إستقصائي: الفاشر _ روايات صادمة تخرج من أفواه الجنود والمستنفرين .. ومعلومات خطيرة تكشف لأول مرة
إدراك _ خاص _ الفاشر

تحصلت صحيفة “إدراك” على معلومات وإفادات خطيرة تخرج لأول مرة من جنود مقاتلين في صفوف الجيش والمليشيات المتحالفة معه داخل مدنية الفاشر، وتخرج هذه الإفادات في وقت بالغ التعقيد، حيث تضيق فيه قوات الدعم السريع الخناق على المدينة الواقعة غربي البلاد ، بعد أن أستولت مؤخراً على السوق الكبير “حجر قدو” على مقربة من مباني قيادة فرقة الجيش ، وفي ذات الوقت إستطاعت اسقاط طائرة مسيرة من طراز بيرقدار “أكانجي” تركية الصنع الخميس الماضي.
“غشونا استنفرنا معاهم ، دخلونا في حرب ما عندنا بيها علاقة ، المركز نقل لينا الحرب في دارفور وكردفان، والآن أصبحنا نتقاتل فيما بيننا، الحمدلله الان مرقت من سجن المشتركة” هكذا بدأ “عثمان” حديثه وهو أسم مستعار أطلقناه على محدثنا، الذي أشترط علي عدم ذكر اسمه خوفا من الملاحقة، وكأنه يندب القدر الذي أوقعه بين أيدي هؤلاء.
يقول ” عثمان” أنه أكمل عامان بالتمام والكمال مستنفرًا ومقاتلًا في صفوف المشتركة بالفاشر ، قبل أن يخرج مع تسعة من زملائه عبر شبكة من العصابات تعمل علي تهريب المقاتلين الفارين من الفاشر مقابل مبالغ مالية طائلة ، ويضيف: “دفعنا دم قلبنا عشان نطلع”، كل مجموعة تسلمنا لأخرى ، وكل مجموعة بإتفاق جديد، والحل الوحيد هو أن تدفع ولا تكن كثير الحديث، أتفقنا مع اول مجموعة بثلاثة مليون مقابل الفرد الواحد ، وفي الاخر دفع كل منا ما لا يقل عن 10 مليون حتى وصلنا، المجموعة التى استلمتنا من منطقة (القرني) حوالي(20) كيلو متر شمال غربي الفاشر التى وصلنا اليها ليلًا بأرجلنا متخفيين حتى لا ينكشف أمرنا ونسجن ، هذه المجموعة لم تذهب بنا بعيداً فقامت بتسليمنا لأخرى بإتفاق جديد، وقبل ان نصل وجهتنا، سلمتنا لمجموعة أخرى، وهذه قامت بإحتجازنا لأكثر من أسبوع في ضواحي مدينة كتم حتى تم تحويل المبلغ، وبعدها جلبت لنا عربة أجرة وتركتنا نذهب الى حال سبيلنا.
ينسب محدثنا هذه العصابات الى الإستخبارات العسكرية التابعة للجيش في الفاشر، ويقول: ان هذه العصابات هي التى تقوم بإرتكاب الإنتهاكات بحق الفارين من الفاشر بالتنسيق مع الإستخبارات العسكرية لتخويف الناس من الخروج ، ويضيف نجحت الإستخبارات في إحتجاز المواطنين بهذه العصابات لأن الصورة العامة عند المواطنين في الفاشر هي الموت سوي داخل الفاشر او خارجها، ولذلك الكثير من الناس في وقت ما فضلوا البقاء في منازلهم واستسلموا للقدر، ويردف: بعد احداث زمزم وظهور قائد ثاني الدعم السريع عبدالرحيم دقلو وهو يستقبل النازحين الفارين من معسكر زمزم ، ونشاط عمل قوات تأسيس التى ظلت تأمن الطريق وتساعد في ترحيل الناس الى طويلة، وإنحسار نشاط تلك العصابات ، بدأ الناس يشككون في رواية الإستخبارات العسكرية ، وبدأت عمليات الخروج رغم محاولة المشتركة والإستخبارات العسكرية منعهم من الخروج، وقد وصل الأمر بهذه القوات الى شن إعتقالات واسعة لكل من يحث الناس على الخروج ، ويؤكد محدثنا ان الجيش والمشتركة يمنعون المواطنيين من الخروج من أجل سقوط المزيد من الضحايا المدنيين للمتاجرة بهم ، ويقول هذه هي السمة الأبرز لمنع خروج المواطنيين من الفاشر باختصار، أما الآن لا يوجد في الفاشر الا القليل من المواطنين لا تتجاوز نسبتهم ال10%، ومعظمهم من الذين تقطعت بهم السبل ولا يملكون شيئًا للخروج، وهنالك فئة قليلة لا زالت مغيبة وصدقت رواية الإستخبارات على حد قوله.
خلف الحصار على الفاشر تجار أزمات من القوات المشتركة والجيش يحتكرون الأدوية مقابل البيع بأسعار فلكية
تجار الأزمات ولوبيهات الأدوية
ورسم “عثمان” صورة قاتمة عن أحوال الجنود والمستنفرين في صفوف الجيش والشرطة ومليشا الحركات المسلحة في الفاشر، وكشف عن لوبيهات تتاجر بالشاش والديتول والدواء، ويضيف الحرب صنعت تجار جدد لم يكن لهم نشاط تجاري وأضح قبل الحرب ، تمكنوا هؤلاء في فترة وجيزة من إفتتاح اكبر الصيدليات في الفاشر، وهم من يمتلكون الدواء ويحتكرونه بأسعار فلكية بعلم وتنسيق مع تلك اللوبيهات، وهذه الأسعار الفلكية يستحيل أن يستطيع تحمل كلفتها مستنفر أو حندي عادي.
ويسترسل عثمان اذا لم تربطك علاقة جيدة مع هذه اللوبيهات التى تحتكر كل شيء ، وهم من المتنفذين داخل الجيش والحركات، وان لم تكن من حاشيتهم فمصيرك هو الموت البطيء، فكل ما يمكن فعله لك هو غسل الجرح بماء الملح ولفه بقطعة قماش عادية ، أصبحوا الجنود في الفاشر يفضلون الموت على الاصابة.
ويواصل عثمان في سرد المأساة ، الجوع شرد الناس من الفاشر، واذا لم يكن لك “ظهر” من المتنفذين لا تستطيع ان تأكل ولا تستطيع ان تتعالج، يقول خرجنا هياكل عظمية ، و استقبلنا من قبل أهالينا بالبكاء لما نعانيه من حال، ويختم بقوله : “هذه الحرب مستفيدة منها فئات محددة”.
سقوط الفاشر وإنهيار معنويات الجنود
مجتبى وهو اسم مستعار لأحد الناجين من محرقة الفاشر، يقول: أنه أستنفر منذ بداية الحرب ضمن ما يعرف بالمقاومة الشعبية ، قبل ان يستطحب أسرته ويغادر الفاشر الى منطقة القرني مع المواطيين الذين خرجوا مؤخراً ، وبعد أن استقر به المقام في احدي معسكرات النزوح يقول لـ”إدراك”: تفرض قوات الدعم السريع حصار محكم علي الفاشر من جميع الإتجاهات ولا يوجد سوى متنفس وحيد من الإتجاه الغربي والشمال الغربي، حتى “حلة الشيخ”، وكشف عن إنهيار كبير للروح المعنوية للمقاتلين داخل الفاشر، ويقول الفاشر سوف تسقط ، الناس قنعت من فزع يمكن ان يأتي من الخارج ، والأمر أصبح مسلسل انتظرنا فك الحصار من القوى التى كانت في المالحة، ولكن لم تستطيع وقبلها ، مدو، دريشقا ، الزرق وام بعر ، وكلها تراجعت حتى القادمة عبر الخوي هزمت وتراجعت نحو الأبيض.
وأماط محدثنا اللثام عن صراعات حادة بين التشكيلات العسكرية في الفاشر، هذه الصراعات يقول معظمها بين قيادة الجيش والمشتركة ، واخرى بين الحركات في بعضها البعض.
وأشاد مجتبى بأدوار قادة بارزين في الدعم السريع وهم (ع. ك وم. ش) وقال ان هؤلاء القادة لهم اسهمامات كبيرة وواضحة في خروج المواطنين من الفاشر من خلال النداءات التى ظلوا يطلقونها للمواطنين بالخروج واعلان إستعدادهم تأمين عمليات الخروج وضحض الرواية التى تصور الدعم السريع بأنهم يقتلون المواطنين، وقال هؤلاء ظلوا يناشدوا الناس بالخروج حتى على مستوى مجموعات الواتس اب الأسرية ، وهذه النداءات شملت حتى المقاتلين الذين يرغبون في الخروج بشرط استسلامهم ووضع السلاح.

تسول أفراد الشرطة في الطرقات
وتحصلت “ادراك” على تسجيلات صوتية لعريف شرطة من شرطة ولاية شمال دارفور ، يروي عبرها من داخل الفاشر واقع مأساوي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، يقول الشرطي ما يدور في الفاشر الآن من قادة الشرطة المتواجدين داخل الميدان عمل غير إنساني وغير اخلاقي، وأضاف: حاولنا أن نوصل رسالتنا للقيادة العليا، ولكن الحديث عن هذه الأوضاع يضعك في المعتقل بتهمة تحريض القوة ، وإن نجوت من المعتقل سوف يستقر بك المقام في الدفاعات الأمامية لأنك محرض.
فساد يزكم الأنوف
يتابع الشرطي في الفاشر عمولة بنكك نصف المبلغ، إذا عندك (100) الف بنكك تحصل على (50) الف ، أما مرتب الشرطي فهو (150) الف ، ولا يكفي لإعاشة الابناء خارج الفاشر ، ولن يجد والدهم هنا شيء فهو ايضا بحاجة لأن يأكل ويشرب ويرتدي .
وعن فساد قادة الشرطة يقول الأعاشة التى تأتي للمقاتلين من وزارة الداخلية لا يتم صرفها، أما اذا صرفت في بعض المرات فسوف يتم خصمها من المرتبات ، ويتقبلها الجنود مجبرين وملزمين ، ودون أن تكون لهم القدرة على الأعتراض.
يواجه منسوبي الشرطة بالفاشر مصير مجهول بعد إحتكار مدير الشرطة عمليات الصرف وعدم منحها للجنود
مشردون ومتسولون بزي رسمي
يقسم الشرطي بقسم مغلظ أنهم اي مقاتلي الشرطة داخل الفاشر باتوا يأكلون (الأمباز) ” علف الحيوانات، مستخلص من قشر الفول السوداني ، ويضيف كورة العيش الواحدة ب (60) الف ، وأصبح البعض من أفراد الشرطة متسولين مضيفًا: ” زول شرطي ورجل دولة يمشي يشحد ويقول لي زول اديني خمسمية داير اشتري لي بيها حاجة” ويتابع أصبحنا مشردين ، ويواصل حديثه : الأبناء “البشربوا السلس” ويتجولون في الشوارع حالتهم اليوم افضل من الشرطة في الفاشر، ويردف ” نحن ما عندنا دولة بتقيف علينا ولا تهتم بينا ” .
وأشار الى ان مدير الشرطة في الولاية العميد ” أيوب عبدالرحيم حسن” منع صرف مرتبات عدد من مصابي الشرطة الذين تمكنت أسرهم من اخراجهم من الفاشر، لتلقي العلاج بعد ان إستعصى علاجهم داخل المدينة التى أزكمها الفساد، ويتابع الشرطي “عندنا ناس جرحى ورجلينهم مقطوعة وأهلهم طلعوهم لأماكن بها دكاترة” وهنالك مرضى وآخرين طردهم الجوع ورجعوا لأبنائهم كل هؤلاء رفض مدير الشرطة صرف مرتباتهم، ويؤكد الشرطي أن هذه المرتبات يأكلها مدير الشرطة، ولا يتم أرجاعها كمرتجع بحسب نص القانون ، ويختم رسائله مخاطباً محدثه “الرسائل دي امنتك عليها أمانة في رقبتك مهما كان لآزم تصل وزير الداخلية، رئيس مجلس السيادة مجلس الوزراء”.



