تحقيقات

كادقلى… الملف الاسود لضحايا الطابور الخامس (3) جيمس دانيال … تراجيديا الموت السمبلة

ايهاب مادبو

الطابور الخامس ( Fifth column)‏ مصطلح متداول في أدبيات العلوم السياسية والاجتماعية نشأ أثناء الحرب الأهلية الأسبانية التي نشبت عام 1936 واستمرت ثلاث سنوات وأول من أطلق هذا التعبير هو الجنرال إميليو مولا أحد قادة القوات الوطنية الزاحفة على مدريد وكانت تتكون من أربعة طوابير من الثوار فقال حينها إن هناك طابورًا خامسًا يعمل مع الوطنيين لجيش الجنرال فرانكو ضد الحكومة التي كانت ذات ميول ماركسية يسارية من داخل مدريد ويقصد به مؤيدي فرانكو من الشعب، وبعدها ترسخ هذا المعنى في الاعتماد على الجواسيس في الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكى والراسمالى)…

” سلسلة من مشاهد لجراحات المنطقة المؤلمة لحد الفجيعة لجرائم ارتكبت بحق الإنسانية بما يمكن وصفها بجرائم الابادة الجماعية وهى ماتجعل مرتكبيها مجرمين حرب يجب ان يخضعوا لمفهوم العدالة الإنتقالية تأسيسا لانتقال يسهم فى بناء دولة تقوم على الحقيقة والمصالحة , وهذا النوع من الجرائم لايمكن ان يسقط بالتقادم لأن آثار الجريمة هنا مستمرة بإستمرار الآجيال … ”

اعتذر لكل القراء عن انقطاع هذه السلسلة من التوثيق للجرائم ضد الانسانية بحق الابرياء من مواطنى ومواطنات جبال النوبة … وحينما هممت بالكتابة عن واحدة من ابشع الجرائم التى ارتكبت بالمنطقة وكنا حينها اطفالا تتخطفنا الامنيات والآمال وجدت صعوبة بالغة فى العثور على صورة شهيد تلك المجزرة جيمس دانيال لاعب هلال كادقلى الذى دخل قلوب كل الناس كان انشودة محببة لجماهير هلال كادقلى اسود الجبال فى منتصف الثمانينات وحتى بداية التسعينات….

جاء الفتى الابنوسي جيمس دانيال وهو من ابناء دولة جنوب السودان وحجز له بيتا وبراحات بقلوب اهل كادقلى جميعا بأدبه الجم وتواضعه وقفشاته الضاحكة ….

كان فريق هلال كادقلى يتسيد المدينة طولا وعرضا بعد ان احكم قبضته على الدورى المحلي وكان جيمس دانيال لاعب وسط الهلال هو انشودة الجماهير ونجمها المحبب بلمساته الساحرة ومداعبته للكرة التى تستكين بأرجله طائعة وكانها مربوطة (بخيط) بأرجله بخيط رفيع

اشتهر جيمس بصناعة النجوم حيث شكل ثنائية بوسط الهلال كادقلى مع رفيقه جلال الفكى كوكو او جلال كادقلى كما تعارف عليه اعلاميا وقد كانت مباراة الهلال كادقلي وحى العرب بورتسودان بدورى السودان فى منتصف الثمانينات من اهم المباريات التى لعبها الهلال كادقلى وقد قدم فيه اداء جيدا امام فريق متمرس فى الدورى وله صولاته الاقليمية , هذه المباراة لفتت انظار مجلس ادارة الهلال العاصمى حينذاك فقام بضم كل من جلال الفكى واسامة النور (غوستين) الى صفوفه بينما فضل الموهوب جيمس البقاء بكادقلى رافضا كل العروض والإغراءات وفضل البقاء بالمدينة التى عشقها حتى الثمالة وبادلته حب بوفاء وامتنان ….

جيمس ليس لاعب لكرة القدم فقط وانما كان انسانا فنانا برع فى العمل الانسانى حيث كان نشطا اجتماعيا وتردد صدي اسمه باغنيان باغنيات الدلوكة ..

الصيدا جات بي ورا
شاقة الجبال والخلا
جيمس انا مابنوم
لو جابوا لى حبوب نوم

كادقلى تلك المدينة التى تسكنها العصافير التى تحرض للفرح الاستثنائي فهى تقوم بإنتزاع الفرح برغم ماتعتريها الظروف الشاحبة نتيجة بارود الرصاص الذى احال لياليها الى بكاء ودموع ..

وفى ذات ليلة من الليالى يتسرب صوت (سعاد) بحنجرتها التطريبية
بشاغلهم بعيونى
بريد البريدونى
انا ببكى بدمعة .. عشان خاطرك ياسمعة
وانا ببكى وبستغفر .. عشان خاطرك ياجعفر

لقد اعتادت المدينة فى تلك الفترة من الثمانينات على غناء الدلوكة قبل ان يبدا الحفل بموسيقي البوليس ومن ثم الحفلة الساهر بالموسيقي الافريقية فالدلوكة كانت بمثابة اعلان عن الحفلة حيث تحتشد فيها كل معانى الروعة والجمال وكنا نطرب حينما تتعالى اصوات البنات الممزوجة بتلقائية ادائهن الرائع لاغنيات (تحير) الكمان والعود بإجادة الاداء والتطريب ..

جاكونى هكذا عرفناه بهذا الإسم كان متعهدا لاقامة الحفلات حيث يمتلك سماعات كبيرة وجهاز استريو واشرطة زائيرية واوغندية وكنا نحفظ عن ظهر قلب معظم الفنانين مثل ” كوفي” و” اويلو” وبعض من تلك الاغنيات وان كنا لانعرف معانيها

تعهدت المطرة بالقيام بترطيب ساحة الحفلة بدعاشات خريف كادقلى المترع بكل تفاصيله وقد تقمصنا شخصيات فى المتخيل حينها بما يشبه تلك الاساطير التى تؤسس للخرافة ,فاللحفل طقوسه وقوانينه الصارمة جدا وان لم نوقع عليها الا إنها استقرت بيننا واصبحت ملزمة مثل (الاختيار) المتبادل بين الاولاد والبنات فهو (فرصة) متبادلة بين الجميع بعد كل فاصل غنائي ومن لم يقع عليه الاختيار يلتزم بمكانه بهدوء وكذا الحال (لشاشة)الرتينة التى يتعهد بها شخص وعادة مايكون من اصحاب المناسبة او معارفهم…

الليلة مافى امان يادنيا
امان
هجروك كتير ياقلبى الليلة
مافى امان

لحظات وقد التزم الجميع بمكانه من الجنسين بعد ان فرض (الجو) وجوده رغم انفس السؤال وإيحاءاته “دا جو شنو” ثم يأتى صوت (نيكولا) وهو يفتتح الحفلة
“ايها الجمع الابنوسى الاخضر الشفيف ،،، دعونى ان انوب عن اسرة الحفلة والتى نتشرف فيها ان نشرفهم تشريفا يليق بعظمة هذا المكان وألق الحضور …اى زول ياشباب يلزم محلو … ماديرين ازعاج .. القمر (صاحى) والحفلة صباحى” ..

وبدأت الحفلة بفاصل من اغنيات الفنان الزائيري (اويلو) وقد اختلط المكان وتداخل الليل بالصباح ,الهمس المسموع بالدموع … الكل ممبتهج والليل يزحف نحو الصباح وجيمس يتحرك بيننا موزعا ابتسامته بين الجميع وكانه يودعنا الى عوالم المجهول والموت المشؤم … وبينما نحن فى تلك البجهة تتوقف سيارات بلوحات عسكرية تحمل بداخلها اشخاص بالزى العسكرى والمدنى ترجل احدهم بالدخول الى ساحة الحفل بخيلاء وتبختر وكأنه يبحث عن شخص ما بين الراقصين والراقصات فى الحفل

المنطقة معروفة بقاموس العساكر بانها منطقة عمليات رقم خمسة واى سؤال او اعتراض فإن اجابته هى فوهة البندقية ,وفجأة ينهمر الرصاص بشكل عنيف وكأننا امام معركة غير متكافئة الخاسر فيها هى انسانيتنا وحقنا فى ان نحيا ونعيش ,تسمر الجميع بعد ان سمعنا صوت احدهم
اقيف مكانك ممنوع التحرك
ياالهى ماذا فعلنا !!!!
تبعثرت افكارنا بذات المحتوى الفارغ من الرصاص الذى احال رائحة الدعاش الى بارود وكم كانت صدمتنا مؤلمة حينما شاهدنا الانسان الخلوق جيمس دانيال وهو مضرجا بالدماء ولم تفارقه إبتسامته وفى الجانب كان خالد النقر قد فقد رجله واسيا كيلك قد اصابتها عدة طلقات ,والعديد من الإصابات

مررنا بجيمس وهو مستلقي على الارض وقد اصبح جسده مثل الغربال من كمية الزخيرة التى دخلت جسده وقد تثاقلت ارجلنا عن المشي وسيطر علينا الخوف والهلع وعيون الإستخبارات العسكرية يتطاير منها الشرر وقد اشار احدهم الينا بالتوقف بصوت صارخ

اقيفو هنا

تسمرنا كالذي صعقته الكهرباء فى الشارع المتمدد من امام منزل العم احمد قسم الله وحتى نادى الهلال ، توقفنا جميعا شباب وشابات امام الإجابة التقليدية لمحو آثار الجريمة التى هزت انسانيتنا واحالتنا لوحوش وذاكرة مليئة بالدموم

تكفل احدهم بعد ان ازاح النظارة من على وجهه ووضعها بيده اليسري بمحاذاة كتفه الأيسر قائلا

_ جيمس دا طابور خامس وقد قبضنا بالاوضة اجهزة ومراسلات بينه وبين ناس الحركة الشعبية وهو ضابط بالجيش الشعبي وكانوا عاوزين يهجموا كادقلى الصباح

صمتنا جميعا بحيث إنه ممنوع السؤال وماتسمعه او تشاهده اتركه فى مكانه هكذا الجمونا بالسكات والسؤال ولكن الاجابة على تساؤلتنا تولى الاجابة عنها خور العفن بجنوب كادقلى الذى كان عبارة عن معرضا للانتهاكات الانسانية والتصفيات البشرية التى تقوم بها الاستخبارات ضد المدنيين

ترك خور العفن ثقلا كبيرا حول اهمية العدالة الانتقالية وانصاف الضحايا لأسوء مجزرة ارتكبت فى تاريخ الانسانية وهى من الجرائم التى لايمكن ان تسقط بالتقادم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى