ثقافة ومنوعات

اما حكاية ! “تش ام شقوق”

إيهاب مادبو

في قرية وادعة، عند تخوم الغياب والتهميش، تعيش على حافة الألم كما لو أنّه قدر مكتوب في ترابها،فالبيوت متواضعة، والوجوه متعبة، والحياة تقاسمها الأمراض كما تقاسمها المواسم. لا شيء يتغيّر… سوى وجوه العابرين القلائل، إن مر أحد.

وحينما ذاع صيت صاحب العلاج بالكي والذي تعارف عليه الناس بـ”الكريمت تش”، قرر أن يحمل مهارته في العلاج بـ”الكي” إلى أولئك الذين لم تصلهم الطرق المسفلتة، ولا تصلهم كذلك الشفخانات، ولا يعرفون من الطب سوى الصبر، جمع الطبيب الشعبي أمتعته، وامتطى لورياً متعبا يشبه طرق وشوارع البلاد، واتجه نحو ربوع كردفان… حيث النسيان أكثر اتساعا من الجغرافيا، تلك المآسي التي فجّرت في الشارع فضيلي جماع صرخته للريف البعيد

يا كردفان أنا مغنيك الذي حمل الهموم
انسانك المحروم رغم شقائه ..
حمل المشاعل والشموع
سجع المقاطع من تلالك والربوع
في صوته ابصرت برقك حين (شال)
ورايت ريلا ادعج العينين يمرح في التلال
واللحن يأخذني اليك .. الي الرمال ..

وهناك، في راكوبة ود ضيف الله بالقرية، اجتمع الناس،أحمد الضاكر، التمرجي الوحيد في القرية، تولى أمر التنظيم كأنّه يقيم مهرجانا للصحة،كانت الجموع قد وصلت منذ ثلاثة أيام، تحمل معها أوجاعها، وأحلامها الصغيرة في شفاء مؤجل،امتلأ الراكوبة بكل صنوف العذاب، فالمرض هناك ليس طارئا بل صديق دائم.

شفخانة القرية لم يكن فيها سوى أمصال الملاريا، خصوصاً ماتعرف بحقن “الكلوركين” فقد وجدت لها الاطفال وظيفة أخرى يشعلونها في النار، يدفنونها تحت الرماد، ثم يركضون ضاحكين حين تنفجر… كأنهم يقلّدون حربا لم تنته يوما، بهجيج المهرجلين بالغناء، فالحرب هنا في تخوم هذا الهامش اجندة تشكلت نتيجة ظلم مركزى ممنهج، وهي ليست ثقافة او حدثا وانما اوجاعا تضاف الي اوجاعهم.

وصل طبيب “التش” مع أول ضوء للشمس، والقرية تستيقظ على أصوات البهائم وهي تستعد لرحلة النشوق، كان استقباله أشبه بكرنفال بدائي، فرح ممتد على اتساع الفقر، القرية لم يزورها مسؤول قط، ولم يعرفوا من الدولة سوى الحكايات، كل واحد جاء يحمل “عريضته الصحية”، حتى الداية العجوز حضرت، تشتكي مفاصلها التي أنهكها العمر ومسافات الولادة.

وقف شيخ القرية، ود ضيف الله، يخاطب الجمع بصوته العتيق:
_هووووي يا ناس… دا الحكيم… جاكم من البحر… الزول بونسوا مرضو… أدخلو ليهو واحد واحد.”
وردّت القرية بصوتٍ واحد، كأنها جسد واحد:
_حااااااااضر يا أبورقية!
وانتظمت الصفوف.
رائحة اللحم المشوي امتزجت برائحة الجلد المحترق، والصقور دارت في السماء، تترقب… أو ربما تعتاد هذا المشهد،لكن فجأة، قطع المشهد صوتٌ غريب، سيارات دفع رباعي، لامعة، لم تعرفها القرية من قبل، توقفت عند أطراف المكان،نزل منها رجال بملابس نظيفة، بوجوه لا تشبه وجوههم، كأنهم خرجوا من حكاية أخرى.
تجمّد الناس.
تساءلت الهمسات:
_الناس البييييييض ديل جايين للحكيم؟
_معقولة ديل بمرضوا زينا؟
اقترب أحدهم، فتح دفترا أخضر، وسأل ببرود
_مين شيخ القرية دي؟
رد الشيخ:
_أنا الشيخ ود ضيف الله.
_عندك تصديق بالعيادات المتجولة؟
ارتبك الشيخ:
_مافهمت… عيادات شنو ياولدي؟
_انا سالتك منو السمح ليكم تجيبوا الزول دا؟
_مخير الله ياولدي،جا يعالجنا… المرض قتلنا.
_ طيب نحن ناس الحكومة.
تردد الشيخ:
_الحيكووومة؟!
“_ ايوا انحنا ناس التحصيل… وكل زول تشوه… عليه جنيه.”
ساد الصمت القرية ، صمت ثقيل كأن الأرض نفسها حبست أنفاسها.
نادى الشيخ ود ضيف الله ناس القرية، وطلب منهم إظهار مواضع الكي… فرفعوا جلودهم، وكأنهم يرفعون وثائق الألم.
وبدأ التحصيل.
لكن واحدا… كان يتراجع للخلف هارباً بخطوات ثقيلة،ينسحب ببطء، كأنه يحاول الهروب من نفسه.
نادى عليه مسؤول التحصيل:
_تعال… مالك؟
تقدم، رأسه منكس.
_ورينا مكان الكي.
تمتم بصوت حزين “انا…. انا … انا ماعندي كي”
_ونان عندك شنو؟
رفع عينيه بصعوبة، وقال:
_عندي… أم شقوق.
تجمد الجميع في ذهول.
سقطت الكلمات على المكان كحجر في بئر.
وقبل أن يتكلم المسؤول، دوّى صوت الشيخ، غاضبًا، مكسورا، كأنه يحمل عمر القرية كله:
_أم شقوق دي… أريتا تجيك إنت وحكومتك!
_جايين تتحصلوا في العافية؟!
_وين كنتوا وقت المرض هد حيلنا؟
_ووين كنتوا وقت حريم الحلة تتوجع؟
_وين كنتوا وقت كنا بنربط الفرنديد في العناقريب؟!”
كان صوته يرتجف، لكنه لم يتوقف،حتى خانته الأرض، فسقط ارضا
سقط… ولم يقم.
في تلك اللحظة، لم يصرخ أحد،لم يبكي أحد.
الناس فقط… وقفوا، كأنهم أدركوا فجأة أن المرض لم يكن في أجسادهم فقط، بل في شيء أعمق… شيء لا يُكوى بالنار

انسحبت سيارات الحكومة كما جاءت، بلا أثر، وبقيت الراکوبة شاهدة، اما حكيم “الكريمت” فقد جلس صامتا، ينظر إلى يديه، وكأنه يكتشف متأخرا أن النار لا تشفي كل شيء.وفي المساء، حين عاد كل إلى بيته، لم تكن القرية كما كانت،كان هناك غياب جديد،
ووجع لاموضع له على الجسد.
وجع
يشبه “أم شقوق”…
لكن في قلب القرية كله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى