مقالات واراء

حكومة تأسيس أزمة موغلة، أقلام مأجورة، وأصوات مجحفة (العبودية الإختيارية)

(2)

الموقف النقدي مبدأ فلسفي ثوري
لكل (بنية – Structure) أو (صيرورة – Becoming) تشكلت عبر التاريخ منطق داخلي يبرر شرعيتها ودوافع وجودها وإستمراريتها؛ وبالتالي تحصن ذاتها ضد النقد الذي يوجهه الفاعلون لإكتشاف زيفها وتغييرها. في الحلقة الأولي من السلسلة أشرنا إلي دولة (ما بعد الإستعمار Post-colonial State في السودان) والتي آلت نهاياتها القصوي إلي التفكك والتحلل والتفسخ؛ بإعتبارها واقعة أو معطي تاريخي في إطار التجربة السودانية، يستوجب النقد وإعادة النظر في كل جزئية من جزئيات تكوينها البنيوي، بغرض تصحيح أوجه الخلل فيها بتسليط الضوء علي ظلاماتها التاريخية منذ النشأة وحتي المُنتهي.
في هذه الحلقة؛ نشير؛ إلي مزاعم شرعيتها ودوافع وجودها، والبازنقر الذين يحرسونها ويضعونها كمسلمة متعالية علي النقد، ومآربهم من ذلك. لفضح وتعرية وكشف دوافعهم وغرائزهم غير السوية. إذ؛ نستخدم في ذلك أدوات منهجية أساسية: أولها التأمل النقدي الرصين؛ كآلية ضرورية وعنصر حيوي من عناصر العقل. وثانيها الواقع المُعاش موضوعياً أو دولة 56 “التشكُل والإستمرارية” بعيون نقدية من وجهة نظر جدلية “ديالكتيكية” وعلاقة ذلك السخف بمفهوم السياسة كممارسة اجتماعية وعلم. وأخيراً تبرير النقد بإعتباره ميكانيزم ضروري لتصويب المفاهيم البشرية وإعادة البناء النظري للمعارف الإنسانية التي ينبغي أن تواكب التطور الراهن وما يمليه من ضرورات إجتماعية تتعلق بوجود ظاهرة الدولة نفسها بإعتبارها؛ أرقي تنظيم إجتماعي لخدمة الشأن العام وإدارة حيواته.
دولة 56 أو دولة الجلابة أو السودان القديم؛ لابد من وضعها تحت مبضع النقد والتشريح المجهري العقلي بإعتبار أن العقل؛ هو تلك الإمكانيات الذاتية التي مكنت البشر من أن يكون لهم الحق في تقرير المصير، لأنه “العقل” ارتبط جدلياً بمفهوم “الحرية أو الإنعتاق”. فالعقل يفترض الحرية لأنه يعني “القدرة علي التوجه بالذات نحو تقرير حياتها الخاصة. والحرية من جهة أُخري تفترض العقل؛ لأننا لا نستطيع أن نقرر ما الذي يمكن أن تكون عليه الحياة الأفضل والأكثر انعتاقاً إلا من خلال إعمال العقل (آلن هاو تأليف؛ النظرية النقدية – مدرسة فرانكفورت، ترجمة ثائر ديب، المركز القومي للترجمة، إشراف جابر عصفور، الطبعة الأولي 2010م).
وكما قال الرفيق القائد- محمد حمدان دقلو موسي رئيس الهيئة القيادية لتحالف السودان التأسيسي “البتساهل مع البضرة ناقص عقل”.
بتسليط الضوء علي دولة العبودية تلك؛ يتبادر سؤال إلي الذهن ألا وهو: هل مثل هذا الشكل لما يسمي جوراً دولة يستوفي الشروط الأخلاقية للوجود والاستمرار – أولاً وقبل كل شئ؟ أما ثاني الأسئلة فهو: كيف نشأت علاقات السلطة الحالية والمتنازع عليها ومن هو الذي يمتلك المشروعية للتحدث عنها وتمثيلها؟
إذ؛ تتطلب الإجابة تعريف الفعل الأخلاقي؛ والذي هو بالضرورة (“السلوك الذي يتيح للأفراد أو الجماعات المتباينة – ذات الخصوصية؛ إشباع دوافعهم وغرائزهم دون أن يؤثر ذلك سلباً علي الإجتماع البشري في إطار وحدة الوجود المشترك موضوعياً” هذا طبعاً من وجهتي نظر التحليل النفسي وعلم النفس الإجتماعي “راجع: د. متوكل علي محمدين؛ المقاييس الأخلاقية، مقاييس منطقية للأخلاق “تأسيس أنثروبولوجي الأخلاق” دار عزة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولي 2008م”).
أما من المنظور الفلسفي فإن (جهل الإنسان بحاجاته الحقيقية يجعل منه عبداً لأسوأ الأعداء: الإفراط والبحث عن اللذات. الإفراط يُبعِد عن الإنسان الحِكمة؛ التي هي أعظم الفضائل ويخضعه لأحط الغرائز وأكثرها غباءاً. يمنعه من التوجه نحو دراسة المعارف النافعة ويقوده نحو الملذات، وأحياناً يجعله يختار الشر عِوضاً عن الخير “ثيوكاريس كيسيدس؛ سقراط، مسألة الجدل، دار الفارابي الطبعة الثالثة – لبنان 2006م”).
عليه؛ نري أن الدولة السودانية منذ نشأتها بشكل حديث وإلي لحظة إعلان حكومة تأسيس، حكومة السلام الشرعية؛ لم ولن تقم علي أية أساس أو شرط أخلاقي يعطيها حق البقاء والإستمرار “وإنما الأمم الأخلاق فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا”… وأرح معاي نقطة نقطة:
واحد: تأسست تلك الدولة لأغراض نهب مقدرات الشعوب السودانية (الذهب، سن الفيل، ريش النعام، الموارد الزراعية والغابية، والثروة الحيوانية …)؛ كهدف أساسي وإستراتيجي، لأغراض الغزو التركي المصري. وهي الغاية من تأسيس تلك الشللية المسماه دولة اليوم، ليس فحسب بل نهب الإنسان نفسه “الإسترقاق والعبودية”.
إتنين: فرض ممارسة الزنا وأعمال السخرة لإكتناز الأموال (“تحويل الحرائر والأحرار؛ من كيانات الفلاقنة ضاربي الدفوف في الراهن المأساوي، إلي مصادر إقتصادية في إستثمارات “مؤسسة الجلابة والتي هي مؤسسة ريعية عشائرية – محمد سليمان محمد؛ السودان حروب الموارد والهوية”) – أمشي أبحث عن أركيولوجيا الثروات والإمتيازات التاريخية لرؤوس أموال الجلابة المادية والرمزية في الدولة السودانية “تحدي”.
قول تلاتة: ترويض الرجال للقبول بهذه الوضعية عبر تحويلهم إلي “مثليين جنسيين بين قوسين لوايطة” ومن أبي تم ترويضه بالخازوك ليس فحسب بل بالتفنن في إستخدام الوسائل والتي كانت أكثرها أثراً؛ هي: الإيحاء النفسي ” السودان في عهد ونجت؛ الإدارة الإنجليزية المصرية في السودان، تأليف: جبرائيل ويربيرق، ترجمة د. محمد الخضر سالم، مراجعة د. عثمان أبوزيد، الناشر كادوقلي عاصمة التراث السوداني، الطبعة الثالثة 2015م”. وإلي آخره.
وبالتالي لا يوجد أية مبرر شرعي أو قانوني أو أخلاقي لإستمرار تلك الوضعية والتي كانت متفوفة بعتادها الحربي ومنهوباتها وفلاقنتها ولم تهزمها أية قوة خارجية علي مايزيد عن ستين سنة؛ لكن هزمتها لا أخلاقيتها، التي سلطت عليها الثائر محمد أحمد المهدي “الإمام” وخليفته “جدنا” عبد الله ول تورشين التعايشي. ونتيجة للتطورات اللاحقة إنسانياً وتكتيكياً تمت تصفية الإستعمار المُباشر “Direct colonization” ودخلنا عهد جديد أكثر مُكراً وهو الإستعمار غير المباشر “Indirect”.
طيب؛ كيف نشأت علاقات السلطة في دولة مابعد الإستعمار بعد العام 1956م؟ وهو السؤآل الجوهري الثاني. ببساطة نشأت في إطار ملحقات وتبعات الإستعمار غير المباشر من تراكم الممارسات اللا أخلاقية في بنية العلاقات الإجتماعية التاريخية؛ بين الذات المُستعمَرة “colonized” المفعول والمقرر بها وهم الجلابة المروضين (و) الموضوع: الذي هو الدولة ما بعد الإستعمارية الرازحة تحت الإستعمار الجديد؛ في شكله الداخلي “Internal colonization” الذي جسدته (علاقة السيد بالعبد) في محاور الجدل اللاحقة في البنية الكلية للوضعية (إجتماعياً، إقتصادياً، وسياسياً) منظوراً إليها من زاوية المكاسب المتحققة أو ما تسميه العلوم الإجتماعية في الراهن ب”الإقتصاد السياسي – Political economy” في دولة ما بعد الإستعمار في السودان. طيب من هو صاحب المشروعية التمثيلية الأكثر جدارة تاريخية لتبني الشرعية والسيادة الوطنية وممارستها فعلياً علي الأرض؟ أهو السيد أم العبد؟ وهذا هو المدخل الحقيقي لقراءة المشهد “نحن أولاد بلد نقوم ونقعد علي كيفنا وفوق رقاب الناس مسلط سيفنا” ونشفع ونوتر ب”أسدُُ عليَّ وفي الحروب نعامة ربداء تَفِرُّ من صفير الصافرين”.
نتائج الفحص:
(دولة مابعد الإستعمار في السودان، دولة 56، دولة الجلابة، السودان القديم؛ كل هذه المسميات مترادفات “Synonyms” يفسرها معني بسيط: وهو؛ أنها “وضعية إستعبادية إستبدادية” تحولت إلي دولة ريعية عشائرية عنصرية إستعمارية؛ بناءاً علي شروط نشأتها التاريخية وأفقها الفلسفي في تناول موضوعات الحُكم. وما ينبغي أن تكون عليه العلاقة السليمة بين الحاكم والمحكوم. ونجحت في ترويض “المستضعين، الطبقة العاملة، المهمشين، الكادحين …الخ” في دمجهم في بنيتها عبر التسلل الطبقي وتسلُّقْ الهرم الإداري “الوجود الحقيقي لمدعي السيادة من الهامش في السلم الوظيفي للدولة – الموالي، الخدم و الفلنقايات عبيد المنازل وحملة الأباريق؛ علي حد وصف الفكي شدر”). وتاليه؛ خلقت تلك الدولة شخصيات هلامية أرقوسية؛ يدَّعُونْ؛ تمثيل إرادة الهامش الحقيقية في صراع التحرُر الوطني، ويقايضون موقف الثوار الأحرار ب”بنابر سلطة وهمية” في حلبة الصراع الإجتماعي الهادف نحو التغيير والإنعتاق. ونموذجهم في ذلك الفلنقاي الكبير أو بلغة الجلابة “عب كبير -Super Niger” مناوي، جبرين، مالك … ولكيما يهربوا من وخز الضمير يعلنون أنهم “يفتخرون بعبوديتهم” نموذج الشبل بيبي.
علماً بأن؛ “العبودية” مقولة أخلاقية – وليست عرقية أو قانونية، وبحسب سقراط وشهادة أكسينوفان: أن “كلمة عبيد” تنطبق فقط علي الذين يجهلون ماهو: (الجمال والخير والعدل)؛ لكن ومع سبق الإصرار والترصد تلاحقهم تهمة العبودية التي يفترضها فيهم أبناء دولة البحر والنهر المُفترضة علي أساس أعراقهم وسحناتهم “والحكمة تقول سيد الحق راضي شن دَخّلْ القاضي – فقط أرعوا بقيدكم ولا تجبرونا علي القبول بوضعية الدونية التي ترزحون تحتها”.
أين أنتم أيها المُطبلاتية، ضاربي الدفوف، الزمارين، الأفاكين … ال(عبيد) من إمكانيات التحرُر و الإنعتاق؟ أتو عامر، نور الأنبياء أبو ريدة سالم شميلا، مجدي موسي … الخ، ومن لف لفكم. وأريدكم أن تخبرونا بأن هنالك أحد من الكيانات الإجتماعية لل”جنجويد” في الشريط الحدودي من أم دافوق غرباً وإلي الحدود الإثيوبية شرقاً كان من المروضين “أو ساوم بشرفه كرجل أو سمح لأية قوة في الأرض مهما كانت قوتها وجبروتها أن تنتهك مرجلته كرجل، ناهيك عن بيع النسوان في سوق النخاسة.
أشعر بأنني قَسوْتَ عليكم كثيراً أيها الضحايا. لكن واجبنا الذاتي والموضوعي أن نساعدكم علي التحرر كفعل أخلاقي في المقام الأول وإنساني ثانياً؛ عذراً.
أما إذا نظرنا إلي الأمر برمته؛ من خلال الحيثيات أعلاه، سنتوقف برهة عند عتبة فلسفية أساسية هي: (السبب والنتيجة) وكيف تسلل وصف جزء من الكيانات الإجتماعية المهمشة في السودان، والحرة بسجيتها، علي أنهم “جنجويد” كمصطلح لا أخلاقي يوجب المساءلة والنفور في أدبيات السياسة السودانية العرجاء؟
ختاماً؛ حكومة تأسيس حكومة وضعية وفقاً لظروف نشأتها؛ وأهم مميزاتها أنها الحكومة التي انتظرتها الشعوب السودانية المقموعة لأكثر من ستمئة عام عجاف؛ ولا يمكن مقارنتها بحكومات البعبصة والتي كان آخر أجيالها الشبل العوقة علي حد وصف “د. الوليد” لأنها بكل بساطة حكومة تحرر وطني بصرف النظر عن نجاحها أو إخفاقها في المهام الموكلة.
وزي ما قال حميدتي “أما النصر أو الشهادي” .. والتحية للدود النتر الحكيم؛ ول أبا آدم الحلو “وقاسي للقاسي لي … العريس مرتا مبروكة لي” …(ورما).
نواصل …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى