
منذ إندلاع الحرب في السودان منتصف إبريل الماضي، كان لافتاً بروز الدور السعودي في الأزمة باعتباره محايداً نسبياً بين طرفي الحرب وبرزت المملكة السعودية كقوة إقليمية لا غنى عنها، وأخذت زمام المبادرة في عمليات المساعدة الإنسانية والإغاثية بالسودان. وقد مكنها هذا الدور من إعادة رسم صورتها الدبلوماسية كعامل تهدئة في المنطقة، بعدما كان يُنظر إليها كأحد المحفزات الرئيسية للأضطرابات والتوترات؛ وفي مشهد الحرب الأكثر قتامة، فإن الرياض تمضي قدماً لإعادة صياغة الوضع الجيو سياسي في الشرق الأوسط، وفي ذات الوقت فإن المصالح السعودية في إستقرار السودان وقلقها من طول أمد الصراع، كان دافعاً للوساطة. إذ أن موقع السودان الجغرافي الاستراتيجي يجعله مهماً للإنخراط السعودي في إفريقيا، ولا سيما منطقتي القرن الإفريقي والبحر الأحمر
نفوذ الرياض
تملك المملكة العربية السعودية علاقات قوية مع جميع الأطراف السودانية، فقد عملت خلال السنوات الماضية على تقديم دعم مكثف سياسي واقتصادي للسلطة الانتقالية في الخرطوم، وساهمت بشكل كبير في رفع الولايات المتحدة الأمريكية اسم البلاد من قائمة الدول الداعمة للإرهاب. واعتمدت الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي على نفوذ الرياض في السودان لإنهاء الأزمة القائمة وعودة الحكم المدنى والتحول الديمقراطي وفى هذا السياق يري قادة سياسيون تحدثوا إلى صحيفة ” إدراك ” ان الدبلوماسية السعودية بإستطاعتها إيقاف الحرب فى السودان للهدوء الذي تتميز به ولعلاقاتها الإستراتيجية مع دول ذات تأثير قوي على المشهد السودانى وتداخلاته وهى “اي” الرياض اصبحت تمثل “مسمار النص” للأزمة السودنية وتجلياتها الإنسانية.
” كادت ان تنجح مساعى السعودية لفك الإختناق السياسي لولا مغامرة الإسلاميين بالحرب”
الرياض هى بيت الحكمة
ويقول رئيس لجنة السياسات بالمكتب السياسي لحزب الأمة القومى “إمام الحلو” فى حديثه لـ” إدراك” إن العلاقات السودانية / السعودية قديمة ومتنوعة منذ قديم الزمان إذ كانت لها أدوار مهمة فى السودان منذ الإستقلال وتطورت فى الفترة الأخيرة بعد ثورة ديسمبر العظيمة والإختلالات التى حدثت فى حكومة الفترة الإنتقالية. ويضيف (الحلو) بأن السعودية تميزت بالهدوء الدبلوماسي المعروف عنها خلال سنوات منذ تولى الأمير الراحل سعود الفيصل وزارة الخارجية ، حيث كانت سياسة السعودية الخارجية تنحو نحو الهدوء وعدم التدخل فى شؤون الدول خاصة دول الجوار، هذه السمه أكسبت السعودية حضوراً فاعلاً فى المشهد الإقليمى والدولى، لذلك ينظر السودانيين لمساعى السعودية لإيقاف الحرب بكثير من الأمل والتفاؤل، ومنذ تأزم الأوضاع بعد إنقلاب الخامس وعشرين من إكتوبر سعت السعودية من خلال الألية الرباعية لفك الجمود والإختناق السياسي الذى لأزم المناخ السياسي السودانى بعد الإنقلاب بفضل تحركات السفير السعودى النشط وقد لعب دوراً كبيراً فى تجسير الهوه الشاسعة بين المكون العسكرى والمدنى وكادت ان تنجح مساعيه فى معالجة الأوضاع لولا مغامرة جماعة الأخوان المسلمين بتفجير الأوضاع بالحرب وقطع الطريق على عملية الإنتقال الديمقراطى. ويواصل “إمام الحلو” حديثه قائلاً إنه بعد الحرب تعقدت الأوضاع الإقليمية نتيجة تأثيرات الحرب الجيوسياسية على الأمن الإقليمى خصوصاً منطقة البحر الأحمر ومستوى الأحداث بمنطقة الساحل الإفريقي والتطور فى مبادرة حوض النيل إضافةً لتصاعد الأزمة الإيرانية / الإمريكية والمخاوف من التمدد الإيرانى فى المنطقة عبر وكلائها فى اليمن ولبنان، كل هذه السيناريوهات تدفع بالرياض لأن تلعب دوراً محورياً لتأمين القرن الإفريقي والدول المشاطئة للبحر الأحمر، ولذلك نحن فى حزب الأمة القومى نثمن مجهودات السعودية التى اصبحت تمثل “بيت الحكمة” لتخفيف معاناة السودانيين بسبب هذه الحرب وهى أكثر دينامية فى تحقيق تطلعات الشعب السودان بإيقاف جحيم هذه الحرب .

تحركات “الرياض” تعكس درجة عالية من النضج الدبلوماسي
وفى ذات السياق يري القيادى بحركة (حق) الأستاذ “خالد بحر” فى حديثه لصحيفة (إدراك ) إن دور ومساعي السعودية في إيقاف الحرب في السودان يتناغم مع التطورات المهولة التي شهدتها الدبلوماسية السعودية في السنوات الأخيرة، منطلقة بإستمرار من موقعها الجيوسياسي وإنفتاح أفقها على القضايا الإقليمية والدولية بغية التموضع وفق رؤية جديدة وحديثة ومعاصرة، في هذا السياق يمكن قراءة مساعي المملكة في التوسط لنزع فتيل أزمة الحرب في السودان، وهي مسنودة بإستمرار بتجارب ومعرفة عميقة بتعقيدات الحالة السودانية على المستوى التأريخي وعلى مستوى اللحظة الراهنة، حتى قبل إشتعال أوزار الحرب في 15 أبريل 2023م. حيث لعبت دور كبير عبر “اللجنة الرباعية” التي سعت بجهد لتقريب وجهات النظر بين تحالف الحرية والتغيير والمجلس العسكري عشية إنقلاب أكتوبر.
” تحركات السعودية فى الملف السودانى تعكس درجة عالية من النضج الدبلوماسي”
وتواصلت مساعيها ومبادراتها بعد أيام قليلة من إندلاع الحرب، لتتوج بإعلان القضايا الإنسانية في 11 مايو 2023م. وما تبعها من إتفاقات لوقف إطلاق النار، ومن ثمة إتفاق زيادة المساعدات الإنسانية وإجراءات بناء الثقة. ورغم أن هذه الجهود تمت بشراكة مع حكومة الولايات المتحدة وبعض الفاعلين الإقليميين والدوليين، إلا أن القدح المُعلى في هذه النجاحات يعود لحكومة المملكة العربية السعودية ممثلة في وزارة خارجيتها.
تعكس هذه النجاحات درجة عالية من النضج الدبلوماسي للملكة العربية السعودية. وهذا النضج بالذات يؤهل الدبلوماسية للقيام بدور محوري ومركزي في إيقاف الحرب، مدفوعة على الدوام بالخبرة والتجربة العملية في تعقيدات الملف السوداني، والمصلحة السياسية في إيقاف إحدى بؤر التوتر العسكري على ضفاف البحر الأحمر، الذي يشكل عمق إستراتيجي للملكة العربية السعودية، بجانب أن المملكة العربية السعودية لديها قدرة إقتصادية في الإنخراط دعم مشاريع البناء والإعمار، لسودان ما بعد الحرب، وهذه ميزة لا تتوفر لدى كثير من الدول المنخرطة في ملف إيقاف الحرب

ومن ناحية اخرى يقول الناطق الرسمي بإسم حزب البعث العربي الإشتراكى الأستاذ “محمد ضياء الدين” إن الدبلوماسية السعودية تبذل جهود مقدرة في تحقيق السلام بالسودان، من المهم أن نلقي نظرة على الجهود المبذولة والنتائج المحققة حتى الآن لنتأكد من دور السعودية فى التأثير على الأطراف المتنازعة، والالتزام بالسلام.
“تبذل السعودية جهود مقدرة لتحقيق السلام بالسودان”
فالدبلوماسية السعودية قد تسهم بشكل كبير إذا كانت هناك استراتيجيات فعّالة وتعاون دولي، لكن النجاح النهائي يعتمد على قدرة الأطراف السودانية على التوصل إلى تسوية حقيقية ودائمة.فالسعودية تمتلك دوراً مهماً في جمع الأطراف المتنازعة في السودان، وعلى الرغم من الصعوبات التي تواجه مساعي السلام ،لجلوس اطراف النزاع على طاولة الحوار فإن الجهود السعودية لا تزال مستمرة لتحقيق ذلك والوصول وقف دائم لاطلاق النار . وبدء مفاوضات تودي الى الخروج من المأزق وتحقيق الهدوء والإستقرار في السودان .ومن المرجح أن يستمر دور السعودية في الوساطة الدولية بالتطور والتوسع، متأثراً بعوامل مختلفة، من بينها المشهد الجيوسياسي المتغير، ومع استمرار ديناميكيات القوة العالمية في التحول نحو عالم أكثر تعددية للأقطاب، تجد السعودية نفسها في وضعية جيدة لتأكيد نفوذها والاضطلاع بدور أكثر بروزاً في حل النزاعات. وسيمكّنها موقعها الاستراتيجي ونفوذها الاقتصادي وقدراتها الدبلوماسية المتنامية من الإضطلاع بدور نشط في تحديد نتائج النزاعات الإقليمية والدولية. فضلاً عن ذلك، مع ظهور جيل أصغر من القادة في دول الخليج، من المرجح أن يساهم بوجهات نظر جديدة وأساليب مبتكرة للوساطة، ويمكن أن يؤدي هذا التغيير إلى أكثر ديناميكية وقابلية للتكيف وبالتالي، فان الدور السعودي يحظى بتاييد دولي ، لاقناع اطراف النزاع لبدء مرحلة جديدة



