مقالات واراء

الرياح تعاكس السفن المصرية: نهاية وهم الشرعية الانقلابية في السودان

بقلم: عمار سعيد

“أتت الرياح بما لا تشتهي السفن”؛ عبارة تُلخّص خيبة الأمل المصرية بعد صدور نتائج اجتماع مجلس السلم والأمن الإفريقي، الذي خرج بقرارات كانت صادمة لحكومة بورتسودان وللدبلوماسية المصرية التي بذلت كل ما في وسعها لإعادة تأهيل النظام الانقلابي السوداني على المسرح الإفريقي.

فمصر، التي تتولى حالياً رئاسة مجلس السلم والأمن الإفريقي، لم تدخر وسعاً في محاولاتها الحثيثة لاستغلال موقعها المحوري في الاتحاد الإفريقي لرفع تعليق عضوية السودان، متجاهلةً عن عمد أن السبب الجوهري لتعليق العضوية لا يزال قائماً: غياب الحكومة المدنية، واستمرار الحرب، وانعدام أي عملية سياسية حقيقية يقبل بها الشعب السوداني.

القاهرة وسياسة دعم الانقلابات المغلفة بالدبلوماسية

سعت القاهرة منذ شهور لترويج ما أسمته بـ”خارطة طريق” للحل السوداني، والتي لم تكن في جوهرها سوى محاولة لإعادة إنتاج النظام الانقلابي بثوب جديد. قدمت الإدارة المصرية للبرهان وحكومته وصفات دبلوماسية مصاغة بعناية، تتضمن تشكيل حكومة “تكنوقراط” لا تملك من الاستقلالية شيئاً، إلى جانب الدعوة لعملية سياسية تحت إشراف أجهزة سيادية تابعة للانقلابيين، وكل ذلك بهدف إقناع الاتحاد الإفريقي بأن ثمة تقدمًا شكليًا يبرر إعادة السودان إلى المنظومة الإفريقية.

غير أن المجلس لم تنطلِ عليه تلك المسرحية. فقد أكد في اجتماعه الأخير أن شروط العودة لم تُستوفَ بعد، وأن مجرد تبني مسميات جديدة لحكومة انقلابية لا يُعد بديلاً عن الحل السياسي الشامل، ولا يُمكنه أن يزيف إرادة الشعوب أو يتجاوز مطالب الثوار الذين دفعوا دماءهم ثمناً للتحول المدني الديمقراطي.

بين مصالح الدولة وأوهام السيطرة

خلف هذا الإصرار المصري، تقف مصالح استراتيجية واضحة، أبرزها التخوف من تمدد النفوذ الإقليمي لقوى أخرى في السودان، خاصة مع انخراط أطراف دولية وإفريقية متعددة في دعم مبادرات سلمية لا تشمل العسكر، ولا تعترف بشرعية سلطة بورتسودان. لكن الأخطر هو أن مصر – في سعيها للحفاظ على نفوذها التقليدي – تبنت موقفًا منحازًا لطرف انقلابي، في وقت يتبلور فيه وعي سياسي جديد في السودان، عنوانه “لا شرعية إلا للشعب”.

لا شرعية للانقلاب… والشرعية للشعب

ما لم تفهمه الإدارة المصرية – أو ترفض الاعتراف به – أن معادلة الحكم في السودان قد تغيرت. لم تعد بيانات الجيوش، ولا المجاملات الإقليمية، قادرة على فرض أمر واقع. الشرعية اليوم تُمتحن في الشوارع، وقد قال السودانيون كلمتهم في ملحمة الخروج الجماهيري غير المسبوق في مدن دارفور الكبرى، دعماً لحكومة “تأسيس” المدنية، التي نشأت من رحم المعاناة والحرب، وحملت تطلعات المهمشين والضحايا واللاجئين على عاتقها، وشكلت الأمل الوحيد في بناء سودان جديد، عادل، وموحد.

كلمة أخيرة

فشل المسعى المصري في تمرير شرعية انقلاب البرهان داخل أروقة الاتحاد الإفريقي ليس مجرد هزيمة دبلوماسية، بل صفعة للحسابات الضيقة التي تتجاهل الحقائق على الأرض. ومهما طال أمد الدعم الإقليمي للانقلاب، فإن الحقيقة ستظل ساطعة: لا مستقبل لحكم العسكر، ولا شرعية إلا تلك التي يمنحها الشعب بإرادته، كما عبر عنها ملايين السودانيين الذين قالوا كلمتهم في دارفور وكردفان.

لقد انتهى زمن شرعنة الانقلابات… وبدأ عهد تأسيس الدولة السودانية الحرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى