
حرب الخامس عشر من أبريل والتي إندلعت شرارتها الأولى من الخرطوم لم تكن مجرد حرب بالسلاح بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني ، بل كانت حرب لإعادة بناء الدولة السودانية على اسس جديدة ..
مرد هذا القول أن هذه الحرب والتي ليست كسابقاتها ، قد فضحت بشكل تام من يقف وراء بقاء أنظمتها الإستبدادية لأكثر من سبعة عقود ..
فسلطة الدولة المهيمنة قد فضحها مجرد (صبيان)
مجرد (صبيان) تجمعوا حول بعضهم وتعالت أصواتهم ، وصفقاتهم يرددون :
“كل يوم الحلو ما بدوم كل يوم”
زايلي زايلي ..
شالت الشباب ..
كل يوم الحلو ما بدوم ..
فهذا المقطع رغم بساطته إلا أن يحمل دلالته ..
فهو ليس مجرد أغنية تراثية لمكون إجتماعي ، وليس نداء إستغاثة ، بل يمثل هذا المقطع هوية جماعية لمقاتلي الدعم السريع في تلك البقعة حينها وإعلان بالإنتماء للقضية والتي عنوانها هو تحرير السودان لصالح جميع السودانيين .
والأهم من ذلك فهو إثبات وجود لإحدي الثقافات التي تلقى حظها من الوصول والتعاطي والتعرف عليها من باقي جموع السودانيين والسودانيات ..
ولأن حرب لإعادة بناء الدولة الجديدة فقد تلقاها أصحاب الثقافات الأخرى بفخر ودعم وتم تداوله بينهم بالإحتفاء ..
وكسرت تلك الأبيات البسيطة الجدار الاول للثقافة المهيمنة لدولة السودان القديم …
عمد إعلام سلطة الدولة القديمة لحجب هذه الأهزوجة الشعبية الثورية السودانية الاصيلة بسبل شتى وبدأت بإطلاق سردية أجنبية هذه الأهزوجة ومردديها ولكن هذه السردية لم تصمد أمامها بل ساهمت في إنتشار أهازيج مماثلة لها وبإ يقاعات تراثية مختلفة …
سعت سلطة الدولة المركزية القديمة بتأويلها حتى يسهل لمناصريها حشد خطاب التقليل والتنمر من جدوى الاهزوجة الشعبية تلك ومقارنتها بما أنتجته مؤسسات الدولة المركزية ، وكذلك تكسرت لنفس المعطيات التي ذكرت ..
إنتشرت الأغنيات التراثية المختلفة لمختلف المكونات الإجتماعية والثقافية ضمن قوات الدعم السريع وإستعراضهم بها حال كل إنتصار عسكري أربك كل مخططات آلة الدولة الإعلامية والسياسية في نفيها أو تحجيمها وساهم في إنتشار هذه المقاطع التراثية العفوية حرية النشر وسرعة التداول على وسائل التواصل الاجتماعي ..
ورغم النشر العفوى والأداء العفوي والارتجالي من قبل الجنود إلا أنها مثلت أساس متين لفضح أحادية الثقافة التي فرضتها الدولة عبر حقبها المختلفة ووضعت الباحثين والمهتمين أمام كنز مهم لثقافات عانت من الإقصاء والتهميش عقودا طويلة .
وحرى بي القول أن هذه الاهزوجة الشعبية وغيرها من الأهزوجات لم تكن مجرد أداة للتعبئة أو الترفيه، بل كان كانت من أهم الأدوات لمقاومة السلطة فهي تحمل في مضامينها تحديا للأهوال بما فيها الموت وما أخذته الحياة و الرضا بما سيؤول إليه مصير الفرد والإيمان بعدالة القضية وحتمية الإنتصار مهما بدا غير ذلك ، بل وكانت أيضا ً ذاكرة مهمة لتوثيق الأحداث والشخوص ، وهي بمثابة رسائل لشحذ المعنويات لرفاق في ميادين قتال أخرى .
فنحن أمام معركة أخرى، بل معارك عديدة لجموع الثقافات التي تم تهميشها لصالح المشروع العنصري الأحادي الذي بني عليه السودان تاريخياً.
فظهور المقاتلين وإعتزازهم بثقافاتهم هي مرحلة من مراحل هدم كامل الموروث الثقافي السوداني القديم، وإتاحة المساحة المتساوية لكافة الثقافات السودانية بنيل حظها من التقدير والإنتشار والوصول ..
“كل يوم الحلو ما بدوم كل يوم”
