انتقال السودان من واقع تعدد الجيوش إلى تعدد السلطات ونماذج الحكم، بعد حرب 15 أبريل 2023
محمد علي مهلة

▪️تمهيد:
اتسمت الدولة السودانية الموروثة من الاستعمار بأنها دولة مواطنة مؤقتة تعاني من اختلال بنيوي، وأن سماتها الرئيسية هي المركزية والشمولية والاستبداد والتمييز العنصري والأحادية الثقافية، وسيادة نمط الاقتصاد الطفيلي الاستهلاكي، ومشروعية الغلبة والعنف الذي بدأ مشواره بحرب أهلية في العام 1955، وتعقبته محطات تسويات جزئية: اتفاقية أديس أبابا 1972، واتفاقية نيفاشا 2005، واتفاقية أسمرا 2006، واتفاقية أبوجا 2006، واتفاقية الدوحة 2012، واتفاقية جوبا 2020، وتتخللها انتفاضات وثورات سلمية، أكتوبر 1964 وأبريل 1985، إلى أن جاءت ديسمبر 2018 والتي بدأت بحراك سلمي استطاع إزاحة عمر البشير، رئيس نظام الإنقاذ (1989-2019)، من سدة الحكم. وحينها وقعت قوى إعلان الحرية والتغيير – التي تمثل جزءاً من قوى الثورة – في أغسطس 2019 على اتفاق تسوية مع المجلس العسكري الذي تسلم السلطة حينها، والمكون من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وعبر هذه الشراكة تم تشكيل حكومة الفترة الانتقالية، التي توصلت إلى اتفاق سلام مع بعض قوى الكفاح المسلح في العام 2020. واستمرت الفترة الانتقالية حتى 25 أكتوبر 2021، تاريخ الانقلاب الذي تصدره قادة المكون العسكري الذين اختلفوا في المضي قدماً فيه، حيث تراجع قائد الدعم السريع ورفض الاستمرار في الانقلاب. وبعد المقاومة الشعبية للانقلاب، تم الشروع في خطوات لاتفاق سياسي سُمي بالاتفاق الإطاري بين بعض القوى السياسية المدنية وقائدي الجيش والدعم السريع، وهو الاتفاق الذي قطعت طريقه الحركة الإسلامية، وعبر قادة الجيش السوداني أشعلوا حرب 15 أبريل 2023 لاستعادة سلطة الحركة الإسلامية الكاملة والقضاء على قادة قوات الدعم السريع، الذين اعتبرتهم الحركة الإسلامية أكبر العقبات أمام عودتهم الكاملة إلى السلطة.
▪️تعدد الجيوش والمجموعات المسلحة:
إن تطور الصراع في السودان أنتج واقع تعدد الجيوش، سواء من داخل بنية السلطة كما في حالة قوات الدعم السريع قبل حرب 15 أبريل، أو تلك التي نتجت عن مقاومة السلطة المركزية كما في جيوش الحركات المسلحة. ويأتي تعدد الجيوش في ظل اختلالات تاريخية ملازمة للقوات المسلحة التي كانت نواتها قوات دفاع السودان التي تأسست في 1925 في عهد الاستعمار الإنجليزي. وبعد الاستقلال 1956، ظلت القوات المسلحة فاعلاً رئيسياً في الصراع على السلطة، بل تُعتبر أخطر أداة تم استخدامها لإبقاء المحافظة على الدولة المختلة الموروثة من الاستعمار، عبر دورها في الحروب الأهلية وفي قطع مسارات التطور والتحول الديمقراطي عبر الانقلابات العسكرية. وظلت المؤسسة العسكرية تعاني من خلل في بنيتها القيادية لا يعبر عن تنوع شعوب وأقاليم السودان، ودورها الوظيفي مختل فهي تحتكر العنف وتوظفه في غير موضعه الصحيح، وعقيدتها القتالية غير وطنية. ووفقاً لهذا الصراع العنيف، نشأ واقع تعدد الجيوش والمجموعات المسلحة.
▪️تعدد السلطات ونماذج الحكم:
قبل حرب 15 أبريل 2023، وفي ظل استمرار صراع الحرب الأهلية بين ثوار المناطق المهمشة، تطورت عمليات تأسيس سلطات إدارية خارج سلطة الدولة المركزية، والنموذج الأوضح هو نموذج السلطة المدنية للسودان الجديد الذي أصبح لديه نظام إداري وقانوني واقتصادي وعسكري وأمني مختلف عن النظام المركزي، خصوصاً في جبال النوبة والنيل الأزرق بعد تجدد الحرب 2011 بين الحركة الشعبية ونظام الإنقاذ، كما يوجد نظام إداري في بعض مناطق جبل مرة حيث تسيطر حركة تحرير السودان بقيادة عبدالواحد محمد نور على تلك المنطقة.
إن حرب 15 أبريل اندلعت من مركز السلطة السياسي والإداري والاقتصادي بالخرطوم، حيث انهار هذا المركز، واستمرت الحرب لتفرز سلطتين بشكلين جديدين:
الأولى (1) سلطة بورتسودان، والتي تعتبر تدبيراً لقوى المركز والسودان القديم، حيث استطاعوا بحكم خبرتهم ووجودهم البنيوي والحاسم في دولة سودان ما بعد الاستعمار تأسيس سلطتهم بكامل أعمدتها، وأرادوا استخدامها في حسم الصراع الذي تفجر في الخرطوم في 15 أبريل، فعمدوا إلى تبني خطاب تقسيمي وتمييزي وإقصائي، وصنفوا المجتمعات والجهات وأسسوا لإجراءات ممارسات قانون الوجوه الغريبة الذي يصنف المواطنين على أسس إثنية وجهوية، كما حرموا الملايين من استخراج الأوراق الثبوتية، وقاموا بتغيير جزئي للعملة لحرمان ملايين المواطنين من مدخراتهم الاقتصادية، وكذلك حرموا مئات الآلاف من الطالبات والطلاب من الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية، واستغلوا مفهوم السيادة والشرعية لحرمان الملايين في دارفور وكردفان من الإغاثة، وغيرها من سياسات الحرمان والتقسيم والتفتيت الاجتماعي.
تطورات الانهيار الكلي لمؤسسات الدولة في كل السودان بادئ الأمر، واستعادته الجزئية في بعض الأقاليم عبر سلطة بورتسودان، دفعت بعض القوى الوطنية إلى التفكير في إنشاء حكومة وسلطة لكل السودان كإحدى الآليات لمجابهة سلطة بورتسودان التي تسعى لتفتيت السودان، وبدأ هذا الأمر داخل تحالف القوى المدنية الديمقراطية الذي تأسس 2024، وانتهى الأمر بحل التحالف بنهاية العام، وخرج جزء منه وذهب وأدار حواراً مع أطراف عديدة، انتهى بها المطاف بتشكيل تحالف السودان التأسيسي الذي تشكل من الدعم السريع وحركات الكفاح المسلح وأحزاب مدنية ومهنيين ونقابيين ومجتمع مدني وفئوي وإدارة أهلية وشخصيات مستقلة، ووقعوا على ميثاق أوضحوا فيه المبادئ التأسيسية والدواعي الوطنية والإقليمية والدولية لتشكيل حكومة السلام، وأصبحت السلطة (2) هي حكومة السلام الانتقالية وشكلت هياكل دولة بمرجعيات مختلفة عن سلطة بورتسودان، حيث تشكلت وفقا لمرجعيات ميثاق السودان التأسيسي ودستور السودان الانتقالي لسنة 2025 ، وبدأت حكومة السلام في استرداد الحقوق الدستورية للمواطنين وعقدت امتحانات للشهادة السودانية وتسعى لفتح الجامعات، وبدأت بتأسيس نظام اقتصادي ومصرفي وقانوني عدلي وخدمي وأمني…إلخ، وهذا الأمر تدشين لمرحلة جديدة مختلفة كلياً عن محطات الصراع منذ العام 1955.
▪️واقع تعدد السلطات ونماذج الحكم سيفرض مقاربات جديدة للحل العادل والسلام المستدام:
فترة ما قبل حرب 15 أبريل كان يمكن أن تكون مقاربات الحل هي ما تم طرحه في الاتفاق الإطاري ومقارباته، وإن كان هو نفسه ليس حلاً شاملاً، لكنه مدخل لمعالجة معضلة تعدد الجيوش واستعادة مسار الفترة الانتقالية لحراك ديسمبر. ولكن بعد حرب 15 أبريل والدخول في واقع تعدد السلطات ونماذج الحكم ، ستكون مقاربات الحل مختلفة تماماً عما قبلها، لأن القضايا التي ستحدد اتجاه الحلول هي واقع تعدد السلطات ونماذجها، وما أفرزته من نموذجين وهيكلين وواقع مربوط بالحقوق الدستورية للمواطنين ومصالحهم المباشرة ومستقبلهم، وهو ما يحتاج إلى تحاور يربطه بالحل الجذري العادل والشامل الذي يعالج جذور المشكلات ويفتح الطريق للتحول التاريخي نحو سودان عادل آمن مستقر وسلام مستدام، أي كان مآل الصراع الذي ستنتهي به الحروب.
7 سبتمبر 2026

