
ماذا يفعلُ الإسلاميّ حين لا يكونُ حاكماً، متحكّراً؟
لا شكَّ أنَّ من عاصر التسعينات، والإنقاذ طازجةٌ، يتذكّرُ الدكتور إبراهيم عبيد الله. الاقتصاديّ الإسلاميّ الذى تولّى عدداً من المناصب الدّستوريّة. وصاحبُ المقولة الشّهيرة :(نحنا ح نسلّمها لعزرائيل). يقصدُ الحكومة، بالطّبع. وذلك فى معرض منافحته للمعارضين للإنقاذ، والذين يسعون لتغييرها. وهو ما يعنى أنّنا سنحكمُ السُّودان، حتّى يجيئَه ملَكُ الموت. لا مفرَّ له منّا.
وإبراهيم عبيد الله، مع أنّه كان مهرّجاً سياسيّاً، إلّا أنّه كان يعبّرُ عن جميع الإسلاميين، فيما يتعلّق بالتغيير – ثورةً شعبيةً، أو انقلاباً عسكريّا – والتدوال السّلميّ للسّلطة. ذلك أنَّ جوهر معالجتهم الفكريّة لمسألة الحكم تكمنُ فى “إنَّ الله ليزعَ بالسُّلطان ما لا يزع بالقرءان”، وهو حديث أثير لكلّ إسلامي. وبالتّالي، فإنّهم يفضّلون السّلطان (الحكم)، لأنّه يختصرُ الطّريق. لكنْ لماذا تُريدُ أنْ تتحكّم فى حياة النّاس، مطبّقاً فيهم وعليهم ما تظنُّه “الحقَّ الأوحد”؟
الحياةُ الكيزانيّة، ما قبل الإنقاذ كانتْ منصبّةً على كيف نصلُ إلى الحكم. كلُّ شيئ، كلّ تحالف، كلُّ حركة أو ترتيب، بناء كوادر، بناء منظومات اقتصاديّة، تجاريب تنظيميّة، عباداتٍ، معاملات، كلُّ شيئ لأجلِ هدفٍ وحيد : الوصول إلى الحكم.
ثمَّ بعد الإنقاذ: البقاء فى الحكم. لا يهمُّ كيف نحكم أو ماذا فعلنا منذ مجيئنا..ليس مهمّاً إنْ كانت حكومتنا عادلةً، نزيهةً، كفؤةً، مرضيٌّ عنها من ربّ العباد. المهمُّ هو أنْ نحافظ عليها، وأنْ نظلَّ حاكمين.
حدثتْ تشقّقات واختلافات وسط الإسلاميين منذ مجيئ الإنقاذ حتّى ثورة ديسمبر التى أطاحتْ بحكم عمر البشير. لكنّها لم تكنْ على مسألةٍ مبدأية. من لدنْ خروج داؤود يحى بولاد، ثمَّ حركة أمين بناني ومكيّ عليّ بلايل، وصولاً إلى المفاصلة التى قسمتهم إلى وطني وشعبيّ، ثمَّ منبر السّلام العادل، وأخيراً حركة د.غازي صلاح الدّين. كلّها كانت حركاتٍ مغاضبةً تنظرُ إلى طريقة اقتسام “السُّلطة”، وليست حركاتٍ ناظرةٍ إلى ما هو أبعد: قضايا الحرّيات، المواطنة المتساويّة، الإصلاح بالمعنى الشّامل. وأكبرُ دليلٍ على ذلك هو أنَّ المؤتمر الشعبيّ الذى كان يبرّر مفاصلته على أساسٍ جوهريّ، مرتبطٍ عميقاً بالمعراجعات التى أُجريتْ على بنية الحكم الإنقاذيّ: سنّ منصب رئيس وزراء، انتخاب ولاةِ الولايات وتوسيع الحرّيات، لم يتوانَ حين أُتيحتْ له فرصة العودة إلى الحكم فى أنْ يهتبلها، فدخل ضمن آخر حكومة للبشير أطاحتْ بها ثورة ديسمبر.
شايف كيف؟
ليس هناك سؤال حول: ماذا علينا أنْ نصنع بعيداً عن الحكم؟ ماهى أدوارنا فى الحياة غير أنْ نحكم أو أنْ نسعى للحكم؟
لذلك لا يمكنكَ فهم اللغة المريضة التى تحدّثَ بها أنس عمر، اللواء أمن “منو الأرجل من الحركة الإسلامية؟” وموجّهاً خطابه للحرّية والتغيير “لا ولاية لكم علينا..لا طاعة لكم”. والخطابات التى تسرّبتْ من الإفطارات الرّمضانيّة ل د. الحاج آدم يوسف، إبراهيم محمود حامد، النّاجي عبد الله، وغيرهم، استعداداً للحرب، إلّا فى إطار إنشغال الإسلامي وتحديده لدوره فى الحياة : الحكم. التمسُّك بالحكم.. العودة إلى الحكم. فالإسلاميّ كائنٌ يحدّد وظيفته فى الحياة ك :”حاكم”.
لا يمكنه أنْ يكون إنساناً طبيعيّاً.
ولأنَّ ذلك هدفه، فكلُّ طريق يوصله إليه مباحٌ. شلّالات الدّم..تدمير البلاد..الفتنة بين النّاس..بيع مقدّرات الشّعب ورهنها للخارج..الكذب..التضليل..الموبقات جميعا..لا مشكلة. فالهدفُ سامٍ، ألا وهو عبادةُ الله عن طريق الحكم والسُّلطة.
شايف كيف؟
للحفاظ على الحكم : تتحالفُ مع إيران، ثمَّ تنقلب عليها. مع الصّين الشيوعيّة الملحدة. تذهبُ إلى روسيا لطلب من بوتين أنْ “يحميَكَ من أمريكا”. تصالحُ نّظام السيسي الذى سحل “إخوانك”، تبيعُ الأرض والثروات لتركيا. تتحالف من نّظام أسياس أفورقي الذى قتل الإسلاميين ويضطهد المسلمين. تشتري مرتزقة من التغراى، من الصّومال..لا يهمُّ ما تفعل طالما أنّك تعبد الله بالحفاظ على الحكم.
داخليّاً يمكنكَ أنْ تُحيل حياة “المحكومين”، الشّعب، المواطنين إلى جحيم.
أنْ تشرّدهم فى أصقاع الدُّنيا بحثاً عن كلّ شيئ.
أنْ تفتنهم..تقتلهم..تميّز بينهم..تسومهم سوء العذاب..تشعل وتذكي حروبهم القبليّة.
الواضحُ أنَّ هناكَ غضباً إلهيّاً..امتحاناً عسيراً..
أنْ يُحَكم السُّودان من قبل الإسلاميين.



