
السودان بلد عانى من الصراعات منذ الاستقلال، وأغلب مشاكله تدور حول العرق والدين والطبقة الاجتماعية والثقافيه، مع أن الحلول معروفة، إلا أن الناس يرفضونها لمجرد اسمها، لا لفكرتها. مثال واضح على هذا هو “العلمانية”، التي يرفضها الكثيرون كمصطلح، لكنهم يرقبون ان يعيشو تحت مظلتها في كثير من تفاصيل حياتهم دون أن يدركوا ذلك فالحقيقه لا أحد يرضى ان يعيش في دوامه التمييز على اساس العرق او الدين أو الثقافه وهذا ما تصبو عليه العلمانيه كفعل.
التمييز في السودان: مشكلة قديمة مستمرة
السودان مليء بالتنوع العرقي والديني، لكن بدلًا من أن يكون هذا التنوع مصدر قوة، تحول إلى سبب رئيسي للصراعات. هناك دائمًا فئات تشعر بالتهميش، سواء بسبب العرق أو الدين أو الطبقة الاجتماعية، واخرى تتمتع بكل الامتيازات وبدلًا من أن تسعى الحكومات المتعاقبة لإيجاد حلول عادلة، استغلت هذه الفروقات لتعزيز سلطتها، فأصبحت الدولة تدور في دائرة مغلقة من النزاعات والتمييز وعدم الاستقرار، لذلك نرى أن العلمانية هي الحل الذي يخشاه البعض لأنها ببساطة تعني أن الدولة تتعامل مع جميع المواطنين على قدم المساواة دون تمييز ديني أو عرقي لكنها في السودان صوروها الاسلاميين على أنها خطر يهدد الدين، رغم أنها في الواقع لا تعادي الدين، بل فقط تفصل بينه وبين السياسة حتى لا يُستخدم في التمييز أو السيطرة وهذا ما يشوه الدين نفسه، لو طُبقت العلمانية كما يجب، لحصل الجميع على حقوقهم دون الحاجة لصراعات مستمرة حول الهوية والانتماء.
نمارس العلمانية دون أن نعترف بها
المفارقة أن السودان يطبق الكثير من جوانب العلمانية دون أن يسميها بذلك، حتى في ظل الحكومات التي رفعت شعارات إسلامية،ظلت بعض قوانين الاقتصاد (البنوك) والإدارة والتعليم تتبع نماذج مدنية أكثر من كونها دينية والناس أنفسهم يتعاملون وفق قوانين مدنية في التجارة والعقود وكثير من المعاملات، لكن بمجرد سماع كلمة “علمانية”، يرفضونها دون تفكير حتى، وهذا يقودنا لسؤال جوهري لماذا يكره السودانيون اسم العلمانية؟
هناك أسباب كثيرة لهذه الحساسية تجاه المصطلح، لعقود طويلة، عملت الأنظمة السياسية والجماعات الدينية على تصوير العلمانية وكأنها ضد الدين تمامًا، فربطوها بالإلحاد والانحلال الأخلاقي والإعلام والمناهج الدراسية عززت هذا التشويه، حتى صار الناس يرفضون العلمانية كاسم، رغم أن البعض يعيشها فعلا، وايضًا، لم يُتح للسودانيين فرصة واحدة لفهم العلمانية بشكل صحيح، لأن النقاش حولها غالبًا ما يكون مشحونًا بالعاطفة بدلًا من المنطق. وهكذا، تحولت إلى معركة وهمية بين “الدين” و”العلمانية”، بينما المشكلة الحقيقية هي التمييز وعدم العدالة.
وللخروج من هذه الدوامة حسب فهمي البسيط أرى الحل في عدم الخوض في اي جدل حول الأسماء، والتركيز بشكل جاد على الأفكار التي تحقق العدالة للجميع. يمكن أن نسميها “علمانية”، أو “مدنية”، أو أي اسم آخر، المهم أن يكون لدينا نظام يحترم الجميع دون تمييز. السودان يحتاج إلى دولة تضمن حقوق كل فرد، وتتعامل مع الجميع كمواطنين متساوين، وليس وفقًا لانتماءاتهم العرقية أو الدينية، وايضاً بدلًا من الخوف من المسميات، علينا أن نسأل أنفسنا، هل نريد دولة عادلة تقوم على القانون أم لا؟ إذا كان الجواب نعم، فالأهم هو تحقيق هذا الهدف، بغض النظر عن الاسم الذي نطلقه عليه.


