفض الحرب، عاد بعد سقوط البشير للمشاركة في مظاهرات الإسلاميين، ثم ارتدى الزي العسكري مجدداً مع اندلاع الحرب، وقاد معارك في أكثر من محور.

قيادي إسلامي : الحركة الإسلامية موجودة حتى في مكتب البرهان

هذا الحضور الواسع دفع القيادي الإسلامي عبد الحي يوسف للتأكيد علنا”ً أن الجيش لا يستطيع إقصاء الإسلاميين، مشيراً إلى وجودهم حتى داخل مكتب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان”. ورد الأخير بأن “لكل جهة مقاتليها مع الجيش، وإذا سحبتهم سيتوقف القتال”، وفي المحصلة، تكشف التحركات الأخيرة للبرهان عن مسعى لإعادة ضبط موازين القوة داخل السودان في لحظة حرجة من تاريخه السياسي والعسكري. غير أن المشهد يظل مفتوحاً على احتمالات متعددة، إذ يتقاطع فيه إرث الإسلاميين الممتد لعقود مع تحديات إعادة هيكلة مؤسسة عسكرية أنهكتها الحرب. وبين ضرورات فرض الانضباط من جهة، وتوازنات القوى الداخلية من جهة أخرى، يبقى مستقبل العلاقة بين الجيش والإسلاميين أحد المحددات الرئيسية لمسار الأزمة السودانية في المرحلة المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى