الجميل الفاضل يكتب من نيالا: يوميات “البحير” (4): هنا، يعاد تعريف الاشياء؟!

بالطبع هنا هامش يتقدَّم، أو مركز يتراجع،
إذ أن خارطة اخري ملامحها لا زالت قيد التشكل، لا الشرقُ فيها شرقٌ تماماً، ولا الغربُ غربٌ تماماً.
هي لحظة صرنا في غضونها بحاجة لاعادة تعريف أبسط الأشياء، حتي ما كان منها بديهيا جدا، فقد لا نجد اليوم بدا من أن نسأل انفسنا، عمن هو الحاكم الآن؟ وأين هي عاصمتنا؟ ومن يمتلك شرعية الحكم فينا؟ هل هذا هو طريق التفكك الزاحف، الذي يلد دولا بلا خرائط وبلا وثائق أو عملات.
ففي هذا الخضم تنهض البحير، لا كمدينة فقط، بل كإرادة تمشي على الرماد كما يمشي طائر خرافي، تفتح جناحيها علي جراحها، لتقول: هنا يوُلد شيء مختلف.
في هذه المدينة لا أحد ينتظر ضوءا يأتي من بعيد؛ سوي ضوء يخرج من بين صخور جبيلها، ومن جلبة أسواقها، ومن طبول رمزها السحيني، ومن همس شارعها الجهير، وغضب فتيانها الاشاوس.
هي مدينة ظلت دومًا على حواف الخريطة، تصبح اليوم رمانة المعادلة.
تُعلن عن مشروعها بجرأة من تربى طويلاً في الظل، فحفظ تفاصيل الضوء.
تنحت المعانى الكبيرة بأصابعها الناحلة، تصوغ عاصمتها من مفردات العدالة والمساواة الموثقة علي دستور انتقالي جديد، المستقبل فيها يخرج من رماد الحرب.
في مقابل بورتسودان المدينة الأخري، التي تقدم الماضي متنكرا في هيئة سلطة.
المهم هو ليس صراع مدن، بل صراع رؤى.
احداها تبني مركزًا جديدًا من عمق الهامش،
وأخرى تحاول إعادة ترميم مركز انهار ولم يَعُد صالحا للبقاء.
فإن كان للبلاد حرية أن تختار، فإنها ستختار لا محالة هذه الجراح الصادقة على قشور زينة كاذبة.
ولعلها تنحاز لمن يحلم، لا لمن يورّث الكوابيس.


