مقالات واراء

فقه المليص إلى فقه التملّص الاخوان في متاهتهم

بقلم / عمار نجم الدين

مرّت على تنظيم الإخوان في السودان ومضةُ ذهولٍ لم تلبث أن أعقبتها دهورٌ من الذبول والانحسار. فقد استبدّت بهم دواهي الزمان في لحظة غفلة، فلم يبقَ من خرائد فكرهم إلا أصداءٌ تائهة في فيافي النسيان.
كان القوم في زمن التمكين جُهّارَ الرِّواء، تعلو حناجرهم بيقينٍ لا يعرف التردد
“أمريكا روسيا قد دنا عذابها”.
وكانت المنابر تهتز بشعارٍ لا يخلو من بطولة لفظية
“إذا كان الدفاع عن الدين إرهاباً فنحن إرهابيون”.
لكن التاريخ، وهو معلّمٌ قاسٍ، لا يختبر الشعارات في المنابر بل في لحظة الحقيقة.
وحين اقتربت تلك اللحظة حدث التحول الأكثر دلالة
تحول الخطاب من الهتاف ضد أمريكا إلى دراسة قوانينها.
كانوا يبشرون بزوال أمريكا، ثم انتهى بهم الأمر يفتشون في قوانينها عن مخارج النجاة.
فجأة اكتشف القوم قانون الهجرة والجنسية الأمريكي، وأصبح الذين كانوا يلعنون الإمبريالية خبراء في تفسير مواده.
إنه انتقال لافت
من فقه المواجهة إلى فقه التملّص.

وقديماً قال أبو العلاء المعري

يسيرون خلف المقتدى بيقينهم
وإن جاز فينا بالمحال وأبعدا

وهكذا كان مريدو الطريقة يسيرون خلف مرشدهم بالأمس القريب يرفعونه مقام الهداية. لكن المفارقة أن القوم لم يتملصوا من المرشد بعد موته بل تملصوا منه في حياته.
إنها خصلة قوم يسبق تبريرهم الواقعة دائماً. فإذا اشتد الخطب تهالكت عزائمهم أمام المعارك الكبرى، واشتد بأسهم فقط على المدنيين وذوي الأقلام.
في السودان ظهرت شجاعة جديدة
شجاعة تعمل فقط في غياب الخطر.
وفي ذروة هذا التناقض البنيوي تبدو المفارقة أكثر سخرية. فبينما يتوعد الإخوان المسلمون المدنيين أو كما يحلو لهم تسميتهم القحاطة بلغة تقطر دماً ووعيداً، نجدهم في المقابل يجالسون خصومهم على موائد التفاوض المستترة.
فهنا سيوف من الكلمات
وهناك مصافحات من وراء الستار.
كانت اللقاءات الهادئة تنعقد في ديار الكافرين كما كانوا يسمونها يوماً
مرة في جنيف
وأخرى في فنادق مانهاتن
وثالثة في أروقة لوزان السويسرية.
وهكذا يتبين أن الخطاب الثوري عندهم يصلح للاستعمال الداخلي فقط، أما السياسة الحقيقية فتدار في صالونات الفنادق.
ثم جاءت لحظة أخرى كاشفة حين ضُربت إيران، الحليف الذي ظل يمد المؤسسة العسكرية بالسلاح لعقود، فتبدل الخطاب فجأة.
ظهر فقه جديد في السياسة السودانية
فقه “لا مساس”.
وابتعد القوم عن إيران بسرعة لافتة هرولة الصحيح من الأجرب.
سيفهم القوم مع معاوية إن اقتضت المصلحة وتطمئن قلوبهم إلى فقه التقية كلما ضاقت السبل، غير أن التقية في لحظات الانهيار لا تجدي نفعاً. فالأبراج التي شُيّدت من الشعارات لا تصمد أمام ريح أمريكا ولا أمام صواريخ إسرائيل.
فأين ذهب شعار
“الذارعنا غير الله يجي يقلعنا”؟
لقد ذابت تلك الشعارات كما تذوب جبال الثلج تحت شمس الحقيقة وخرج الكرتي ببينات متضاربة مره مؤيد لايران و بمجرد ان لاح ترامب بالعصا اخرج بيان ينفي دعمه .
فالبلاد التي أنجبت جون قرنق برؤيته الوحدوية وسموه الأخلاقي أنجبت أيضاً عبد الفتاح البرهان، ذلك النموذج الإخواني للعسكري و كرتي الذان تحررا من القيود الأخلاقية والوطنية جميعها إلا قيد السلطة، فظا له أسرى يبدّان المبادئ كما يبدّلان الجندي بزته في نهاية المناوبة.
في زمن الشعارات كانوا مجاهدين
وفي زمن الحساب أصبحوا خبراء قانون.

وهكذا لم يتبقَّ من أسطورة الإخوان في السودان إلا شيء واحد

فقه التملّص و المليص كما نعلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى