
“بشاغلهم بعيوني
بريد البريدوني
أنا ببكي بدمعة
عشان خاطرك يا سمعة”
كانت الساعة تشير إلى الرابعة عصراً، في خريف كادوقلي الممطر، وهو الموعد الذي تبدأ فيه فرقة موسيقى الشرطة حفلها؛ تلك الفرقة التي كثيراً ما تمزج بين الانضباط وارتجالات يفرضها سحر الطبيعة، فتولد مقاطع موسيقية كأنها خرجت من رحم الغيم والمطر.
في تلك الأيام، كانت كادوقلي مدينة تتنفس فناً؛ كأنها رحم واسع احتضن الغناء والمسرح والشعر والتشكيل وحتى الرياضة. بل إن حتى “مجانينها” كانوا، بطريقتهم الخاصة، يقدمون فناً لا يشبه إلا نفسه.
في ذلك المساء، علا صوت “رقية”، يخترق السحاب ويملأ الفضاء. كان صوتها إعلاناً عن ليلة مميزة، ليلة “دخلة”، تتعانق فيها روائح البيوت وأبخرة الطهي مع إيقاع الخميس المنتصب في الذاكرة. كنا أطفالاً، نحاول أن نفهم أسرار الجسد والروح، بينما الطلح صامت، لا يجيب عن أسئلتنا العابثة.
كانت رقية فاتنة، بصوت آسر، تجيد أغاني الدلوكة، وتغني وكأنها تتحرر من كل القيود. حين تصدح، تبدو كأنها تغني لنفسها أولاً، فتطرب ذاتها، ثم تسكرنا جميعاً بدهشة الفرح. كنا نختلس السمع لصوتها، محمّلاً بالشجن والحنين:
“حبيبي تعال… تعال نتلم
ما دام الريد اختلط بالدم
أنا ذنبي إيه… شيلوني الهم”
في تلك الأيام، لم يكن الحب فعلاً يُمارس، بل لحناً يُعاش. كان الحبيب فكرة، صوتاً، همسة تختبئ بين إيقاعات الدلوكة. وكانت نظرة واحدة، أو حركة شفاه، أو هزة كتف، كفيلة بأن تحمل رسالة كاملة.
كنا ثلاثة: يوسف، ويوسف آخر، وأنا إيهاب. تجمعنا مغامرات الحب، وخيباته أيضاً. كتبنا خطابات طويلة، بعضها يصلح لإحياء الموتى، لكنها كلها فشلت في اختراق قلوب من حبيباتنا
.
في حي “كليمو”، كانت هناك ثلاث فتيات، كأنهن خُلقن خارج قوانين الجمال المعتادة. لكل واحد منا واحدة سكنت قلبه: (س)، (م)، (ن).وفي مساء حالم، قرر يوسف أن يضع حداً لمعاناتنا. جاءنا ونحن نستعد، بملابسنا الأنيقة – بناطيل “البوكي” وقميص “مارادونا” – يحمل في يده “عرقاً” نباتياً، ملفوفاً بعناية، ومعه وصفة سحرية.
قال بثقة:
– “الليلة بجيب ليكم خبر البنات ديل!”
سألناه بدهشة:
– “كيف؟!”
رد:
– “مشيت للفكي أبوسروال… أداني عرق محبة. قال لي أمضغو وأقول اسمها… على طول تحبني!”
تحمسنا للفكرة، وأخذ كل منا نصيبه من “العرق”، ثم توجهنا إلى الحفل، ننتظر لحظة اللقاء.
تفرقنا في المكان، كلٌ منا غارق في خياله، يرسم مشهد الاعتراف والقبول. فجأة، ظهرت الفتيات، يمشين بخفة كأنهن حمام. بدأ كل منا تنفيذ “الوصفة” بدقة.
كنت أردد اسم (س)، وأنا أمضغ العرق، أرفع صوتي قليلاً، منتظراً المعجزة. انتبهت إليّ، وأشارت إلى نفسها بدهشة:
– “أنا؟!”
لم أجب. تركت الأمر للسحر. اقتربت مني، واقتربت معها أحلامي. شعرت أن الأرض تميد بي، وأن اللحظة أصبحت حقيقة.
اقتربت أكثر… حتى صرنا وجهاً لوجه.
وقبل أن يكتمل المشهد…
(طااااخ!)
صفعة قوية أعادتني إلى الواقع، مع تلك الحركة المعروفة: شفاه لأعلى وأسفل، وهزة كتف تؤكد انتصارها… وانكسار وهمي.
التفتُ إلى يوسف، مذهولاً، وسألته:
– “متأكد يا يوسف… الفكي أبوسروال دا اداك عرق محبة… ولا عرق كف؟!”
