
تبريراً لقتل المدنيين وشرعنة لاستهداف السودانيين، عمدت الحركة الإسلامية عبر قيادتها العسكرية في الجيش السوداني إلى تقسيم المجتمع على أسس جهوية وعنصرية، وصنفت كل من لم يكن لها ولاءً وامتثالاً وخارجاً عن نطاق سيطرتها وجبروتها، بأنه “حاضنة للتمرد”. وبالتالي يُتعامل معه كهدف عسكري يجب ضربه ومحو وجوده بالكامل. هذا النهج يتم تطبيقه حالياً في هوامش السودان، مثل الكومة، مليط، كبكابية، الضعين، وبعض قرى الجزيرة ونيالا، التي شهدت مساء يوم السبت ٩ نوفمبر واحدة من أفظع الجرائم على الإطلاق. فقد شن طيران الجيش غارات جوية استخدمت فيها البراميل الحارقة والمشعة، استهدفت وسط المدينة ومحلية بليل، مما أسفر عن مقتل العشرات من المدنيين، معظمهم من الأطفال والنساء وكبار السن الذين تم استهدافهم أثناء تجمعهم في نقطة لتلقي الاتصالات عبر شبكة “ستارلينك”.
هذه الجريمة الوحشية تضيف حلقة جديدة إلى سجل الانتهاكات اللا إنسانية بحق إنسان نيالا، ولم تكن العملية الأولى من نوعها، فقد سبقها عدد من الجرائم المشابهة، من بينها استهداف المدنيين عند كبري السكة حديد والمنطقة الصناعية ومنطقة الرياض. وفي هذا السياق، نناشد المجتمع الدولي أن يقوم بدوره في حماية المدنيين، وندعو المنظمات الحقوقية، وخصوصاً السودانية منها، إلى التحرك الفوري لفرض حظر جوي، حفاظاً على أرواح السودانيين الأبرياء.
لم تكتفِ هذه الفئة الإجرامية بالقتل المباشر عبر الغارات الجوية على المدنيين في قراهم وفرقانهم، بل لجأت إلى أسلوب آخر أكثر تطرفاً، عبر سن قانون غريب من نوعه يعرف بـ”قانون الوجوه الغريبة”. هذا القانون، الذي فُصل خصيصاً في مناطق سيطرة الجيش، يسمح بإصدار بلاغات كيدية واعتقال الناس بناءً على الشبهات فقط، مما يشرعن ممارسة أساليب التنكيل، وانتهاك حقوق الأبرياء، ومصادرة أموال السودانيين، وبالأخص أبناء كردفان ودارفور. إن هذا السلوك الإجرامي يتطلب تدخلاً عاجلاً من المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان، للحد من تداعياته التي قد تقود البلاد نحو حرب أهلية شاملة.
إن مثل هذا السلوك اللاإنساني ليس الأول من نوعه في إفريقيا، ولكنه الأكثر قسوة. ففي جنوب إفريقيا، كان نظام “الفصل العنصري” (الأبارتايد) الذي قسم المجتمع إلى سود وبيض، وسلب السود حقوقهم في المشاركة في السلطة والثروة، وقيد الحريات، وخص البيض بكافة الامتيازات. لكن رغم ظلم هذا النظام، إلا أنه لم يُوصِ بالقتل على أساس اللون أو القبيلة كما يحدث الآن في السودان.
سيظل الجيش السوداني، بدعم الإسلاميين وأمراء الحرب والحركات المسلحة التي تسانده، مسؤولين أمام التاريخ وأمام الله عن الجرائم التي ارتكبت بحق السودانيين. ستلاحقهم دعوات المظلومين، ولعنات الأمهات، وآهات المغلوبين. وعند الله تجتمع الخصوم.



