مقالات واراء

الجميل الفاضل يكتب: كيف نُشغّل بطاريات الدعاء في أزمنة المحنة؟

تأتي على الإنسان، وعلى الشعوب، ساعاتٌ ينطفئ فيها كلُّ ما حولها، كأنَّ التيار انقطع عن العالم بأسره.
تتداعى الأسباب، تُغلق الأبواب، تدور الأيدي في الهواء، ويبدو الطريق كأنه لم يُخلق بعد.
هناك، في مثل هذه اللحظة، حين تعجز اليد عن بلوغ ما تريد، وتفرغ خزائن الأرض من مفاتيحها، يظل في الإنسان شيءٌ لا تناله العاصفة: هو «الدعاء».
كأن الله أودع في أعماقنا بطاريةً لا تعمل بالكهرباء، ولا تنفد بشحوب الأيام؛ بطاريةٌ اسمها: «يا رب».
لكننا كثيراً ما نخطئ قراءة الدعاء؛ نظنه زرّاً نضغطه، ثم ننتظر أن تأتي الإجابة بالصورة التي رسمناها، وفي الساعة التي عيَّناها.
فإذا تأخرت، ظننا أن هذا الباب مُغلق.
وما درينا أن الدعاء، في أعمق معانيه، ليس مجرد طلبٍ من السماء، إنما هو، في حقيقته، طريقُ عودةٍ إلى السماء.
ليس المهم دائماً ماذا قلتَ لله، بل ماذا حدث لك وأنت تقول: «يا رب».
فقد تكون الإجابة الأولى أن يُرَدَّ قلبك إلى ربه.
وقد لا تأتي الإجابة نسخةً من أمنيتك؛ تأتي دفعاً لشرٍّ ما، أو تأخيراً في الجواب لحكمةٍ يعلمها الله، أو فتحاً من بابٍ لم يخطر لك على بال.
نحن نرى اللحظة، والله يرى المآل.
نحن ندعو من داخل أزمتنا، والله يدبّر شأن الأزمة كلها.
لذلك، فليس كل بابٍ أُغلق في وجهك حرماناً، ولا كل تأخيرٍ خذلاناً.
كم من بابٍ تمنيناه، وكان يقبع وراءه ما لا نحتمل.
وكم من منعٍ حسبناه قسوةً، ثم اكتشفنا، بعد انقضاء السنين، أنه كان رحمةً تمشي إلينا متخفيةً في ثوب المنع.
لكن كيف نُبقي هذه البطارية مشحونةً عندما تطول المحنة؟
ربما أول شحنها هو أن نُلحَّ في الدعاء.
لا إلحاحَ من يساوم، بل إلحاحَ من عرف أن له رباً لا يملُّ من سماع شكوي عباده.
ثم أن نطهّر السلك، وإلا، فما جدوى كثرة النداء إذا كانت اليد تظلم، واللسان يؤذي، والقلب يضمر الغل؟
فالدعاء لا يخرج من تحت اللسان فقط؛ إنه يحتاج كذلك إلى قلبٍ تخفَّف من قاذورات النفوس وأسخامها وأوساخها.
وقبل ذلك كله، يأتي السر الأكبر: سر الافتقار، أن تسقط عن نفسك قليلاً، وتسقط عن «الأنا» أثقالها، حتى لا يستقر في وجدانك سوى معنى واحد: أنا لا أملك، وأنت تملك، أنا لا أعلم، وأنت تعلم، أنا لا أرى ما وراء الباب، وأنت ترى.
عندها لا يعود الدعاء صراخاً في الليل، إنما يصبح جلوساً في حضرة النور، ولو كانت الأرض من حولك لا تزال مظلمة.
ومن هنا تبدأ أصعب مراحل الدعاء: مرحلة الانتظار، فالإنسان قد يحتمل لحظة الطلب، لكنه يتعب جداً في المسافة بين الطلب والإجابة.
يريد للغيب ساعةً، وللقدر جدولاً، وللفرج موعداً مختوماً.
غير أن الحياة لا تُعاش هكذا في غرف الإنتظار.
المهم أن تدعو، ثم تقوم؛ تبكي بين يدي الله، ثم تمسح دمعتك وتزرع؛ تطلب الفرج، ثم تُطعم جائعاً؛ تنتظر رحمتك، ثم تكون أنت نفسك رحمةً لغيرك.
فربما كان العمل هو بالضبط، الذي ستفعله وأنت تنتظر جزءاً من الإجابة التي تنتظرها، إذن فلا تجعل حياتك معلقةً على بابٍ واحد.
فقد يكون الفرج أن يُفتح الباب، وقد يكون أن يُفتح قلبك، وقد يكون أن يُفتح لك طريقٌ لم تكن تراه أصلاً.
إذن، دع لله طريقة الوصول، وما عليك حينها إلا أن تدعو، وأن تسعى، وأن تحفظ قلبك من اليأس.
أما كيف يأتي الفجر، ومن أي شقٍّ في جدار الليل، فذلك شأن الفجر.
وما أكثر ما جاء الفرج من حيث لم نضع له نافذة.
لهذا، في أزمنة المحنة، لا تسأل فقط: متى يُستجاب الدعاء؟، اسأل أيضاً: ماذا يفعل الدعاء بي وأنا أنتظر؟
وقد تُطفئ المحنة ما حولك، كي تكشف ما أودع الله في داخلك.
وربما كان انقطاع الكهرباء عن العالم هو اللحظة التي تكتشف فيها أن في الروح مصدراً آخر للنور.
عموماً، فلا تُطفئ بطاريتك باليأس؛ لكن اشحنها بالذكر، وبالإلحاح، وبالعمل، وبالرحمة، وبحسن الظن بالله.
ثم امضِ، فالعبد لا يملك أن يأمر الفجر بموعده، لكنه يملك أن يظل واقفاً باتجاه قبلة الشروق.
وقد يطول الليل، لكن الليل، مهما طال، لا يملك أن يمنع بزوغ الفجر.
فالفجر لا يحتاج إلى إذنٍ من العتمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى