خالد عبيد يكتب: اَلْإِنْسَانَوِيَّةُ

حِينَ إقْتَرّحتُ الهُوِّية بمنظورٍ (إنسانوي) وكَواصف جمالي ينتظم حياتنا لَمْ اقترحها بمُخيِّلةِ شاعر فحسب (راجع مجلة كتابات سودانية – العدد الثالث والعشرون – مارس 2003م ندوة الوحدة والتنوع بالسودان30-31اكتوبر2002 .
يَجيءُ نَظرنا للهُوِّية في أحلّك تخبطاتها وزئبقيتها المُنفرطة آنٍ بعد آنْ . فتارة تجنح إلي نقاءِ الأرومة وتارة تُوصف بالهجنّة وفي أحايين اخر سواد أرومة حقة لا تَستَثني في إصطحابها أدني شائبة مِنْ الإقرار بالنُطّفِ الكائنّة في أرحامها المتخلقة كحالةِ من حالات تصالح الذّات وتَرفّع يائس من (توصيف الحالة السودانية ) أو بعض مِنْ سايكولوجيات القهر وإذ نلتمس مُقاربة نَابهة تخلص بوجهها العملي وتقي القوم إِنزلاقات عَطْفات النفس ، تجيء الحاضنات (الهُوِّيويّة) في تفسيرنا لها في أقصي تطرفها كمسوح يتلبسها (رُهبان الدِير) من الحرس القديم حراس الفكرة الأحاديّة .
إذا كانت النعرات العصبيّة حالة من الهشّاشةِ تعتري النفس فتجنح إلي دحض (فريّة) الأحادية في ذاتها ، إلي (التمسك) باجتراحات هُوِّيويّة ومد جذور وأرومة من النقاء كحالة دفاعية داعمة للشعار والمثال المُحتذي مما يُوقع في اللبس والخلط ويَضحي شقاق الفكاك من ربقة الوصف والموصوف كعتق الزيت من الماء أوان (رج) قارورة المخلوط .
الهُوِّية / الهُوِّيات السودانيّة آخذة شكل الزئبق بكامل تداخلاته الإبستمولوجية فأن تصف زيداً أو عبيد بمحددات (هوِّيوية) هي جِماع لعادات و تقاليد وعرف يضحي مِنْ الصعوبة في ظل التّشكّلات المستمرة والتخلقات المتحولة آن بعد آن وجماع عوامل اللغة / اللغات أو حتي المعتقد كرابط تُمفصل علي غراره فئة بعينها وإذا كان ذلك كذلك يُعد في الأساس فعلٍ غير دقيق يَفتقر إلي المنهجيّةٍ وحدّة البصر .
الهُوِّية أضحت هاجس (فَلقْ دماغ) علي نطاقٍ أوسع من رقاع المليون ميل لهجة مربعة في ظَلَّّ صِدام الحضارات ونهاية الأيدلوجيات لا التأريخ كما أنها أضحت من الخطورة بمكان إذ أصبحت قاب قوسين أو أدني من كونها (حمّالةا وجه) وتََحمّلها العبء الأكبر من دافع Motive لأتون محرقة الكون .
يحتاج الأمر لرتق حالات التفكك المجتمعي Social Disassociation ولعل هذا ما حدا بالكثيرين للعودة (للحاضنة القبلية) بوعي تفسيري ثقافوي (جاهز) ومن ثَمّ مسح شعرة جلد القوميات الآخذة في عودتها للحاضنة القبلية لا محال .
الإسْتِعاضة بالحاضنة الأسريّة وِمنْ بعد الحاضنة القبلية لتأتي الحاضنة الوطنيّة في ذيل القائمة لهو أمر فيه مدعاة للنظر والوقفة المتأنيّة والمتأملة في آن .
لذا جاءَ طرحنا للإنسانويّة كهُوِّية تتّأسس علي إنسانية الانسان السوداني ..وقراءة الإنسانويّة – pan Humanitariansفي مظانِها. تشي دلالة العنوان بما يَنطوى عليه المبحث قياساً هناك الحركة الإنسانيّة تتخذ الإنسانويّة شعاراً وُممارسة تنهض الحركة الإنسانيّة على ما تُؤمن به(إن الإنسان قادر على تحقيق ذاته عن طريق العقل لا الدين). إذا الإقرار بإنسانية الفرد على أساس (العَقْل) بعيدا عَنْ تصاوير التمييز المتعارف عليها ضمنا. وصولا لمبدأ فاعليته (دعه يمر … دعه يعمل Laisser Passer – Laisser faier.) .
بهذا الإنسانيّة حَق وواجب، هي فلسفة تقتضي التعاقد على الهُوِّية على أساس من الخبرة البشرية ،والحياة الإنسانية العريضة وفي كُلِّها الإجمالي , لا تنهض على الفصل بين الإنسان/ الفرد وإحالات (الهُوِّيه الميتافيزيقيا) كأن تقوم على أساس الدين أو العرق/ الإثنية . وهنا يعد المكون الأساسي والعنصر المهم الإنسان وإنسانيته إعلاء مِنْ شأن (العقل).
إذْ لا يَستقيم منطقاًً أخذ المَرء بشىءِ ليس له فيه يد مثل اللون الأرومة , حدوده الجغرافيّة, والديمغرافيّة , تكوينهِ الأنثروبولوجي , وحتّى تَكوينه البايلوجي , كمحصلة لجينات Genetics وضعت نُطفة في رحمَ الغيب.
وحسبما يُشير التقرير العام لمنظمة الأمم المتحدة The United Nations Educational, Scientific, and Cultural Organization الموسومة إختصاراً بـ(UNESCO) بشأن التنوع الثقافي عبر دلالات(الأنثربولوجيا) وحدود العلم. تلخيصاً أو إجمالا لا تُعد العناصر الوراثيّة مُحدد أساسي(للتنوع الثقافي) و ( التنوع الثقافي المتحقق ) لمجموعات إثنية مختلفة شرح سمة ثقافية ما تحتاج لإخضاعها للتجربة, كل إثنيّة على حِده.
فضلاً إن المعرفة العلميّة المتاحة تتأسس على الاعتقاد بأن الفطرة الإنسانية واحدة ومُوحدة. وكَذا الذكاء والمشاعر والطموح وبما أن حدوس العلم وتكهناته تذهب إلى إعلاء إنسانية الإنسان وكرامته فلما لا تتأسس رؤانا للهُوِّية بنظرٍ علمي ينأى عن إنزلاقات العواطف والعصبية. وبرأيِّ أن الاتفاق على أس يشي إلى(هُوية الإنسان السوداني) على غرار الإنسانيّة يُعد في الأساس امتداح ضمني وإقرار داخلي بهُوِّية مقترحة. تَتّنزه عن العصبية المناوئة . والراجح حتى الغُلاة من الطرفين ودُعاة حسم العنصر بأحادية يعد التمسك(بإلانسانويّة) كهُوية وقاية لهم من (الوهن الفكري) المتمسك بعصبية مفردة لا تصب في خانة المجموع. في ظل العولمة وسائط التكنولوجيا (الفاضحة) للمتوقع العرقي والنزوع القبلي. واتجاه العالم لطرح هوية كونية تنتمي إلى إنسان الحضارة نبذا للقبلية والعصبية وللاستيعاب الجمعي في المنظومة (الكونية) GLOBALIZATION على أساس (الآدمية) … وإنسانية الإنسان السمحاء. إذاً إنسانية الإنسان السوداني كتعريف (هويوي) هو في الأساس خيار ثقافي. ومفاصلة فكرية لا مناص من الأخذ به في ظل (حمى التجدد والتبدل) مرتفعة الثيرميا وعالية التوتر. والإنسانية تجاوز للتجنس والتمترس عند حدود مسألة الأصل والنوع, وطرح البعد الإنساني والاستفادة منه كأقصى ما يكون التوصيف لحالة الوطن الممعن في تمزقه
اقتراح الهوية السودانية وتحقيق الذات السودانية على أساس إنسانوى؟ من ثم(الدولة السودانية الإنسانية) ليس بحلم مناف للواقع. فعبر تعبئة الفرد السوداني بمعان محتملة التحقق وممكنة أساسها الفاعلية والإنتاج على ضوء إنسان واعٍ خالي من بثور الأمية والجهل ولعل الشاهد أن ما يقعده من ان يتطور,اي الانسان السوداني هو تلك المثبطات – أمية وجهل – في إعاقتها التنمية وحرمانه من فاعليته.
وصيغة الإنسان السوداني تسع كل أماني الوطن وتوقه. ومن ثم لا مكان لاحتمالات الردة وأشواق الصابئة القائلين بنقاء الأرومة وصفاءها ( وحق القول مشروع) لا يعدو أن يكون محض نقص ينزع للكمال وشعور كامن متأصل بالضعف (الداعين) لتنكير الذات السودانية واتباعها بنعوت النقصان والتحقير(ما هو إلا انسحاق ذاتي) نبرره ونسوغ له بكثير من الصلف بمن هم بعض جزء منّا ومِنْ أرض الوطن.
إذاً يضحي التصدي لإنسانية الإنسان السوداني بالمجابهة العقلانية وترسيم الخطى بوعي يعد المخرج الأوحد من مأزق الانقسام والاحتراب وشقاق التعايش.لان الوقوع في(حبائل) توصيف الهوية على أساس العرق يحرم السودان من فرصته الحقيقية في النهوض وبسط التنمية على أثر الحضارة والتقدم.
على مستوى الدين ينبغي أن يكون التعايش والتسامح سمة غالبة حتى نفوت الفرصة عل الذين يصفون مآلات العالم من منطلقات (حرب العقائد) و (صراع الحضارات) لا الرؤى لان الأخيرة في اختبار دائم لنفسها وبحث دؤوب عن صيرورتها.


