مقالات واراء

الغربال لا يبقي إلا الذهب: قراءة في خطاب دقلو

عبدالله حسن

“إذا كنتَ في الحرب فاجعل خططك غامضة كليلٍ بلا قمر، وإذا ضربت فلتكن كالصاعقة.” – صن تزو

في ميادين العزة والمجد، حيث تصنع الأمم تاريخها بحد السيف وثبات الرجال، يقف القائد محمد حمدان، شامخًا كالطود، لا تهزه العواصف ولا توهن عزيمته الخطوب. في خضم معركة لا هوادة فيها، حيث تتمايز الصفوف كما ينخل الذهب من الفالصو، يعلو صوته ليبث الطمأنينة في نفوس الأسود المرابطة، ويزلزل أوهام العدو الواهم بالنصر. بحديث الواثق، بحضورٍ تهابه الرجفة، برسالةٍ واضحةٍ كحد السيف، جاء يخاطب أبطال قوات الدعم السريع، أولئك الذين لم تهن عزيمتهم ولم ينكسر لهم رمح، ليؤكد أن الحرب سجال، وما انتُزع منا سنعيده، وما لم نحرره بعد سنفتح أبوابه عنوة.

إن خطابه لم يكن مجرد كلمات تُلقى، بل كان نداءً للجسارة، صيحة حربٍ تزلزل الأرض تحت أقدام من يظنون أن بوسعهم إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء. لم يكن خطابَ المتردد أو المهزوز، بل كان حديث القائد الذي يرى ما وراء الأفق، ويدرك أن الغربال لا يحتفظ إلا بالذهب، أما الزيف فمصيره إلى الزوال. فمن عرفنا في ساحات القتال، أدرك أن الميدان لنا، وأننا لا نموت خلف الصفوف، بل نمضي للأمام، نرمي للأمام، ونحيا للأمام.

ليس هذا وقت الانشغال بما سُلِب، فالأرض ليست ملكًا لمن وطأها، بل لمن يذود عنها، ومن ذاق بأسنا في الخرطوم والمقرن وكافوري، يدرك تمامًا أن المعركة لم تبدأ بعد، وأن ما مضى ليس سوى فصلٍ تمهيدي، وأن القادم سيُكتب بحروف من نار، بقوة لا تعرف التراجع، وعزم لا ينثني حتى يُقتلع الفساد من جذوره، وحتى تنقطع أنفاس الذين ظنوا أن السودان إرثٌ يتوارثونه، ونهبٌ يتقاسمونه.

وسط الحروب، يُصاب الضعفاء بوهم الهزيمة عند أي انكسار، أما أهل البأس وأرباب الحروب، فإنهم ينظرون إلى الأمام، يتجاوزون ما فاتهم، لأنهم يدركون أن المعركة ليست لحظة، بل مسيرة. القائد محمد حمدان دقلو لم يشغل رجاله بما فقدوه، بل وجههم إلى ما سيأخذونه، إلى الأرض التي تنتظر راية الحق ترفرف فوقها، إلى المعارك التي ستُحسم بقوة السواعد وصبر الأيام.

ليس للمرجفين بيننا مكان، فالعزم قد شُحذ، والصفوف قد انتظمت، والحرب حين تشتد تصنع الرجال، فيُعرف الأصيل من الدخيل، ويبان الذهب الخالص من الخبث المتراكم. فلا تأبهوا لحديث الأفاكين الذين يختبئون خلف شعارات زائفة، ولا تغتروا بزيف ادعاءاتهم، فالشعب الذي نذود عنه يعرفنا، وهو ليس من أولئك الطفيليين الذين عاشوا على دمائه لعقود، وامتصوا خيراته حتى أضحى السودان مرتعًا للفساد والمفسدين.

لم يكن هذا الخطاب موجهًا للأبطال في الميدان فحسب، بل حمل بين سطوره رسالة واضحة للعدو، رسالة تفيد بأن ما مضى ليس كالقادم، وأن الذين يتوهمون أن السلطة تُنتزع بالمؤامرات عليهم أن يعيدوا حساباتهم. البرهان ورهطه ليسوا سوى مرحلة في تاريخ يكتب بالدم والحديد، وساعة الحساب تقترب، حيث لن تنفعهم الامتيازات التي اغتصبوها، ولا الألاعيب التي ظلوا يحتمون خلفها.

أما أنتم، فأنتم صناع التاريخ، أنتم الأسود التي زأرت في بحري وأم درمان، فزلزلت الأرض تحت أقدام العدو، أنتم الرجال الذين لا يهابون الموت، بل يزفون إليه كما يزف العريس إلى عرسه، فلا تترددوا، ولا تلتفتوا للخلف، فما كان خلفكم قد انتهى، وما ينتظركم هو المجد والانتصار بإذن الله.

يا أبطال قوات الدعم السريع، يا أسود المعارك، لا تسمعوا لدعايات المرجفين، ولا تلتفتوا إلى مخططات الطوابير والخونة، فالنصر لا يصنعه المترددون، ولا يبقى في الأرض إلا أهل العزم والبأس.

وللعدو، لكل من ظن أن السلطة تُستعاد بالتشبث بالسراب، لكل من راهن على الزمن، نقولها بوضوح: لقد انتُزِع منكم الحكم، ولن يعود إليكم أبدًا، لأن الله هو من ينزع الملك ممن يشاء، ولأنكم لم تتركوا لهذا الشعب خيارًا سوى أن يقتلعكم كما تُقتلع الأشواك من الأرض الطيبة. احفظوا هذه الكلمات جيدًا، فالغربال لا يخطئ، وهو مستمرٌ في تصفية الصفوف، حتى لا يبقى في أرض السودان إلا من يستحقها.

إن الغربال لا يتوقف، ولن يبقى إلا الذهب.. والذهب أنتم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى