قانونيون وسياسيون لـ”إدراك”: تصريحات السعودية في مجلس الأمن.. تنكر لتاريخ كتب بالدم
إدراك - تقارير

أثار وصف مندوب المملكة العربية السعودية لقوات الدعم السريع بأنها «مليشيا» خلال جلسة مجلس الأمن الأخيرة حول السودان، جدلاً واسعاً حول التحول في الخطاب السعودي تجاه قوة سبق أن شاركت ضمن القوات السودانية في التحالف العربي باليمن.
فالمسألة، في نظر مراقبين، لا تتعلق بمجرد توصيف سياسي عابر، بل تفتح الباب أمام أسئلة تتصل بطبيعة العلاقة السابقة بين المملكة وقوات الدعم السريع، وبالتحولات التي طرأت على الموقف السعودي منذ اندلاع الحرب السودانية في 15 أبريل 2023.
فكيف تحولت قوة شاركت في عمليات التحالف العربي إلى «مليشيا» في الخطاب الدبلوماسي؟ وهل يمثل ذلك تحولاً سياسياً فرضته تطورات الحرب السودانية، أم تناقضاً بين الماضي العسكري والموقف الراهن؟
إثارة تساؤلات قانونية
وفي هذا السياق، يرى الخبير القانوني الدولي د. عصام الدين حمد أن توصيف قوات الدعم السريع بـ”المليشيا” أمام مجلس الأمن يثير أسئلة قانونية مهمة تتعلق بوضع هذه القوات وتاريخ مشاركتها في العمليات العسكرية خارج السودان.
وقال حمد لـ”إدراك” إن قوات الدعم السريع اكتسبت، بحسب التشريعات السودانية التي نظمت وضعها، صفة قانونية محددة داخل المنظومة الأمنية السودانية، مشيراً إلى أن مشاركتها في اليمن جاءت في سياق اتفاقات رسمية بين الحكومة السودانية والتحالف العربي.
وأضاف أن أي تغيير في توصيف هذه القوات على المستوى الدولي ينبغي أن يقرأ في ضوء وضعها القانوني السابق وطبيعة مشاركتها ضمن التحالف، قائلاً:”إن وصف الدعم السريع بالمليشيا أمام مجلس الأمن يفتح الباب أمام تساؤلات قانونية بشأن التوصيف الجديد ومدى اتساقه مع طبيعة مشاركتها السابقة في عمليات التحالف العربي”
وبحسب حمد، فإن الخطاب السياسي والدبلوماسي الجديد قد يحمل آثاراً تتجاوز الجانب الإعلامي، خصوصاً إذا تحول إلى جزء من سردية دولية ثابتة حول طبيعة أطراف النزاع السوداني.
تناقضات السياسة
ومن زاوية أخرى، لا يرى المحلل السياسي والاستراتيجي اللواء (م) خليل سليمان أن القضية تقف عند حدود التوصيف القانوني، بل تمتد إلى ما يعتبره تناقضاً في السياسة الإقليمية السعودية تجاه القوى المرتبطة بالإسلام السياسي.
وقال سليمان إن المملكة اتخذت على مدى سنوات مواقف صارمة تجاه جماعة الإخوان المسلمين وبعض تيارات الإسلام السياسي، بينما يشير إلى أن الواقع السوداني، بحسب رؤيته، يشهد نفوذاً واسعاً للحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة والجيش.
وأضاف:السؤال هو: لماذا تحارب الرياض تيارات الإسلام السياسي في بعض الساحات، بينما ينظر إلى الواقع السوداني بمعايير مختلفة؟ هذا هو جوهر التناقض الذي يحتاج إلى تفسير سياسي واضح
ويرى سليمان في حديثه لـ”إدراك”، أن الحرب السودانية أعادت رسم التحالفات الإقليمية، وجعلت المواقف تجاه أطراف النزاع أكثر ارتباطاً بالمصالح الاستراتيجية والأمنية، وهو ما يفسر، بحسب تقديره، التحولات المتسارعة في الخطاب السياسي.
مستقبل عاصفة الحزم
لكن هذا التحول السياسي، يثير بدوره سؤالاً آخر يتعلق بالماضي العسكري المشترك بين السعودية والقوات التي شاركت في جبهات اليمن، وهو الجانب الذي يتوقف عنده الخبير العسكري العميد د. فخر الدين أبو الخيرات.
حيث يرى أبو الخيرات أن التحول في الخطاب تجاه قوات الدعم السريع يجب النظر إليه أيضاً من زاوية العلاقة العسكرية السابقة، موضحاً أن القوات التي شاركت في اليمن أدت أدواراً ميدانية ضمن قوات التحالف.
وأضاف إن التحالفات العسكرية تبنى على المصالح المشتركة، لكنها كذلك تقوم على الثقة والتاريخ المشترك. وعندما يتغير توصيف طرف كان شريكاً في الميدان، فإن ذلك يثير أسئلة حول مستقبل العلاقات والتحالفات
وأشار إلى أن أي إعادة تموضع للقوات أو تغيير في طبيعة التحالفات العسكرية يظل خاضعاً للمتغيرات السياسية والأمنية، محذراً من أن الخطاب السياسي المتصاعد قد يترك آثاره على حسابات الأمن الإقليمي.
وتكتسب هذه الأسئلة أهميتها عند العودة إلى تاريخ المشاركة السودانية في اليمن، حيث مثلت قوات سودانية، من بينها قوات الدعم السريع، جزءاً من القوات التي شاركت ضمن التحالف العربي في سياق الحرب اليمنية.
من اليمن إلى مجلس الأمن
جاءت المشاركة السودانية آنذاك ضمن ترتيبات عسكرية رسمية، وفي إطار دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، ما جعل العلاقة بين الخرطوم والرياض تتجاوز البعد السياسي إلى شراكة عسكرية مباشرة في الميدان.
وفي خضم هذه الحرب، ظهرت تقارير متعددة بشأن دعم خارجي للجيش، بما في ذلك تورط الرياض بالتمويل والتسليح واستخدام السلاح الكيميائي وهو مادعي واشنطون الي فرض عقوبات ضد الجيش في وقت سابق.
اخيراً
لا يتعلق الجدل الدائر، في جوهره، بكلمة “مليشيا” وحدها، بل بتاريخ من العلاقات والتحالفات العسكرية التي تبدلت مع تغير المشهد السوداني والإقليمي.
فكيف يمكن لقوة شاركت بالأمس في عمليات التحالف العربي وقدمت قتلى وجرحى في تلك الجبهات، أن تصبح اليوم «مليشيا» في الخطاب الرسمي داخل مجلس الأمن؟
فالدماء التي سالت في الجبهات لا ينبغي، عندما تتغير الحسابات السياسية، أن تتحول إلى مجرد “حبر سري” في أضابير مجلس الأمن.



