
سلسلة مقالات من اربعة حلقات
الحلقة الأولى: افرزوا البيض من الحميض من حكمة البادية إلى معادلات الفرز السياسي
مـدخـل
في يوم عيد الفطر المبارك من العام 2025، وفي خطابه الثالث منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، أطلّ رئيس المجلس الرئاسي المرتقب بخطاب غير تقليدي، وُصف من قبل مراقبين وخبراء في الشأن السوداني بأنه “خطاب حرب بامتياز”.
خاصةً وأن الخطاب جاء في ظل تقلبات عسكرية ميدانية حامية الوطيس، وانسحابات تكتيكية محسوبة، وتحولات نوعية في مسارات المعركة. تغيّرات حملت دلالات خطيرة على الصعيدين الأمني والاستراتيجي، وأعادت ترتيب معادلات الحرب من جديد.
لم يكن الخطاب طقسيًا ولا شكليًا، بل جاء في لحظة مفصلية، وسط حرب ممتدة ومعقّدة، تشابكت فيها الأبعاد السياسية والعسكرية والاجتماعية والإنسانية بطريقة كارثية؛ حربٌ خلّفت أكثر من 15 مليون نازح، بينهم ما يزيد على 3 ملايين لاجئ في دول الجوار، وأحدثت تمزيقًا خطيرًا في النسيج الوطني، وأعادت طرح الأسئلة الجوهرية حول الدولة والمواطنة والولاء.
في ثنايا هذا الخطاب، وبأسلوب شعبي محكم، أطلق القائد عبارته التي فجّرت موجة من التأويلات والتساؤلات داخل السودان وخارجه:
افرزوا البيض من الحميض
عبارة تبدو مألوفة في لهجة أهل البادية، لكنها حين تُقال من منبر رسمي، على لسان رأس دولة قادمة، وفي لحظة دموية حرجة، تتحول إلى منهج فرز سياسي وأمني وأخلاقي.
جاءت هذه الجملة من عمق البوادي الكردفانية والدارفورية، لكنها تجاوزت حدود اللهجة والمكان، ولامست جوهر الصراع السياسي في السودان، في لحظة تداخلت فيها التحالفات، وتشوشت الولاءات، وانطمست الخطوط بين العدو والحليف، بين الأصيل والدخيل، وبين الوطني والمتلوّن.
وزي الزول البعرف الطقس من ريحة التراب، والعارف “مربط العجيل وين”، جاءت هذه العبارة لتُبلّغ رسالة كثيفة المعنى دون صخب.
خطابٌ صُنع بذكاء شعبي، لكنه محمول على رؤية استراتيجية واضحة المعالم.
هذه السلسلة من المقالات، التي تتكوّن من أربع حلقات متسلسلة، تحاول تفكيك أبعاد هذا الخطاب الاستثنائي. وفي الحلقة الأولى تحديدًا، سنركز على زوايا تحليلية رئيسية، كمدخل لفهم هذا التحول العميق في اللغة، والمعنى، والاتجاه السياسي.
نحن هنا لا نقرأ خطابًا فحسب، بل نقرأ تحولًا سياسيًا كاملًا يُروى بلسان المثل الشعبي، ويُصاغ بوجدان الهامش، ويُمارس في قلب الصراع.
1. أصل المثل: الحميض و البيض في ثقافة الهامش
في بوادي كردفان ودارفور، يُعرف مثل “افرزوا البيض من الحميض” كدعوة للتفريق بين الأشياء التي تتشابه شكلاً وتختلف جوهراً. فالحميض نبات بري قد يُشبه البيض من حيث الشكل، لكنه ليس صالحاً للأكل للجميع؛ فالبعض يأكله، ومعظم الناس لا تأكله، لكنه مفضل للخمير والماعز والجمال، ولا يحمل القيمة نفسها. واللافت أن طعم الحميض لا يعرفه كثيرون، فهو حامض ممزوج بسكر خفيف، يختلف كلياً عن البيض المعروف طعمه للناس. هذا التشابه في الشكل، والاختلاف الجذري في الطعم، يُضرب به المثل عندما تلتبس الأمور ويُطلب التدقيق والفرز العميق.
هذه الأمثال يعرفها أهل الهامش على حد سواء، سواء كانوا من المزارعين أو رعاة الماشية أو التجار أو صغار الكسبة من العمال، ما بين الزراعة والرعي والتجارة. وهي تتسم بعمق وإحاطة وذكاء، وبسرعة بديهة في توصيف التفاصيل المعقدة بطريقة سلسلة وسهلة، تُسهم في إثراء التفاعل اليومي بصورة خلاقة، وفي ذات الوقت تتجاوز معاني الظاهرة بصورة كلية، لأنها أكثر تكاملاً وشمولية، وأدق توصيفاً، وأكثر إحاطة برؤية ثاقبة.
فالبيض والحميض في بيئة كردفان ودارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة، في معظم الأحيان، يتواجدان قرب بعضهما: بيض الطيور والحميض، مما يشكل التباساً وخلطاً وتضليلاً لمن لا يدركون البيئة المحلية. فهذه البيئة، من السافنا الغنية وشبه الغنية، مشحونة بكثافة استثنائية من التنوع والتعدد، تماماً كما هو الحال في التعدد الثقافي والاجتماعي والإثني والديني الذي تذخر به تلك المناطق. وذلك رغم محاولات المركز المستميتة لطمسه وتشويهه بصور أضرت بالإنسان والحيوان والبيئة، مما انعكس سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
من هنا، تأخذ الأمثال البسيطة عمقها غير المرئي وغير المعروف، وتدخل في معادلات أكبر من تصورات الكليات والمناهج الأكاديمية، لأنها خلاصة تجربة عملية معيشة ومختبرة عبر أجيال. كما هو الحال في أمثال الشعوب الأصلية في أمريكا الجنوبية، أو المرويات الرمزية في آسيا وإفريقيا، فإن الحكمة الشعبية في الهامش السوداني لا تقف عند حدود التفسير المباشر، بل تُبنى على طبقات من التراكم الرمزي والتجربة الإنسانية المتداخلة مع الطبيعة، والبيئة، والهوية.
ولعل الغموض الذي يكتنف هذه الأمثال، وامتناعها عن التفسير السطحي، هو ما يمنحها قيمتها، ويُبقيها صالحة لتأويلات لا تنتهي. فالذي يقرأها يُحرض على التفكير، ويُستفز ليبحث عن المعنى المختبئ خلف اللغة، ليصل إلى جوهرٍ لا يُهدى إلا لمن أرهق عقله بالتأمل، وأرهف وجدانه للفهم.
2. من_المثل للرسالة: خطاب سياسي داخل فضاء ثقافي موغل في الحكمة والدهاء والعبقرية والدلالة
القائد لم يُطلق المثل جزافًا. لقد قاله في لحظة حرجة وحساسة سياسيًا وعسكريًا، محليًا وإقليميًا ودوليًا. السودان، الذي ظلت حروبه تتجدد لعقود، يعيش اليوم أخطر وأعقد مراحله على الإطلاق.
ففي الوقت الذي تفككت فيه البنية التقليدية للجيش، وحلّت محلّها مليشيات عقائدية مدعومة من الحركة الإسلامية العالمية وأذرعها المحلية، تدخلت دول خارجية — أبرزها إيران ومصر — بأسلحة نوعية ودعم لوجستي متقدّم.
في المقابل، واجهت قوات الدعم السريع حملات استخباراتية شرسة، وهجمات إعلامية دعائية مضخّمة، حاولت تصوير الانسحابات التكتيكية على أنها هزائم ميدانية. وتم الترويج عبر إعلام الحركة الإسلامية أن تلك الانسحابات جاءت نتيجة اتفاق سري تم التوصل إليه في جدة.
لكن القائد نفى ذلك بوضوح قاطع، قائلًا:
“لا يوجد تفاوض، ولن يكون هنالك تفاوض مع ذيول الحركة الإسلامية إلا عبر فوهة البندقية.”
وسط هذا الضجيج، وبين الاصطفافات الرمادية، جاءت عبارة “افرزوا البيض من الحميض” بمثابة توجيه استراتيجي دقيق وواسع الأثر، تجلّى في أربع رسائل مركزية:
رسالة أمنية داخلية لقوات الدعم السريع:
لمراجعة الصفوف، وكشف الاختراقات، وتثبيت الانضباط في الصف القتالي.
١ – تعليمات تنظيمية للمؤسسات المدنية المرتبطة بالدعم السريع:
للانضباط والانحياز الحاسم بحزم وعزم، وتنقية الصفوف، واتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر.
٢ – تحذير صريح للمدنيين:
من الوقوع في فخ الغموض الزائف والمجاملة أو الانتهازية السياسية، باعتبارها مدخلًا للاستقطاب المضاد، وثغرة خطيرة للتفكيك من الداخل.
٣ – ضغط سياسي موجه للتحالفات:
لتوضيح التموضع، وتجديد ميثاق الانتماء بذكاء، ودهاء، بل وبخبث سياسي متعمّد لإرباك الخصوم وإعادة ترتيب الساحة.
الأسئلة التي فجّرتها العبارة كانت واضحة، مباشرة، وقاسية:
– منو معانا بجد؟ ومنو متسلق؟
– منو شكله بيشبهنا لكن قلبو مع العدو؟ ويعمل لصالح العدو وسطنا؟
– منو الوطني الحقيقي (الاشوس الحقيقي؟ ومنو الجاي بي حسابات؟
بهذا المعنى، لم تكن الجملة مجرد استعارة، بل تحوّلت إلى أداة فرز نوعي وكمي حاسمة، في حرب لا ترحم المترددين، ولا يبقى فيها إلا الصف والصنف الصافي، المتماسك، والمجرّب الاهم المؤمن بمشروع (الجاهزية).
إن عبارة “افرزوا البيض من الحميض”، التي بدت للوهلة الأولى مجرد حكمة بادية مألوفة، تحولت في واقع الأمر إلى أداة سياسية دقيقة، وإلى منهجية استراتيجية متكاملة للفرز السياسي والأمني والاجتماعي. هذا الانتقال من فضاء التراث الشعبي إلى ساحة السياسة الميدانية يعكس عمق الأزمة السودانية، ويؤكد أن الحلول التقليدية واللغة القديمة لم تعد كافية لمواجهة تحديات اللحظة الراهنة.
ما بين الحكمة والتراث، وبين الواقع السياسي والعسكري الصعب، يظهر بوضوح ذكاء استراتيجي في استخدام اللغة والرموز الثقافية المحلية لتحقيق أهداف أعمق وأبعد. هذه اللغة الشعبية التي خاطب بها القائد قواعده الشعبية والعسكرية، تُعيد صياغة مفهوم الولاء والتحالف بطريقة جديدة كليًا، وتُرسّخ معايير صارمة للانتماء في زمن الحرب والفوضى.
في الحلقة القادمة، سنواصل رحلتنا التحليلية، لنرى كيف أن مفهوم “الغربال الناعم” أصبح أداة إضافية أكثر دقة وحساسية في في عمليات البناء التنظيم يالداخلي و تشكيل التحالفات الجديدة وإعادة صياغة المشهد السياسي والعسكري في السودان.


