مشروع الجزيرة: من أكبر مشروع ري في إفريقيا إلى تحديات البقاء وإمكانات التعافي
سلسلة: الزراعة السودانية بين الحرب وإعادة البناء (2)

عندما اكتمل تشييد خزان سنار عام 1925، لم يكن الهدف مجرد إنشاء مشروع زراعي جديد، بل تأسيس نموذج اقتصادي قادر على تحويل السودان إلى أحد أهم منتجي القطن والمحاصيل المروية في العالم. ومن هذا التصور ولد مشروع الجزيرة، الذي أصبح لعقود أحد أكبر مشاريع الري الانسيابي المتصلة في العالم، وركيزة للاقتصاد السوداني، ومصدرًا للدخل القومي والعملة الأجنبية، ومحركًا للتنمية الريفية.
وعلى مدى عقود، لم يكن مشروع الجزيرة مجرد مشروع زراعي، بل مثل تجربة تنموية متكاملة جمعت بين الإنتاج الزراعي، والبحث العلمي، والإرشاد الزراعي، والتنظيم التعاوني، وأسهمت في بناء مجتمعات ريفية مستقرة. كما أصبح نموذجًا يُدرّس في إدارة مشاريع الري الكبرى في إفريقيا والشرق الأوسط.
لكن بعد مرور قرن تقريبًا على تأسيسه، يقف المشروع أمام مفترق طرق تاريخي. فقد تراكمت عليه عقود من التدهور الإداري والاستثماري، ثم جاءت الحرب لتدفعه إلى أخطر أزمة في تاريخه الحديث، مهددة أحد أهم الأصول الاقتصادية التي يمتلكها السودان.
يقع مشروع الجزيرة بين النيلين الأزرق والأبيض، ويغطي نحو 2.2 مليون فدان (نحو 890 ألف هكتار)، ويُعد أحد أكبر مشاريع الري بالجاذبية في العالم، ويعتمد على شبكة واسعة من القنوات المتفرعة من خزان سنار.
ويكتسب مشروع الجزيرة اهمية خلال عقود طويلة كان المشروع يمثل:
• أحد أهم مصادر إنتاج القطن طويل التيلة.
• مساهمًا رئيسيًا في إنتاج القمح والذرة والفول السوداني والخضروات.
• قاعدة معيشية لملايين السكان في ولاية الجزيرة والمناطق المجاورة.
• ركيزة للتشغيل والنقل والصناعات الزراعية والخدمات الريفية.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن المشروع يمثل نحو ربع المساحات المروية في السودان، كما يُعد أحد أكبر مستخدمي مياه الري في البلاد، مستفيدًا من جزء كبير من حصة السودان من مياه النيل، وكان يشكل مساهمة مهمة في الناتج الزراعي والاقتصاد الوطني.
وفي ذروة عطائه خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، أسهم مشروع الجزيرة بنسبة كبيرة من صادرات السودان الزراعية، ولا سيما القطن طويل التيلة الذي ظل لعقود المصدر الرئيس للعملات الأجنبية. وأسهم المشروع في تمويل قطاعات اقتصادية وخدمية عديدة، قبل أن تتراجع مساهمته تدريجيًا نتيجة ضعف الاستثمار وتراجع كفاءة الإدارة وتغير السياسات الزراعية.
لم يكن تراجع مشروع الجزيرة نتيجة الحرب وحدها، بل جاء حصيلة تراكمات امتدت لعقود، من أبرزها:
• تراجع الإنفاق على صيانة قنوات الري.
• ضعف الحوكمة وتعدد الجهات المسؤولة.
• انخفاض إنتاجية المحاصيل مقارنة بالإمكانات المتاحة.
• غياب الحوافز الاقتصادية للمزارعين.
• تراجع البحث الزراعي والإرشاد.
• عدم استقرار السياسات الزراعيةو .
وقد وثقت دراسات البنك الدولي ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO) انخفاض الكثافة الزراعية وتراجع المساحات المزروعة بسبب الإطماء وسوء إدارة قنوات الري، الأمر الذي انعكس على كفاءة استخدام المياه والإنتاجية الزراعية.
الحرب وأخطر أزمة في تاريخ المشروع منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 دخل مشروع الجزيرة مرحلة غير مسبوقة من التدهور.
وبحسب تقييمات ميدانية لمنظمة الأغذية والزراعة، تعرضت أجزاء واسعة من المشروع إلى أضرار في البنية التحتية، ونهبت أو تعطلت معدات زراعية، وانهارت أنشطة الإنتاج بعد امتداد العمليات العسكرية إلى ولاية الجزيرة. كما تأثرت خدمات الري والطب البيطري، وتعطلت سلاسل الإمداد، وارتفعت مستويات انعدام الأمن الغذائي وأدى ذلك إلى:
• انخفاض المساحات المزروعة.
• ارتفاع تكلفة الإنتاج.
• نزوح العمالة الزراعية.
• تعطل عمليات التسويق.
• تراجع قدرة المؤسسات الزراعية على تقديم الخدمات.
ولم تقتصر آثار الحرب على الجانب الزراعي، بل امتدت إلى نزوح آلاف الأسر الريفية، وفقدان العمالة الموسمية، وتعطل الخدمات الصحية والتعليمية داخل القرى المرتبطة بالمشروع، مما حول الأزمة من تحدٍ زراعي إلى أزمة تنموية وإنسانية شاملة.
لماذا يمثل المشروع قضية وطنية؟ يمثل مشروع الجزيرة منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة تشمل:
• أكثر من مائة قناة رئيسية وفرعية.
• آلاف الكيلومترات من شبكات الري.
• قرى زراعية مترابطة اقتصاديًا واجتماعيًا.
• أسواقًا محلية وإقليمية.
• صناعات تحويلية مرتبطة بالإنتاج الزراعي.
ولذلك فإن تراجع المشروع لا ينعكس فقط على المزارعين، بل يمتد إلى الأمن الغذائي، والتشغيل، والصناعة، والنقل، والتجارة، والاستقرار الاجتماعي في واحدة من أكثر مناطق السودان كثافة سكانية.
أثبتت تجارب دول خرجت من النزاعات أو من أزمات زراعية عميقة أن إعادة تأهيل البنية التحتية وحدها لا تكفي، بل تتطلب إصلاحًا مؤسسيًا شاملاً يشمل:
• إدارة مهنية ومستقلة للمشروع.
• صيانة مستدامة لشبكات الري.
• تمويلًا ميسرًا لصغار المنتجين.
• استخدام التقنيات الحديثة في إدارة المياه.
• نظمًا شفافة للمساءلة والمتابعة.
• شراكات متوازنة بين القطاعين العام والخاص مع حماية حقوق المزارعين.
كما توفر تقنيات الاستشعار عن بعد، ونظم المعلومات الجغرافية (GIS)، والذكاء الاصطناعي فرصًا غير مسبوقة لمراقبة توزيع المياه، ورصد صحة المحاصيل، والتنبؤ بالإنتاج، ورفع كفاءة إدارة المشروع، وتقليل فاقد الموارد، وهو ما أصبح عنصرًا أساسيًا في إدارة مشاريع الري الكبرى حول العالم.
أولويات التعافي يمكن أن يقوم برنامج إعادة تأهيل المشروع على خمس أولويات رئيسية:
1. إعادة تأهيل قنوات الري ومحطات الضخ.
2. توفير التمويل ومدخلات الإنتاج للمزارعين.
3. تحديث الإدارة باستخدام البيانات الرقمية والاستشعار عن بعد.
4. إعادة تأهيل مراكز البحوث والإرشاد الزراعي.
5. تطوير الصناعات الزراعية وسلاسل القيمة لزيادة القيمة المضافة.
ويمكن ربط هذه الأولويات بأهداف التنمية المستدامة، ولا سيما القضاء على الجوع، وتعزيز النمو الاقتصادي، والإدارة المستدامة للمياه، وبناء مؤسسات أكثر كفاءة وشفافية، بما يجعل إعادة تأهيل المشروع جزءًا من رؤية أشمل للتنمية وإعادة الإعمار.
لقد كان مشروع الجزيرة رمزًا لقدرة السودان على توظيف موارده الطبيعية في بناء اقتصاد منتج، واليوم فإن إنقاذه لم يعد قضية زراعية فحسب، بل أصبح خيارًا استراتيجيًا يرتبط بالأمن الغذائي، والاستقرار الاقتصادي، وإعادة الإعمار، وتعزيز صمود المجتمعات الريفية.
إن إعادة إحياء مشروع الجزيرة ليست مجرد عملية لإصلاح قنوات الري أو استئناف الزراعة، بل هي مشروع وطني لإعادة بناء الثقة في الاقتصاد السوداني. فنجاح المشروع سيعني استعادة ملايين الأفدنة للإنتاج، وخلق فرص عمل واسعة، وتعزيز الأمن الغذائي، وزيادة الصادرات، وتوفير قاعدة صلبة لمرحلة التعافي بعد الحرب. لذلك، فإن مستقبل الجزيرة سيعكس إلى حد بعيد مستقبل التنمية الزراعية في السودان بأسره.


