مقالات واراء

الدروس المستفادة من إمتحانات الشهادة

عزالدين دهب

عندما برزت الحاجة إلى تشكيل حكومة الوحدة والسلام، كان الناس في حيرة من أمرهم: كيف يتم ذلك؟ وكيف تُشكَّل الحكومة؟ وأين ستكون؟ هل ستكون حكومة منفى أم حكومة ظل؟ كان الطرف الآخر يستهين ويستهزئ عندما أُعلنت الحكومة، وأطلقوا عليها “حكومة الفيس” و”حكومة دقلو”.

في الأثناء، كان المواطن في مناطق سيطرة حكومة الوحدة والسلام بين مصدّق ومكذّب، لكن إصرار القائمين عليها كان واضحًا عندما أعلنوا أن الحكومة جاءت من أجل تقديم الخدمات الأساسية التي حُرم منها المواطن على مدار ثلاث سنوات عجاف، تم فيها تدمير بنية الدولة بشكل ممنهج بغرض تشريد المواطنين.

كانت طائرات الأنتنوف تزور المدن والقرى والفرقان، ولم تترك محطات المياه والمستشفيات والأسواق والمدارس؛ حتى مدرسة نيالا الثانوية لم تسلم من براميل الأنتنوف. في الوقت الذي هلّل وكبّر فيه مصاصو الدماء، وأطلقوا لقب “صانع الكباب” على كباتن الطائرات الذين لم تأخذهم رحمة بالأطفال في عنابرهم، ولا بالرعاة في موارد مياههم، ولا بالأطباء في مستشفياتهم.

حُرم التلاميذ من الدراسة، وفُصل المعلمون وحُرموا من استحقاقاتهم المالية، ولم تشفع لهم حتى سنوات الخدمة الطويلة الممتازة، بل قُتل العشرات من المعلمين مع سبق الإصرار والترصد. حرمت مجموعة بورتسودان الناس هناك من حق العلاج، فتوقفت قوافل الإمداد الطبي، وحُرم آلاف الأطفال من جرعة التطعيم، فعادت أمراض الطفولة الستة وسط الأطفال.

كان العداء سافرًا؛ مُنع المرضى من حقهم فمات جميع مرضى الكلى ومرضى الأمراض المزمنة. حُرم الناس هناك من حقهم في استخراج الأوراق الثبوتية وشهادات الميلاد والأرقام الوطنية، وتم تعطيل السجل المدني. ومن اجتهد وسافر إلى أي دولة، وجد اسمه في قائمة الحظر لمجرد أنه من القبيلة الفلانية.

قدّمت مجموعة بورتسودان أسوأ أنواع التعامل بغرض التهجير القسري، حتى تقول للعالم إن المواطنين هربوا، وأنه لم يبقَ في أقاليم كردفان والنيل الأزرق ودارفور إلا مجموعة من “الحواضن” والمليشيات المتمردة، فهي لا تستحق أي خدمات من دولة الأبارتهايد ونظام الفصل العنصري الجديد. ومن يريد الخدمات عليه الهجرة ليتسولها من حضرة الباشوات، وبتصديق من دولة “عمسيب”.

لكن كان تخطيط تحالف السودان التأسيس أكبر من أن يخضع لابتزاز هؤلاء. مضت السنون، وأُعلنت حكومة الوحدة والسلام وهي تبشّر الناس بأنها أتت من أجل تقديم الخدمات للمواطن. من أجل الصحة والتعليم، ضخت الأمل في شريان مجتمعات ظلت تخدم الدولة منذ التأسيس، وعندما جاء وقت الحاجة حُرمت من كل شيء.

شرعت الوزارات الخدمية في إعادة تأهيل المدارس ومحطات الكهرباء والمياه، فتدفقت المياه، وعاد الطلاب إلى فصول الدراسة بعزيمة حكومة السلام وعصبة المعلمين رسل الإنسانية. أُضيئت الشوارع، وفُتحت الأسواق، وعاد الناس بالآلاف إلى بيوتهم، ونشطت الحركة التجارية.

شهور قليلة فقط، حتى أعلنت حكومة السلام عبر وزارة التربية عن تنظيم امتحانات الشهادة السودانية، وتم تعيين اللجنة الفنية الإشرافية لامتحانات الشهادة والكنترول، ودخل الخبراء التربويون في إعداد الامتحانات.

كان الطرف الآخر يعيش في محطة الاستهزاء والاستسهال، حتى انطلقت عملية تسجيل الطلاب، فتوافد الآلاف من الطلاب المتعطشين للدراسة، ففاق الرقم كل التوقعات إذ سجّل أكثر من 10,700 طالب وطالبة من جميع الولايات، بمن فيهم طلاب الإقليم الأوسط الذين تعرضوا للتهجير القسري بدعوى أنهم “حواضن”، خصوصًا أبناء الرفاعيين.

مرت الأيام وانطلقت الامتحانات، فكان الاستهزاء الغبي سيد الموقف عبر طرح أسئلة أكثر غباءً وعنصرية: “سيمتحنون بأي مقرر؟ وسيدرسون في أي جامعات؟ وهل هناك دولة تعترف بهذه النتيجة؟” لكن حكومة تأسيس، بقيادة المايسترو محمد حسن التعايشي، قطعت بالقول الفصل: “إذا كان هناك طالب واحد يريد الجلوس للامتحانات، لشكّلت له حكومة السلام لجنة امتحانات وكنترول، وطبعت له الامتحانات. ولا توجد قوة في الأرض تستطيع أن تمنعنا حقوقنا الطبيعية في الحياة والتعليم والخدمات”.

أُجريت الامتحانات في أجواء مفعمة بالأمل، أظهرت معادن تلك المجتمعات التي أطلقت عشرات المبادرات في صيانة المدارس، والترحيل المجاني للطلاب، وتوفير الوجبات عبر مبادرات “قدح الميارم” و”قدح السلطان”. كان العالم يتابع بإعجاب قوة وعزيمة وصلابة هذه المجتمعات، التي أكدت أن المجتمعات الأصيلة لن تُهزم ولن تُقهر، وأنها قادرة على صناعة المعجزات.

يحق أن تُضاف تجربة امتحانات الشهادة السودانية في مناطق حكومة الوحدة والسلام إلى عجائب الدنيا السبع، وموسوعة غينيس للأرقام القياسية، كونها من معجزات القرن الحادي والعشرين.

اليوم، خرجت ملايين من الجماهير في كرنفالات فرح ومسيرات هادرة، تعبّر عن فرحتها باكتمال التمرين الأول في مقدرة هذه المجتمعات على أنها تستطيع أن تفعل ما تريد، شاء من شاء وأبى من أبى. إن الأفراح التي انتظمت مدن نيالا والجنينة والضعين والفولة والمجلد والفاشر وبرام وكاس وجميع المدن، كسرت الحلقة الشريرة للدولة القديمة، وحررت شهادة وفاة لكل مصاصي الدماء والحاقدين.

يرجع الفضل من بعد الله إلى قائد التغيير الفريق أول محمد حمدان دقلو، رئيس المجلس الرئاسي، ونائبه عبدالعزيز الحلو، ورئيس الحكومة ووزرائه في التعليم والصحة والإعلام والداخلية والأجهزة الأمنية، ولجان الكنترول، وجميع أعضاء ورؤساء الإدارات المدنية، ومنظمات المجتمع المدني المحلية والإقليمية والدولية، والمجتمع والإدارات الأهلية.

إنتهى الدرس الأول، وفُتحت صفحات جديدة سيكون عنوانها البناء والتعمير، وطي صفحة الماضي الأليم إلى رحاب تأسيس الدولة الجديدة التي سيكون قوامها العدالة والتنمية والمساواة، و”مافيش حد أحسن من حد”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى