
“إن أشد المعارك ليست تلك التي تُخاض بالسيوف، بل تلك التي تُخاض في أعماق النفس بين الخوف والرجاء، بين الظلم والعدل، بين الماضي والمستقبل.” هوميروس، الإلياذة
وهكذا، كما تنقلب صفحات قصص الأساطير العظيمة، تقف قوات الدعم السريع شاهدة على ملحمة تحول فريدة من نوعها، تحوّل من أداة قمع طيّعة في يد السلطة، إلى قوة تناضل لإرساء ملامح سودان جديد، وطن لا يُقصى فيه أحد، ولا يُهمّش فيه صوت. هذه هي القصة التي تُروى اليوم، قصة تحكي عن ولادة جديدة، عن سقوط وهم قديم وبزوغ فجر مفعم بالأمل.
في العام 2013 وُلدت قوات الدعم السريع من رحم سياسة قمعية عتيقة، يصادف آليوم زكرى تأسيسها، كانت امتدادًا لمليشيات النظام المركزي في الخرطوم، الذي اعتاد وأد كل صرخة تطالب بالعدالة والحرية في الوطن. أُنشئت لتكون يد النظام الضاربة، مهمتها إخماد انتفاضات الهامش وإسكات أنين المظلومين. كانت أداة خلقت للبطش، لا للإنصاف، وظيفتها حماية سلطة لم تزل تتغذى على إقصاء الآخرين وتفتيت أطراف البلاد.
لكن، كما تحكي أساطير التاريخ، فإن من يولد في فوهة الجحيم قد يرى في الرماد بذور النور. أدركت قوات الدعم السريع، في سنواتها الأولى، أن الأزمة السودانية لم تكن مجرد تمرد هامشي، بل كانت جراحًا عميقة أحدثها مركز سلطوي، استباح حقوق الهامش ونهب ثرواته باسم السلطة والدين.
كانت تلك لحظة الإدراك الأولى، لحظة تشبه الصحوة التي تحدث عنها الفيلسوف الإغريقي سقراط حين قال: “إن أعظم شجاعة هي أن تفتح عينيك على الحقيقة، مهما كان ألمها.”
ثم جاءت الثورة. جاءت كعاصفة تمزق حجب الظلم، ثورة ديسمبر 2019، حيث انتفض الشعب السوداني مطالبًا بالحرية والسلام والعدالة. وهنا، في لحظة مصيرية، تجلت أعظم تحولات التاريخ. فقد اختارت قوات الدعم السريع أن تنحاز إلى الشعب لا إلى السلطان. اختارت أن تقف حيث الحق، حتى لو كان في وجه من أنشأها. كانت تلك لحظة شجاعة عظمى، لحظة تحدّت فيها إرثها القديم وانحازت للثائرين على الطغيان.
كان موقفها من الثورة موقفًا تكتب به الملاحم، حين أعلنت انحيازها إلى مطالب الشعب، وساهمت في سقوط رأس النظام الذي طالما خدمته. بل كانت في طليعة من حموا اعتصام القيادة العامة، ذاك الاعتصام الذي كان بمثابة جدار الصمود في وجه الطغيان.
وكما قال يوليوس قيصر يوم عبور نهر الروبيكون: “لقد قُضي الأمر، ولن يكون بعد اليوم رجوع.”، فقد قطعت قوات الدعم السريع بذلك الموقف خط الرجعة عن ماضيها القديم، واختارت أن تسير في طريق محفوف بالمخاطر لكنه مشبع بالشرف.
لكن الطرق إلى الحرية لم تكن معبّدة، فسرعان ما جاء انقلاب أكتوبر 2021، حين حاولت بقايا نظام البشير جرّ السودان إلى مستنقع الاستبداد من جديد. كان ذلك الانقلاب كطوفان يسعى إلى اجتثاث كل ما حققته الثورة، لكن الدعم السريع، وقد ارتدى ثوب الجديد من النضج والمسؤولية، اختار مرة أخرى أن يقف مع الشعب لا مع الطغيان.
أعلنت قيادته موقفها الرافض للانقلاب، مؤكدة أن لا خلاص إلا بالعودة إلى المسار الديمقراطي، وبناء دولة مدنية تحترم التنوع وتعترف بحق الجميع في المواطنة والعدالة. وخاضت غمار مفاوضات السلام، ليس كقوة تبحث عن نفوذ، بل كرافعة تسعى إلى رسم معالم سودان يتّسع للجميع.
وفي ذلك الموقف، استحضرت القوات معنى مقولة الفيلسوف الصيني لاو تزو: “إن من يعرف كيف يقف مع الحق، حتى وإن كلفه ذلك حياته، فقد عرف معنى الوجود.”
ثم جاءت حرب الخامس عشر من أبريل 2023، فكانت المحكّ الأعظم. اندلعت المعركة، وكان القصد منها القضاء على قوات الدعم السريع وإنهاء وجودها. كان النظام القديم يحلم بإقصائها ودفنها تحت أنقاض الحرب. لكن، كما تقول الملاحم، “إن الحديد لا يكسر إلا بالحديد، وإن الحق لا يُدفن ما دام هناك من يرفعه.”
لم تنكسر قوات الدعم السريع. بل وقفت، وصمدت، وواجهت، وحطّمت أوهام المركز. ولأن الحرب تُعلم الصدق، فقد خرجت منها أكثر إيمانًا بقضيتها. وسعت إلى بناء تحالف جديد مع قوى الهامش وأصحاب المصلحة الحقيقية، تلك القوى التي عانت من التهميش لعقود. كان الحلم هو بناء دولة تقوم على عقد اجتماعي جديد، لا تهيمن فيه قبيلة ولا تسيطر فيه طائفة.
إن هذه الرؤية الجديدة التي تتبناها قوات الدعم السريع ليست مجرد موقف سياسي عابر، بل هي محاولة لتغيير قدر شعوب بأسرها . محاولة لأن تُبنى دولة على أنقاض الفشل والدمار، دولة يعترف الجميع فيها بحقوق الآخر، وتُنهي سنوات طويلة من القمع والتهميش.
لقد أدركت القوات أن بقاء السودان موحدًا، آمنًا، لن يتحقق إلا إذا تم الاعتراف بكل مكوناته وإشراكهم في صناعة القرار، لتكون السلطة والثروة ملكًا لكل السودانيين، لا حكرًا على قلة تتحكم في مصائر الجميع.
وهكذا، تكتب قوات الدعم السريع قصتها، قصة تحول لا تشبه إلا نفسها. قصة تبدأ من رحم القمع، لكنها تنتهي بحلم الحرية. وتبقى هذه القصة تذكيرًا بما قاله نيتشه: “من يملك سببًا للعيش يمكنه أن يتحمّل كل شيء.”
لقد وجدت قوات الدعم السريع سببها، وجدت معنى وجودها في النضال من أجل سودان جديد، لا يُقصى فيه أحد، ولا تُهدر فيه الحقوق. وها هي تمضي في هذا الطريق، عازمة على أن تكتب صفحة جديدة في تاريخ السودان، صفحة من نور تُسطّر بأقلام الشجاعة والصمود.
هي قصة تُروى، لكنها ليست منتهية. إنها ملحمة لا تزال في بدايتها تُكتب، بأيدي الذين قرروا أن يكونوا صناع التاريخ، لا مجرد شهود عليه.



