موسى أفشار لـ«إدراك»: نمتلك خارطة طريق لإيران ديمقراطية بعد «ولاية الفقيه»
إدراك - لندن

أكد “موسى أفشار” عضو لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، أن المعارضة الإيرانية تمتلك رؤية واضحة لمرحلة ما بعد «ولاية الفقيه»، تقوم على إدارة انتقال سياسي ينتهي بتسليم السلطة للشعب عبر انتخابات حرة ودستور ديمقراطي جديد.
وقال “أفشار” في الجزء الثاني من حواره مع «إدراك»، إن مشروع المعارضة لا يستهدف استبدال سلطة بأخرى، بل تأسيس جمهورية مدنية تفصل الدين عن الدولة، وتضمن الحريات السياسية وحقوق القوميات والأقليات داخل إيران.
وأوضح أن المجلس الوطني للمقاومة طرح تصورًا متكاملًا للمرحلة الانتقالية يشمل تشكيل حكومة مؤقتة، حل الأجهزة القمعية، إطلاق الحريات، والإفراج عن السجناء السياسيين، وصولًا إلى انتخاب جمعية تأسيسية تتولى صياغة دستور جديد للبلاد.
وفي ملف القوميات، شدد “أفشار” على أن وحدة إيران «لا تُحمى بالقمع بل بالعدالة»، مؤكدًا أن المعارضة تؤيد المساواة الكاملة بين جميع المكونات الإيرانية، وضمان الحقوق الثقافية والإدارية للأكراد والعرب والبلوش والأذريين وغيرهم ضمن إطار دولة موحدة.
تكتسب هذه المقابلة أهمية خاصة لأنها تُجرى مع السيد موسى أفشار، عضو لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، وأحد الشخصيات البارزة في مسار المقاومة الإيرانية على مدى عقود.
هل لدى المعارضة الإيرانية تصور واضح لمرحلة الانتقال السياسي إذا حدث تغير مفاجئ داخل إيران؟
نعم. المجلس الوطني للمقاومة طرح منذ سنوات تصورًا للمرحلة الانتقالية، يقوم على تشكيل حكومة مؤقتة مهمتها الأساسية نقل السلطة إلى الشعب، وليس تثبيت سلطة جديدة دائمة. وتشير مصادر المقاومة إلى أن المجلس أعلن في 28 فبراير/شباط 2026 حكومة مؤقتة تهدف إلى إدارة المرحلة الانتقالية وإقامة جمهورية ديمقراطية.
هذا التصور يقوم على عدة مبادئ: إسقاط ولاية الفقيه، حل الأجهزة القمعية، ضمان الأمن العام، إطلاق الحريات، الإفراج عن السجناء السياسيين، تنظيم انتخابات حرة، وفتح الطريق أمام جمعية تأسيسية تكتب دستور إيران المستقبل.
الأهم أن المقاومة لا تقول: نحن نحكم بدل الشعب. بل تقول: نحن نضمن انتقال السيادة إلى الشعب. وهذا فارق جوهري بين مشروع ديمقراطي ومشروع سلطوي.
كيف تنظرون إلى مسألة القوميات والأقليات داخل إيران، خاصة الأكراد والعرب والبلوش والأذريين؟
إيران بلد متعدد القوميات والثقافات، وهذا التنوع يجب أن يكون مصدر قوة لا سببًا للتمييز. النظام الإيراني مارس تمييزًا مضاعفًا ضد الأكراد والعرب والبلوش والتركمان والأذريين وغيرهم، سواء في التنمية أو اللغة أو الثقافة أو الأمن.
رؤيتنا تقوم على المساواة الكاملة بين جميع المواطنين، ورفض أي تمييز ديني أو قومي أو مذهبي. خطة مريم رجوي تؤكد ضمان حقوق القوميات والاعتراف بحقها في إدارة شؤونها المحلية ضمن وحدة إيران وسيادتها. كما تؤكد وثائق المقاومة موضوع الحكم الذاتي لكردستان إيران في إطار إيران ديمقراطية موحدة.
نحن نعتقد أن وحدة إيران لا تُحمى بالقمع، بل بالعدالة. عندما يشعر الكردي والعربي والبلوشي والأذري والفارسي أنهم متساوون أمام القانون، وأن لغاتهم وثقافاتهم وحقوقهم محترمة، تصبح الوحدة الوطنية أقوى بكثير من الوحدة المفروضة بالسلاح.
ما هو تصوركم لعلاقة الدين بالدولة في إيران المستقبل؟ وهل تؤيدون نموذج الدولة المدنية بالكامل؟
نعم، نؤيد دولة مدنية ديمقراطية تقوم على الفصل الكامل بين الدين والدولة. تجربة ولاية الفقيه أثبتت أن خلط الدين بالسلطة يفسد الدين والسياسة معًا. عندما يصبح رجل الدين حاكمًا مطلقًا، تتحول العقيدة إلى أداة قمع، ويتحول الاختلاف السياسي إلى تهمة دينية.
إيران المستقبل يجب أن تضمن حرية الاعتقاد والعبادة لجميع المواطنين، مسلمين وغير مسلمين، مؤمنين وغير مؤمنين. لكن الدولة نفسها يجب أن تكون محايدة تجاه الأديان، فلا تمنح امتيازًا سياسيًا لأي مذهب أو طبقة دينية.
هذا المبدأ موجود بوضوح في خطة مريم رجوي، التي تدعو إلى فصل الدين عن الدولة، وإلى جمهورية تعددية تستند إلى أصوات الشعب لا إلى التفويض الديني.
كيف تردون على الاتهامات التي تقول إن بعض أطراف المعارضة الإيرانية تمتلك تاريخًا إشكاليًا أو علاقات خارجية مثيرة للجدل؟
أولًا، يجب أن نسأل: من يروّج هذه الاتهامات؟ في أغلب الأحيان، مصدرها الأساسي هو جهاز دعاية النظام الإيراني، الذي أنفق مليارات الدولارات لتشويه صورة المقاومة، لأنه يعرف أن هذه المقاومة هي خصمه الأكثر تنظيمًا.
ثانيًا، أي حركة سياسية عمرها أكثر من أربعة عقود وتواجه نظامًا دمويًا ستتعرض لحملات تشويه، وسيتم اقتطاع أحداث من سياقها، وتضخيم روايات، واستخدام ملفات مفبركة. المعيار الحقيقي اليوم هو البرنامج السياسي والسلوك الحالي: هل تطرح المقاومة ديمقراطية أم ديكتاتورية؟ هل تدعو إلى انتخابات حرة أم إلى حكم فردي؟ هل تريد دولة مدنية أم دينية؟ هل تطالب بحقوق المرأة والقوميات أم تنكرها؟
ثالثًا، علاقات المقاومة الدولية ليست سرية ولا عسكرية، بل سياسية وحقوقية وبرلمانية. المقاومة تطلب من العالم الاعتراف بحق الشعب الإيراني في النضال من أجل الحرية، ووقف دعم النظام، وتصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية، ومحاسبة قادة القمع. هذا ليس تبعية للخارج، بل دفاع عن حق شعب في مواجهة نظام يستخدم الإرهاب والقمع.
ما طبيعة علاقتكم بالقوى الدولية، وهل تعتقدون أن التغيير في إيران يمكن أن يتم بدعم خارجي؟
علاقتنا بالقوى الدولية تقوم على شرح قضية الشعب الإيراني وفضح جرائم النظام وطلب موقف أخلاقي وسياسي واضح. نحن لا نطلب من أي دولة أن تغيّر النظام بدل الشعب الإيراني. التغيير يجب أن يتم بأيدي الإيرانيين أنفسهم.
لكن في الوقت نفسه، لا يمكن مطالبة الشعب الإيراني بمواجهة نظام مسلح وقمعي بينما يستمر العالم في منحه الشرعية والمال والوقت. المطلوب من المجتمع الدولي هو وقف سياسة المماشاة، إغلاق سفارات التجسس والإرهاب، تصنيف الحرس الثوري، دعم حقوق الإنسان، والاعتراف بحق الشعب الإيراني ووحدات المقاومة في مواجهة القمع.
الدعم الخارجي المقصود هنا ليس تدخلًا عسكريًا، بل دعم سياسي وحقوقي لشعب يقاوم ديكتاتورية. هناك فرق كبير بين التدخل في شؤون بلد، وبين الوقوف إلى جانب شعبه ضد نظام يقمعه ويهدد المنطقة.
كيف تقرأون موقف الدول الغربية من الملف الإيراني؟ وهل تعتقدون أن الغرب يريد فعلًا تغيير النظام؟
الغرب، في معظمه، لا يملك سياسة موحدة تجاه إيران. هناك قوى تدرك خطورة النظام، وهناك مصالح اقتصادية وسياسية دفعت لسنوات نحو سياسة المساومة. كثير من الحكومات الغربية ركزت على الملف النووي، وتجاهلت أن جوهر المشكلة هو طبيعة النظام نفسه.
هل يريد الغرب تغيير النظام؟ لا أعتقد أن هذا هو السؤال الأهم. السؤال الأهم: هل يعترف الغرب بحق الشعب الإيراني في تغيير النظام؟ نحن لا ننتظر من الغرب أن يقوم بالمهمة. لكننا نطالبه بعدم إنقاذ النظام عند كل أزمة.
تجربة العقود الماضية أثبتت أن المماشاة لا تجعل النظام أكثر اعتدالًا، بل تمنحه وقتًا لتطوير القمع والبرنامج النووي والتدخلات الإقليمية. لذلك الموقف الصحيح هو سياسة حازمة: لا تنازلات، لا شرعية مجانية، لا تجاهل لحقوق الإنسان، ولا غض طرف عن الحرس الثوري.
كيف تنظرون إلى العلاقة المستقبلية الممكنة بين إيران ودول الخليج العربي؟
إيران الديمقراطية ستكون جارًا طبيعيًا لا مصدر تهديد. المشكلة ليست بين الشعب الإيراني وشعوب الخليج، بل بين نظام ولاية الفقيه ودول المنطقة. النظام استخدم الطائفية والمليشيات والصواريخ والطائرات المسيرة لفرض نفوذه، وهذا ما خلق الخوف وعدم الاستقرار.
في إيران المستقبل، يجب أن تقوم العلاقات مع دول الخليج على الاحترام المتبادل، عدم التدخل في الشؤون الداخلية، التعاون الاقتصادي، أمن الملاحة، وحل الخلافات بالحوار. إيران بلد كبير وغني، ودول الخليج تملك إمكانات اقتصادية واستراتيجية هائلة. بدل أن تكون المنطقة ساحة حروب بالوكالة، يمكن أن تصبح فضاء تعاون وتنمية.
نحن نؤمن أن سقوط نظام ولاية الفقيه سيزيل أحد أهم مصادر التوتر في المنطقة، ويفتح الباب لعلاقات طبيعية بين الإيرانيين والعرب تقوم على المصالح المشتركة لا على مشاريع الهيمنة.
هل تعتقدون أن الصراع الإيراني ـ الإسرائيلي ساهم في تعزيز قبضة النظام داخليًا؟
النظام يحاول دائمًا استخدام الصراعات الخارجية لتشديد قبضته داخليًا. يرفع شعار “الخطر الخارجي” ليبرر الاعتقالات والإعدامات وقطع الإنترنت وقمع الاحتجاجات. لكنه في الوقت نفسه يعاني من تناقض كبير: الشعب الإيراني بات يدرك أن هذه الصراعات ليست دفاعًا عن إيران، بل وسيلة لبقاء النظام.
كلما زاد التوتر الخارجي، حاول النظام أن يقول للناس: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. لكن الإيرانيين يسألون: لماذا تُصرف أموالنا على الحروب والمليشيات بينما نعيش الفقر والبطالة وانهيار الخدمات؟
لذلك قد يستفيد النظام تكتيكيًا من أجواء الحرب لتكثيف القمع، لكنه يخسر استراتيجيًا لأن الناس يرون أن سياساته الخارجية جلبت العزلة والفقر والخطر إلى إيران.
كيف تقيّمون النفوذ الإيراني في المنطقة، خاصة في العراق وسوريا ولبنان واليمن؟
هذا النفوذ ليس نفوذ إيران كدولة أو كشعب، بل نفوذ الحرس الثوري وفيلق القدس. النظام لم يبن علاقات طبيعية مع شعوب المنطقة، بل بنى شبكات مليشياوية عابرة للحدود، تستخدم السلاح والمال والطائفية لخدمة مشروع ولاية الفقيه.
في العراق، دعم النظام مليشيات مسلحة أثرت على سيادة الدولة. في سوريا، وقف إلى جانب الديكتاتورية وشارك في قمع الشعب السوري. في لبنان، دعم حزب الله كقوة فوق الدولة. وفي اليمن، ساهم في تغذية الحرب عبر دعم الحوثيين. النتيجة أن شعوب المنطقة دفعت ثمنًا باهظًا.
من وجهة نظرنا، إنهاء هذا النفوذ التخريبي يبدأ من طهران. عندما يسقط نظام ولاية الفقيه، ستفقد هذه الشبكات مركز تمويلها وتوجيهها. إيران الديمقراطية لن تحتاج إلى مليشيات، بل إلى علاقات دبلوماسية واقتصادية طبيعية.
إذا وصلتم إلى السلطة أو شاركتم في مرحلة انتقالية، ما الذي سيتغير في السياسة الخارجية الإيرانية؟
التغيير سيكون جذريًا. أولًا، وقف تصدير الإرهاب والتطرف. ثانيًا، إنهاء دعم المليشيات في المنطقة. ثالثًا، احترام سيادة الدول. رابعًا، جعل مصلحة الشعب الإيراني، لا مصلحة الحرس الثوري، أساس السياسة الخارجية. خامسًا، الالتزام بإيران غير نووية.
خطة مريم رجوي تؤكد أن إيران المستقبل ستكون جمهورية غير نووية، تعيش بسلام وتعاون مع جيرانها والعالم.
هذا يعني أن السفارات لن تكون مراكز استخبارات، وأن الاقتصاد لن يكون أداة لتمويل حروب، وأن الدين لن يستخدم للتدخل في شؤون الآخرين. إيران قادرة أن تكون عامل استقرار كبير إذا تحررت من ولاية الفقيه.
كيف تتعاملون مع الانقسام داخل المعارضة الإيرانية نفسها، وهل توجد خلافات جوهرية بين تياراتها؟
من الطبيعي أن توجد تيارات مختلفة داخل أي معارضة، خصوصًا في بلد كبير مثل إيران. لكن السؤال هو: ما هو الخط الفاصل الحقيقي؟ الخط الفاصل ليس بين أسماء وشخصيات، بل بين من يؤمن بجمهورية ديمقراطية قائمة على الاقتراع الحر، وبين من يريد إعادة إنتاج الاستبداد بشكل آخر.
المجلس الوطني للمقاومة يطرح بوضوح: لا لولاية الفقيه، ولا للعودة إلى ديكتاتورية الشاه. هذا الموقف ينسجم مع وعي قطاعات واسعة من الشارع الإيراني، خاصة الشباب الذين يرفضون الماضيين معًا.
الخلافات تصبح خطيرة عندما تفتح الباب للتبعية أو الفوضى أو إعادة إنتاج الديكتاتورية. أما التنوع الديمقراطي فهو أمر صحي. ولذلك نقول إن الحكم النهائي يجب أن يكون للشعب عبر صناديق الاقتراع، لا عبر الوراثة ولا عبر السلاح ولا عبر صفقات الخارج.
ما هي أكبر التحديات التي تواجه المعارضة الإيرانية اليوم: ضعف التنظيم، الانقسام، أم فقدان الثقة الدولية؟
أكبر تحدٍ هو ميزان القمع الهائل داخل إيران، وليس ضعف الإرادة أو غياب البرنامج. النظام يستخدم الإعدام والتعذيب والمراقبة وقطع الإنترنت وملاحقة العائلات لمنع أي تنظيم سياسي مستقل.
التحدي الثاني هو حملات التشويه، حيث يحاول النظام إقناع العالم بأن لا بديل له. هذه رواية خطيرة لأنها تمنح الديكتاتورية عمرًا إضافيًا. لذلك من واجبنا أن نشرح، خاصة للإعلام العربي، أن هناك بديلًا منظمًا له برنامج ورؤية وحضور داخلي.
أما الثقة الدولية، فهي تتقدم عندما يرى العالم أن المقاومة تملك خطابًا ديمقراطيًا واضحًا، وبرنامجًا معلنًا، وحضورًا شعبيًا، وتاريخًا في مواجهة النظام. الدعم المتزايد لخطة مريم رجوي في أوساط برلمانية وسياسية دولية يعكس أن صورة البديل الديمقراطي باتت أكثر وضوحًا.
بعد كل هذه السنوات من الصراع السياسي، هل ما زلتم تؤمنون بإمكانية التغيير السلمي في إيران، أم أن المنطقة تتجه إلى سيناريوهات أكثر تعقيدًا؟
نحن نؤمن أن التغيير يجب أن يكون بيد الشعب الإيراني، وبأقل كلفة ممكنة، وبهدف إقامة دولة ديمقراطية لا دولة انتقام. لكن يجب أن نكون واضحين: النظام هو الذي أغلق طريق التغيير السلمي الحقيقي. لا يسمح بأحزاب حرة، ولا انتخابات حرة، ولا صحافة حرة، ولا قضاء مستقل. من يطالب بالحرية قد يواجه السجن أو الإعدام.
لذلك فإن مسؤولية التعقيد تقع على النظام، لا على الشعب. عندما يصر نظام على القمع المطلق، فإنه يدفع المجتمع نحو الانفجار. ومع ذلك، فإن وجود مقاومة منظمة وبرنامج انتقالي واضح يمكن أن يمنع الفوضى ويحوّل لحظة السقوط إلى بداية بناء.
إيران ليست محكومة بالأبدية الاستبدادية. هذا النظام يبدو قويًا لأنه مسلح، لكنه ضعيف لأنه بلا شرعية. والشعب الإيراني، بتضحياته وانتفاضاته ووحدات مقاومته، أثبت أن إرادة التغيير لم تنكسر. مستقبل إيران لن يصنعه الحرس الثوري، ولا صفقات الخارج، بل الشعب الإيراني نفسه حين يستعيد صوته وسيادته.



