مقالات واراء

لماذا تتهرب النُخب من سؤال علاقة الدين بالدولة – وهل العلمانية ترف سياسي أم ضرورة تاريخية؟! (2)

أنس ادم

مدخل: “هل أنتم على قدر التحدي أم قبيلة من قبائل العاجزين؟!”

لكونه سؤال محوري في توقيت مفصلي كهذا ومشهد سياسي بالغ التعقيد يضع ما تبقى من السودان على المحك ولكونه أيضاً مدخلاً مناسباً لموضوعنا، قمتُ بإستلافه من خطاب القائد عبد العزيز آدم الحلو – رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، في إفتتاحية الجولة الثالثة لمفاوضات السلام في 15 ديسمبر 2019، Crown Hotel-Juba.

على إنشغالنا ببعض المهام الأخرى، نطل مجدداً في هذه الحلقة، لمواصلة عمليات التنقيب في حقل علاقة الدين بالدولة بطريقة تمكن من تفكيك مواقف الجلابة والنخب السودانية الإنتهازية وتسهم في تعرية أدوارها التاريخية القذرة ضد شعوبنا السودانية المهمشة.

بالطبع إن سلسلة مقالنا محل الكتابة قد إبتدرناها بالرصد والتوثيق التاريخيين للمراحل الأولى لمشروع أسلمة الدولة السودانية وشعوبها كما سلطنا الضوء على الحملات التعبوية الممنهجة والتحريضية التي نظمتها الجماعات الإسلامية – في الإعلام والصحافة، ومن خلال الكتابات الراتبة للترويج وصناعة المواقف، لكسب التأييد والقبول بالفكرة توطئة لإصدار دستور إسلامي إقصائي عنصري وهذا ما حدث لاحقاً.

ففي سياق بحثها التاريخي عن رافعة تمكنها من الدخول إلى حلبة الصراع السياسي، سيما أنها عاجزة عن إبتكار أدوات شغل سياسية غير تقليدية ونتيجة لفشلها الزريع في طرح رؤيه سياسية متماسكة، مؤهلة لمخاطبة حقائق الواقع – فقد ظلت النخب ومجموعة الجلابة المستعربة على الدوام تقوم بتسييس الدين الإسلامي وإستغلاله سلبياً في الفضاءات السياسية التي يُفترض تحييدها وأن تنأى عن المجالات الخاصة. وتتجلى إستهبالية الجلابة وتلك النخب فى موجات التحريض على، والإصرار على تطبيق الشريعة الإسلامية – بل فرضها بالعنف والغلبة “الترسانة العسكرية المؤدلجة والعنصرية” على الشعوب السودانية المتنوعة والتعددة دينياً وعرقياً- وهذا ما جرى بالفعل في عهد نظام جعفر نميري إذا إستشهدنا به كنموذج تداعياته ما زالت ماثلة وشاهدة للعيان. فقد تم فرض ما سُمى آنذاك بـ”قوانين الشريعة- سبتمر 1983″ وهي في الحقيقة، قوانين نميري والاخوان المسلمين والنخب المتواطئة. وبالتأكيد معلومة وموثقة نتائجها المريرة ومآلاتها على الدولة والشعوب المقهورة، ولكن يبقى الدكتور/ منصور خالد محمد عبد الماجد من المفكرين والساسة الذين وثقوا بالقلم لسنوات الرجعية والإنحطاط تلك، حيث قدم تشريحاً دقيقاً للإصطفافات الايديولوجية والعرقية التى جمعت نميري والاخوان المسلمون والتيارات النخبوية، وذلك فى كتابه (لا خير فينا إن لم نقلها) – كان عبارة عن حوارات مع الاخوان المسلمين ومقالات ناقدة لممارسات نميري والإتحاد الإشتراكي-تم نشرها فى جريدة الصحافة فى العام 1982 .. كما لا ننسى سِفره الماتع – الفجر الكاذب “نميري وتحريف الشريعة” الذى كشف تضليل الاخوان المسلمين للسوادانيين كما عرى زيف النخب الإنتهازية.

لم تقتصر قوانين نميري على ملاحقة وإستهداف الشعوب السودانية، بل طالت حتى المفكرين، فكان الأستاذ/ محمود محمد طه، أحد الضحايا في صبيحة 18 يناير 1985 ذلك اليوم الذي شهد إعدامه بتهمة الردة بناءً على آراءه التي وردت في كتابه “الرسالة الثانية من الإسلام”. ووصفت الجماعات الإسلامية والفقهاء الضلاليين أفكاره بالخروج عن الملة. وبالمقابل لاذت النخب بالصمت المطبق في تواطؤ أيديولوجي ومصلحي صريح منها مع الفجر الكاذب وشريعة نميري، فيما برزت أصوت قليلة خجولة تعارض هذا التوجه لا لشئ – فقط لحفظ ماء الوجة.

وعند تتبع إنتكاسات النخب لا يمكننا أن نجزم بأنها قد تهربت من مواجهة قضية علاقة الدين بالدولة كأعمق أسباب الصراع فى السودان – لكنها من المؤكد وفي الأساس رأس الرمح للتيارات الإسلامية المتطرفة التي دعت إلى فرض الشريعة وكرست جهودها مع سبق الإصرار والترصد لأسلمة الدولة السودانية ومؤسساتها وشعوبها بديل تمسكها هي أي النخب والجلابة، بما يُسمى بالثوابت الوطنية – أي العروبة والإسلام، كحصان طروادة Trojan horse لتهريب الأجندة العرقية والدينية والثقافية التي تمكنها من الآتى:

1. تبرير الفوارق بينها وبين الشعوب السودانية المهمشة والمسحوقة.

2. الإبقاء على بنية الدولة القديمة- دولة ما بعد الكولونيالية، والمحافظة على الإمتيازات التاريخية الموروثة والمسلوبة.

3. تكريس الهيمنة الثقافية والعرقية والدينية.

4. السيطرة على، وإحتكار السلطة والثروة والموارد المنهوبة كـ”غنائم”.

5. تكريس المنافع الإجتماعية الرمزية – مثل السيادة، والتفوق، والوجاهة.

وهنا تنكشف تماماً أسباب ودواعي كنكشة النخب بإستراتيجية تسييس الدين ورفضها لمبدأ علمانية الدولة على مدى أكثر من سبع عقود – فهذا التسييس للدين ألقى بظلال سالبة على السياسة وأجهض محاولات صياغة مشروع وطني جديد لتأسيس الدولة السودانية. لنأخذ (الحاكمية – أو الدولة الدينية) كمثال:

إن مفهوم (الحاكمية) لا يمنح حق التشريع إلى (الإله) فحسب وإنما يجرد الشعوب من الإنسانية وتمنعها من التفكير والإبداع والإبتكار وبذلك يسلب حقوقها الطبيعية والمشروعة في وضع المناهج وتشريع القوانين التي تنظم شؤونها الدنيوية وليست الآخروية أي بعيداً عن السلطة الميتافيزيقية- الماورائية خاصة في عصر اليوم الذي سيطرت فيه ثورة المعلومات على الكون، والطفرة في مجال الذكاء الإصطناعي الذي إنتقل بالإنسان إلى مستويات غير مسبوقة دعك عن الرقائق الإلكترونية والتطبيقات الرقمية..الخ. فإلى جانب ان الحاكمية أعاقت مشروع تأسيس دولة حديثة، علمانية بطبيعتها وتقف على مسافة واحدة من جميع الأديان، فإنها لن ولم تصلح لتكون أساساً للحكم وإدارة الدولة في الوقت الذي تضع فيه سياجات وخطوط حمراء للتفكير، وتهدر فرص بناء مؤسسات ديمقراطية حاضنة لتباينات المجتمعات ومستوعبة لتناقضات الشعوب.

فالأدهى والأمر أن النخب البرغماتية وبالرغم من وصفها لنفسها بالتقدمية إلا انها ما زالت متخفيه وراء أو متشبثه بدولة التفويض الإلهي- الدولة الدينية التي ترتكز على مبدأ “الزارعنا غير الله يجي يقلعنا” كما صرح البشير أمام الشاشات والفضائيات والوكالات الإعلامية الدولية فهذا التصريح ليس عبساً فهو وبحسب مرجعيته والحركة الإسلامية في الحكم – انه مندوب أو مبعوث “الله” في السودان.

خلاصة القول- إن مؤسسة الجلابة والنخب المتواطئه مع الإسلام السياسي لعبت أدوار أقل ما يمكن أن يُصف بها بـ”القذرة” وغاية في الخطورة وذلك بتسييسها للدين وتديينها للسياسة مما أفرز نتائج كارثية – من إشعال الحروب الطاحنة وتفكيك المجتمعات والشعوب والتمييز فيما بينها على أساس الدين والمذهب إلى تقسيم القبائل، وحتى العشائر والأُسر الصغيرة لم تنجو من موجات التشرزم والإنقسامات الأمبيبية. ومن ناحية أخرى تصاعدت وتيرة الخُطب الجهادية وإستشرت الفتاوي التكفيرية حتى داخل الدين الواحد (مسلمين VSمسلمين). كما أدى نهج الذج بالدين في السياسية إلى شرعنة العنف عبر النصوص الدينية وإستخدامه في حسم الصراعات والتباينات الفكرية والمذهبية بدلاً من تبنى الحوار والآليات السلمية كمبدأ. ولم تقف مهددات التسييس عند حد تشكيل منظومة متكاملة للإرهاب بل طالت الدين نفسه فأدى إلى تشويهه وفي المقابل خرب السياسة وأفسد الفضاء العام وإنتهى إلى تفريخ جماعات ومليشيات إرهابية متطرفة غارقة في محيط الصراعات الدامية – فهنالك شواهد تاريخية لا تحصى ولا تعد تثبت ذلك: (مذبحة الجرافة فى ديسمبر 2002، حادثة إغتيال غرانفيل 2008، وحادثة مسجد بحي مكرام – كسلا 2018، ومذابح مليشيات البراء في الخرطوم والجزيرة وقطع الرؤس والإشهار بها، ومحاولة ذبح طفل ماسح الأحذية أمام مسجد عبد المنعم بالخرطوم2 …الخ).

وتبقى العبرة والحكمة فى أن السؤال ظل حاضراً حتى الآن ولم يبارح مكانه – “هل أنتم على قدر التحدي لإتخاذ قرارات حاسمة وشجاعة للتصدي لقضية علاقة الدين بالدولة بما يمكن من وضع نهاية منطقة للحروب أم ما زلتم قبيلة من قبائل العاجزين؟!

ونواصل،،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى