
إن الذي يُفترض له أن يتشكل الآن قد طال انتظاره لسنوات عدة من عمر المقاومة السودانية.
فقد ظلت الخارطة الجيوسياسية للمقاومة المنظمة تفتقد روح الاتصال الاجتماعي فيما يعنيها كمحيط، كما عملت السلطة المركزية باستمرار على وضع المجتمعات المتجاورة في حالة من الحرب وعدم الاستقرار.
كانت هناك أسس مشتركة ملموسة للتعايش، تمثلت في تنظيم الحركة الاجتماعية للسكان وخضوعهم لقوانين وأعراف ونظم محلية سبقت مفهوم الدولة الحديثة، وقد اشتهرت بالرضا والقبول واستدامة الأمن، ويُعد ما عُرف في دارفور ب”قانون دالي” واحدًا من أقدم الأطر العرفية التي سعت إلى تنظيم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والقضائية في السلطنة. ويُنسب تقليديًا إلى السلطان دالي (دليل بحر)، أحد سلاطين الفور، وإن كانت بعض الدراسات ترى أنه كان أقرب إلى تجميع وتدوين للأعراف المحلية المتوارثة وتنظيمها في إطار قانوني موحد. وقد شمل هذا الإطار قضايا متعددة، من بينها تنظيم الأرض وحقوق الانتفاع بها، والزراعة والرعي واستخدام المياه، وتسوية النزاعات والديات وبعض الجرائم والمعاملات الاجتماعية. كما أُنيط تنفيذ أحكامه بالسلطان والمقاديم والحكام المحليين، مع بقاء مساحة للأعراف الخاصة بالمجتمعات والجماعات المختلفة داخل الإطار العام للسلطنة. ولذلك يمثل قانون دالي مثالًا مهمًا على وجود مؤسسات عرفية لتنظيم التعايش وإدارة المصالح المشتركة بين المجتمعات، بما فيها المجتمعات الزراعية والرعوية، قبل نشوء الدولة السودانية الحديثة.*
لذلك، فإن تاريخ الصراع الاجتماعي الحديث في كردفان ودارفور لم تُشكّله عوامل النزاع التقليدي بين الراعي والمزارع، وإنما شكلته عوامل سياسية وأمنية ارتبطت بظهور دولة ما بعد الاستعمار في السودان، كما استشرى بصورة مريعة في عقود حكم الإسلاميين.
لقد أسهم استخدام نظام حرب الوكالة في السودان في تأجيج الصراعات العرقية بين المجتمعات، والذي ابتدرت به دولة ما بعد الاستعمار مسيرتها الأمنية. ففي بداية الستينيات، قنّنت الدولة نظام حرب الوكالة عندما أنشأت ما يُسمى بقوات الحرس الوطني في جنوب السودان، والتي كانت تتكون في طبيعتها من المجتمعات المحلية المحيطة لمحاربة مقاومة حركة الأنانيا.*
إن تصور ثنائية حروب الوكالة بمفهوم “زرقة وعرب” في السودان هو تصور قاصر لفهم طبيعة تفكير المؤسسة الأمنية في السودان القديم. فحروب الوكالة عندها ليست بالضرورة أن تكون مرتبطة بثنائية عرب ضد زرقة، بقدر ما هي مرتبطة بما تقتضيه الحاجة في إطار استخدامهم كأدوات لإطالة عمر الصراع.
للأسف، استطاع هذا المفهوم أن يسيطر على العديد من السودانيين، بما فيهم حركات التحرر الوطني نفسها. فلقد سيطر هذا الظن على الكثير من عناصرها الذين لم يتمكنوا من استيعاب طبيعة تفكير المؤسسة العسكرية التي تشكلت عليها.
فمثلما استخدمت هذه المؤسسة عناصر من القبائل العربية لمحاربة ما يسمونه “التمرد”، ظلت تستخدم عناصر أخرى من مجتمعات هذا التمرد لمحاربة التمرد ذاته! ليس ذلك فقط، وإنما ابتدرت بها سياسات حرب الوكالة في أوائل ستينيات القرن الماضي، إبان حرب الأنانيا، في الوقت الذي لم تغب فيه عناصر أبناء القبائل العربية عن حراك التحرر الوطني منذ السنوات الأولى من عمر الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان، أمثال الشهيد الكوماندر رحمة رحومة وهاشم بامكار، والقائمة تطول.
لا شك في أن عملية الانتقال التي تحدث الآن هي عملية مؤلمة للغاية، وخصوصًا بالنسبة للذين كانوا يضعون تلك الثنائية في عمق أخيلتهم، والتي دفعت تفكيرهم إلى عدم النظر إلى عدوهم الحقيقي، واختلاق عدو متخيل في أدمغتهم صنعته سردية الدولة القديمة.
نحن ننظر اليوم إلى بنية الصراع الاجتماعي ليس باعتبارها بنية سياسية، كما تعودت مؤسسات الدولة أن ترسخ لذلك، وإنما كتطور مدفوع بأغراض سياسية واقتصادية واجتماعية مركبة، لتحويل الصراع التقليدي الذي يتمحور حول استخدام الأرض والمسارات الرعوية إلى صراع هوية وثقافة، في الوقت الذي لا توجد فيه مصلحة للمجتمعات المتساكنة في أن تظل في حالة من انعدام الأمان.
فقد حددت الدولة وظيفتها المتمحورة حول خلق الصراعات الاجتماعية وتغذيتها للاستفادة منها في إدارة أزمة أكبر، متعلقة بالحد من توسع الخارطة الإثنوغرافية لمقاومة الدولة المركزية.
واتضح كذلك أن الذي لديه المصلحة الحقيقية من وراء عدم استقرار المجتمعات هو منطق الدولة المركزية، القائم على سياسات نهب الموارد وقمع الاحتجاجات وخلق التناقضات الاجتماعية وتغذية روح التفرقة من أجل البقاء في السلطة.
لقد قادتنا الصيرورة التاريخية للحظة الأكثر حسمًا من عمر المقاومة السودانية، وهي اللحظة التي أصبحت فيها الخيارات صفرية للغاية؛ لأن التداخل العضوي بين حراك التحرر التاريخي وحركة البنى الاجتماعية التي على ضوئها رُسمت الملامح الأساسية التي حكمت السودان المعاصر، سيضع سيناريو حتمية وحدة المقاومة والكفاح الوطني في مقدمة سلم الأولويات، لتحقيق مشروع الدولة الوطنية.
لقد حاولت الدولة المركزية أن تلعب على إيهام الناس بأن هناك درجات متفاوتة من التهميش، في إطار سعيها المضاد لمواجهة حركات التحرر الوطني.
فقد أوحت للمجتمعات العربية بأنها أقل تهميشًا من نظيراتها السودانية الأخرى، بغرض تغبيش وعيها وتعطيلها عن ركوب قطار التحرير، في الوقت الذي استطاعت أن تزرع فيه بنية خوف وتوجس خفي تسلل إلى قوى التحرر، ووضع حاجزًا زجاجيًا أثر على عوامل الثقة بينها وبين مناضلي وثوار المجتمعات العربية.
إن ظهور الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان في مايو 1983، في مشهد سيرورة الكفاح الوطني، قد كان تعبيرًا منطقيًا عن غياب مشروع الدولة الوطنية من بعد الاستعمار. فمشروع السودان الجديد الذي أتى به الراحل الدكتور جون قرنق يُعتبر، نظريًا، المشروع الوطني الأوحد الذي أجاب على جميع الأسئلة الجوهرية التي كانت وما زالت تشكل الجذور التاريخية للأزمة السودانية. كما استطاع، نظريًا أيضًا، توحيد خارطة الكفاح الوطني بعد الشتات الفكري الذي عاشته منذ العام 1955.
ففي نهاية السبعينيات، حاول عدد من السودانيين الذين لا ينتمون إلى الجنوب الإثنوغرافي الالتحاق بحركة الأنانيا 2، بعد مشاركتهم في عملية عسكرية نظمها تحالف سياسي يضم أحزاب الأمة والاتحادي والإسلاميين سنة 1976، باسم الجبهة الوطنية، التي أسماها نظام نميري “المرتزقة”. إلا أن جلباب الأنانيا لم يكن مستعدًا ليتسع للسودانيين الآخرين آنذاك.
نحن عندما نتحدث هنا نلقي تركيزنا على الحركة الاجتماعية الحديثة في كردفان ودارفور ومآلاتها، ونطرح سؤالًا مركزيًا حول ما الذي جمع القائدين مبارك الماشا من جبال النوبة ورحمة رحومة من ديار المسيرية حول مشروع الأنانيا 2، في الوقت الذي ترفض فيه مجتمعاتهم الاجتماع والتوحد حول قضية مصيرية؟
كما ينطبق السؤال نفسه على مجتمعات دارفور. إذا أخذنا مثلًا من تاريخ المقاومة الحديثة التي ابتدَرها الشهيد داؤود يحيى بولاد والقائد عبد العزيز آدم الحلو في العام 1990، والتي استخدمت فيها الجبهة الإسلامية تكتيكات الدولة القديمة في حرب الوكالة وتعبئة المجتمعات.
وحتى بعد مرحلة ظهور حركة جيش تحرير السودان ميدانيًا في العام 2003، لم تفلح في التأسيس لحركة اجتماعية تتسع مواعينها لتشمل مجتمع دارفور كافة، حيث كانت هذه إحدى الثغرات الهيكلية التي استغلتها الجبهة الإسلامية لتحوّل أسلوب حرب الوكالة إلى حرب عرقية.
نحن الآن بصدد دراسة العوامل التي ظلت باستمرار تعيق اجتماع البنى الاجتماعية المشكلة للمقاومة في السودان المعاصر، والوقوف على حركة الوعي التحرري التي انتظمت الهامش السياسي والجغرافي.
في السلسلة القادمة سنحاول الإجابة على هذه الأسئلة المطروحة من خلال تتبعنا لدينامية الحركة الاجتماعية التي يُفترض بها أن ترسم خارطة الكفاح الوطني لأجل مشروع الدولة الوطنية، وكيف عملت السلطة المركزية على تغييب الصورة الحقيقية للصراع، ووضعت في مكانها صورةً وهمية توحي باجتماعية الحرب، استطاعت من خلالها تغبيش وعي الملايين.
هوامش
1. A. M. O’Fahey
2. Øystein H. Rolandsen & Nicki Kindersley, “The Nasty War: Organised Violence during the Anyanya Insurgency in South Sudan, 1963–72,” Journal of African History, Vol. 60, No.


