البروفسور عبد المنعم همت: الإمارات تختبر العودة إلى لبنان… والاستثمارات الكبرى رهن الاستقرار والضمانات

لم يعد خفيًا الاهتمام الإماراتي بلبنان، فبعد سنواتٍ من الفتور والحذر، عادت الإمارات العربية المتحدة لتبدأ رسم طريق العودة إلى لبنان، من خلال زيارةٍ اقتصاديةٍ لافتةٍ لوفدٍ ضم نحو 80 رجل أعمالٍ ومستثمرًا، برئاسة وزير التجارة الخارجية ثاني بن أحمد الزيودي، الذي وصف الزيارة بالناجحة.
فالزيارة لم تقتصر على اللقاءات الرسمية، بل انتقلت إلى البحث عن فرص استثمارٍ وشراكاتٍ قابلةٍ للتنفيذ، مع توقيع مذكرات تفاهمٍ وإطلاق مجلس أعمالٍ لبناني – إماراتي، في مؤشرٍ إلى محاولة نقل العلاقة من مرحلة الحذر إلى مرحلةٍ أكثر عملية. فهل تشكل هذه الزيارة فعلًا بداية عودةٍ إماراتيةٍ إلى لبنان؟
في هذا الإطار، اعتبر الأكاديمي والباحث السياسي البروفسور عبد المنعم همت أن الزيارة الإماراتية إلى لبنان ليست زيارةً بروتوكوليةً ولا مجرد محاولةٍ لجس النبض، معتبرًا أن حجم الوفد وطبيعة الشخصيات المشاركة واللقاءات التي عقدها تحمل رسالةً واضحةً بأن الإمارات تريد اختبار مرحلةٍ جديدةٍ في العلاقة مع لبنان، عنوانها هذه المرة الاقتصاد والاستثمار، بعد سنواتٍ من الفتور والحذر.
وأشار، عبر منصة “بالعربي”، إلى أنه من المبكر القول إننا أمام عودةٍ إماراتيةٍ استثماريةٍ كاملة، موضحًا أن الإمارات تتعامل مع لبنان بقدرٍ كبيرٍ من الواقعية، وتريد أولًا أن ترى إلى أين يتجه الوضع السياسي والأمني، وما إذا كانت الدولة اللبنانية قادرةً على توفير بيئةٍ تحمي المستثمر وتضمن استمرارية المشاريع. ووصف الزيارة بأنها “فتح جدي لباب الاستثمار، وليس دخولًا كاملًا منه بعد”.
ولفت همت إلى أن أهمية الوفد تكمن في أنه لم يأتِ فقط للقاء المسؤولين اللبنانيين، وإنما جاء ومعه قطاع الأعمال، وهذا يعني أن الإمارات تنتقل من السؤال السياسي: “هل أصبح لبنان جاهزًا للتعاون؟” إلى سؤالٍ أكثر عملية: “أين يمكن أن نستثمر في لبنان، وما الشروط المطلوبة لذلك؟”.
كما أن توقيع مذكرات التفاهم وإنشاء مجلس أعمالٍ مشتركٍ يعطيان الزيارة، بحسب رأيه، بعدًا مؤسسيًا، وليس مجرد موقفٍ سياسي عابر. لكنه شدد على أن مذكرات التفاهم تبقى، في النهاية، إطارًا أوليًا، فيما يبدأ الاختبار الحقيقي عندما تتحول إلى دراسات جدوى وعقود وتمويلٍ ومشاريع تنفذ على الأرض.
وأضاف همت أن هناك رسالةً أخرى مهمةً في الزيارة، وهي أن الإمارات تنظر إلى لبنان ضمن محيطٍ اقتصادي أوسع، موضحًا أن لبنان، بحكم موقعه وصلاته العربية والدولية وقطاعه الخاص، يمكن أن يكون له دورٌ في مرحلة إعادة تنشيط اقتصاد المشرق، خصوصًا مع التحولات الجارية في سوريا والعراق.
واعتبر أن الاهتمام الإماراتي بلبنان لا يرتبط فقط بالسوق اللبنانية، بل أيضًا بما يمكن أن يمثله لبنان مستقبلًا ضمن شبكةٍ اقتصاديةٍ إقليميةٍ أوسع. لذلك، فإن توصيف الزيارة بدقة، وفق رأيه، لا يندرج في إطار عودةٍ اقتصاديةٍ إماراتيةٍ مكتملةٍ إلى لبنان، ولا في إطار جس النبض بالمعنى التقليدي، بل هي “مرحلة اختبارٍ متقدمةٍ للعودة”، تحمل استعدادًا حقيقيًا للاستثمار إذا أثبت لبنان أنه قادرٌ على توفير الاستقرار والإصلاحات والضمانات التي يحتاج إليها رأس المال.
وأكد همت أن الكرة الآن في الملعب اللبناني، فالإمارات أرسلت وفدًا كبيرًا وفتحت قنوات التواصل الاقتصادي، لكن انتقال العلاقة إلى مرحلة الاستثمارات الكبرى سيتوقف على قدرة لبنان على تحويل هذا الانفتاح إلى بيئةٍ اقتصاديةٍ مستقرةٍ وقابلةٍ للاستثمار.
وفي ما يتعلق بالفرص الاستثمارية، اعتبر أن الأزمة الاقتصادية اللبنانية، رغم قسوتها، يمكن أن تخلق فرصًا للمستثمر الإماراتي، إذ إن الأزمات عادةً ما تخفض قيمة الأصول وتفتح المجال أمام الدخول في قطاعاتٍ تحتاج إلى إعادة بناءٍ وتطوير. لكنه شدد على أن المستثمر لا ينظر إلى انخفاض الأسعار وحده، بل إلى قدرة البلد على التعافي وحماية الاستثمار.
وأوضح أن لبنان يمتلك عناصر يمكن أن تجعله جذابًا، أهمها موقعه الجغرافي، والموارد البشرية والكفاءات، وقطاعٌ خاصٌ لديه خبرةٌ طويلة، إضافةً إلى علاقاته التجارية الواسعة مع المنطقة. وإذا استعاد لبنان استقراره، يمكن لهذه العناصر أن تتحول إلى فرصٍ اقتصاديةٍ حقيقية.
وحدد همت أبرز القطاعات التي يمكن أن تكون جاذبةً للاستثمارات الإماراتية، وهي الطاقة والطاقة المتجددة، والموانئ والنقل والخدمات اللوجستية، والسياحة والعقارات، والزراعة والصناعات الغذائية، والتكنولوجيا والخدمات الرقمية، إلى جانب الصحة والتعليم، مشيرًا إلى أن هذه القطاعات تحتاج إلى المال والخبرة في الإدارة والتطوير، وهي عناصر يمكن أن تضيفها الشركات الإماراتية.
لكنه شدد على أن مقابل كل هذا، هناك شرطٌ أساسي، وهو أن المستثمر الإماراتي لن يدخل إلى لبنان لمجرد أن الفرص متاحة، بل يحتاج إلى قوانين واضحة، وقضاءٍ قادرٍ على حماية العقود، واستقرارٍ سياسي وأمني، ونظامٍ مصرفي قادرٍ على التعامل مع الاستثمارات وتحويل الأموال.
أما في ما يتعلق بالخطوات التي يفترض أن تلي الزيارة، فلفت همت إلى أن الأولوية هي الانتقال من التفاهمات العامة إلى مشاريع محددة، عبر تحديد القطاعات والمشاريع ذات الأولوية، ودراسة جدواها، وتحديد مصادر التمويل والجدول الزمني لتنفيذها. وأكد أن نجاح الزيارة يقاس بما سيتحول منها إلى استثماراتٍ ومشاريع على الأرض.
وتوقع أن تبدأ الاستثمارات الإماراتية بصورةٍ تدريجية، خصوصًا في قطاعاتٍ مثل السياحة والزراعة والتكنولوجيا والخدمات والطاقة، قبل الانتقال إلى مشاريع أكبر في البنية التحتية والموانئ والنقل، باعتبار أن هذه المشاريع تحتاج إلى وقتٍ ودراساتٍ وضماناتٍ أكبر. واعتبر أن العامل الحاسم سيبقى في لبنان نفسه، موضحًا أن المستثمر الإماراتي يحتاج إلى استقرارٍ سياسي وأمني، وقوانين واضحة، وقضاءٍ يحمي العقود، وإصلاحاتٍ ماليةٍ ومصرفيةٍ تعيد الثقة إلى الاقتصاد.
وفي البعد الإقليمي، أوضح همت أن العودة الإماراتية إلى لبنان يمكن قراءتها ضمن انفتاحٍ اقتصادي أوسع على المنطقة، خصوصًا مع وجود اهتمامٍ بالتعاون مع سوريا والعراق. وأشار إلى أن الإمارات لا تنظر إلى هذه الأسواق باعتبارها حالاتٍ منفصلة، بل تنظر إلى إنشاء حركة تجارةٍ واستثمارٍ وخدماتٍ وإعادة إعمار.
وهنا، يمكن أن يكون للبنان دورٌ مهم، بحسب رأيه، بسبب حجم اقتصاده وموقعه الجغرافي وخبراته البشرية وعلاقاته التجارية، مشيرًا إلى أنه، في حال تحسنت الأوضاع في سوريا والعراق، يمكن للبنان أن يستفيد من حركة التجارة والنقل والخدمات والسياحة، وأن يصبح جزءًا من شبكةٍ اقتصاديةٍ تمتد من الخليج إلى المشرق.
وشدد همت على أن لبنان يحتاج إلى استقرارٍ سياسي وأمني، وإصلاحٍ اقتصادي ومالي، ومؤسساتٍ قادرةٍ على حماية الاستثمار وتنظيم حركة التجارة، معتبرًا أن الانفتاح الإماراتي على لبنان يحمل بعدًا يتجاوز العلاقة الثنائية، وأن نجاح لبنان في استعادة عافيته سيساعده على التحول من سوقٍ صغيرةٍ إلى حلقةٍ مهمةٍ في مسارٍ اقتصادي إقليمي أوسع.
في الخلاصة، فإن هذه الزيارة، بما تحمله من زخمٍ اقتصادي وانفتاحٍ استثماري، تأتي أيضًا في سياق الدعم والاهتمام العربي بلبنان، وتفتح أمامه فرصةً جديدةً لاستعادة موقعه على خريطة الاستثمار العربي. فهل سيتلقف لبنان هذه الفرصة الثمينة؟


