مقالات واراء

نقد الخطاب السياسي خلال حرب 15 أبريل _ بين عجز النخب وتسييس المأساة.. “جقلو ولامشي عرجة”

م. آدم مكرم

لم تكن حرب الخامس عشر من أبريل2023 مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف مسلحة، بل شكّلت لحظة كاشفة لانهيار أعمق في بنية الخطاب السياسي السوداني. ففي هذه الحرب، برزت اللغة بوصفها سلاحًا موازيًا للرصاص؛ تُستخدم لصياغة الوعي، وتوجيه الرأي العام، وتحديد العدو والحليف، لا لبناء موقف وطني مسؤول، بل لتبرير العنف وإدامة الصراع. وبين سيل الاتهامات، وتضارب الروايات، وخطاب التعبئة الشعبوية، فقد الخطاب السياسي اتزانه، وغابت عنه الحكمة والرصانةا ، ليصبح جزءًا من الأزمة لا أداةً لمعالجتها.

منذ الساعات الأولى لاندلاع الحرب، عجز القوي السياسية عن إنتاج خطاب قادر على تهدئة الشارع أو ضبط المشهد العام. بل جاء الخطاب انعكاسًا مباشرًا لأزمة النخب نفسها؛ أزمةتعبر عن حالة الوهنٍ المتراكم ،انقسامٍات ، تآمرٍات وإقصاءٍ ما قبل الحرب. وبدل أن تنشغل القوى السياسية بتقديم برامج واضحة تتنافس فية أمام الجماهير، بدا التنافس منصبًا على كسب الولاءات الآنية واحتكار تمثيل الشارع، دون تفويض شعبي أو تفكير انتخابي ديمقراطي. هذا الارتباك فتح فراغًا واسعًا ملأته الشائعات ومنصات التواصل الاجتماعي، في ظل غياب تحليل عميق أو رؤية قادرة على ملامسة تعقيدات اللحظة وفتح أفق لإيقاف الحرب.

ومع تصاعد الأحداث، طغى الزخم الانفعالي على أي خطاب عقلاني. انشغلت النخب بردود الأفعال أكثر من انشغالها بتقديم حلول أو خرائط طريق، فتحوّل الخطاب إلى تسجيل مواقف لا إلى صناعة سياسات. وفي هذا السياق، برز التوظيف السياسي للحرب بوصفه سلوكًا شائعًا؛ إذ رأت بعض القوى في الحرب فرصة لتصفية حسابات مؤجلة، بينما سعت قوى أخرى إلى إعادة تقديم نفسها كـ«منقذ وطني»، متجاهلة مسؤوليتها التاريخية عن الانسداد السياسي الذي مهّد للانفجار. وتكرّر نمط التبرؤ من الماضي، وتحميل الآخرين كامل المسؤولية، دون أي مراجعة ذاتية جادة.

أحد أبرز مظاهر فشل الخطاب السياسي تمثّل في ضعفه التحليلي وهيمنة الشعارات عليه. فلم تُقرأ الحرب بوصفها تحولًا بنيويًا في طبيعة الدولة السودانية وأزمتها المركبة،المتراكمة بل اختُزلت في صراع ثنائي بين قوتين. غابت التحليلات المرتبطة ببُنى الدولة، والاقتصاد، وطبيعة التشكيلات المسلحة، ودور الإقليم والمجتمع الدولي، لتحل محلها شعارات عاطفية من قبيل «النصر القريب» و«الحسم العسكري»، دون تقدير واقعي للتعقيدات الميدانية والسياسية.

يكمن فشل الخطاب كذلك في بناء سردية وطنية جامعة. إذ انقسمت اللغة السياسية إلى ثنائيات حادة: جيش مقابل دعم سريع، وطني مقابل مليشا، ثورة مقابل ثورة مضادة.( هلال – مريخ ) واختفت اللغة التي تحض على التماسك الاجتماعي، ليحل محلها خطاب الإقصاء والتخوين، ما عمّق الاستقطاب المجتمعي ومزّق الوجدان الوطني. وبدل أن ينهض بعض القادة السياسيين بدور الوسيط أو صانع السياسات، انحدروا إلى دور «الناشط»، يلهثون خلف المنابر والتفاعل الإعلامي أكثر من انشغالهم بصناعة مخرج وطني.

من الجانب الاخر القوى المدنية، فقد بدت في حالة تناقض مزمن. فهي عالقة بين إدانة الحرب، وإرضاء قواعدها، والحفاظ على خيوط تواصلها مع الأطراف المسلحة المتصارعةعبر بيانات درجة استهلالها بنص ثابت كما قؤات سورة الفاتحة ( ان البلاد تمر بمنطف معقد و خطير )دون فهم للعبرات و ترجمتها الي مشروع وطني يسهم في سياقة خرائطة طريق مشروعع وطني يوقف الحرب و يبشر التنمية المستدامة . هذا التردد أنتج خطابًا متقلبًا ومزدوجًا: موقف في الإعلام الخارجي، وآخر في البيانات الرسمية، وثالث في الغرف المغلقة. وكانت النتيجة فقدانًا واسعًا للثقة الجماهير، وتآكلًا إضافيًا في مصداقية الفعل المدني مما يجعل اطراف الصراع لمحاولة صناعة اجسام توالي لهم تايدهم فاصبحت هناك كتل للمجتمع المدني توازي ترهل الاحزاب السياسية (شبكات و اجسام بلا برامج .

وفي ذروة الكارثة، جرى توظيف الأزمات الإنسانية داخل الخطاب السياسي لا بوصفها منطلقًا لموقف وطني موحد، بل كأداة للمزايدة السياسية أو لتشويه الخصوم. وهكذا جرى تسييس المأساة على حساب الضحايا الفعليين، الذين غاب صوتهم وسط ضجيج البيانات والتصريحات.

الأخطر من ذلك كله هو غياب أي رؤية جدية لما بعد الحرب. فبعد اعوام من القتال، لم يطرح أي طرف، مدنيًا كان أو عسكريًا، مشروعًا واضحًا لإعادة بناء الدولة، أو لإصلاح القطاع الأمني، أو لترميم النسيج الاجتماعي. تراوحت البدائل بين شعارات فضفاضة من قبيل «الدولة المدنية الكاملة»، أو طروحات غير واقعية مثل «الحسم الشامل»، دون نقاش حقيقي لمسارات ممكنة كوقف إطلاق النار، والترتيبات الأمنية، والعدالة الانتقالية، وإعادة الإعماربل اعادة بناء المجتمع المدني او تكوينة في مناطق سيطرة كل طرف ( وهن علي وهن ).

وزاد من هشاشة الخطاب السياسي ارتهانه المتزايد للمنابر الخارجية، في ظل انهيار البنية الإعلامية داخل السودان. فأصبحت اللغة السياسية موجّهة للخارج أكثر من مخاطبتها لواقع المواطنين في الداخل، ما خلق فجوة عميقة بين الخطاب والجماهير، وأسهم في تدويل السردية السودانية بطريقة أفقدت الخطاب استقلاليته وصدقيته.

ارتهان الواقع الي دور الخارجي ايقاد ، رباعية ، جدة و المنامة ….. الخ كلا لاجندتة إن الخطاب السياسي خلال حرب 15 أبريل لم يكن بمستوى الحدث التاريخي ولا بحجم المأساة الوطنية. كان خطابًا مأزومًا، مشتتًا، انفعاليًا، ومثقلاً بإرث الانقسامات، عاجزًا عن قيادة جماهير أو صناعة أفق للحل. وما كان مطلوبًا – ولم يتحقق – هو خطاب عقلاني ومسؤول، يملك أدوات التشخيص، وأفق الحل، وسردية وطنية جامعة تتجاوز ثنائية «النصر أو الفناء»، وتضع الإنسان السوداني في قلب السياسة، لا على هامشها.

حرب 15 ابريل ليست منعطف تاريخياً بل أول اختبار جاد للخطاب السياسي منذ نشأة الحركة الوطنية،بما فيها أحزابًا حديثة التكوين، لم يمضِ على تأسيسها سوى سنوات أقل من أعمار قادتها، دخلت الاختبار وهي تفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقلالية السياسية. فبدل أن تعبّر عن مواقف نابعة من برامج ورؤى واضحة، بدا خطابها مرتهنًا لإرادة أحد أطراف الصراع، يتغيّر بتغيّر موازين القوة، ويعيد إنتاج نفسه وفق ما تمليه اللحظة لا ما تقتضيه المصلحة العامة. وفي هذا السياق، لم يعد السؤال عن جدية هذه الأحزاب أو قدرتها على تمثيل قواعدها، بل عن مدى قابليتها للتماهي مع مواقف الغير، حتى وهي ترفع شعارات الاستقلال والعمل الوطني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى