
في هذا المثلث، أنزل، هنا، والآن، لأطور أنات الجدار، أطورها، لنبتعد عنه شبر لشبرين أو متر لمترين، وفاء لنصح جنرال الأسابيع اللا نهاية العقيمة، أسابيع “ياسر العطا” التي ستفضي لا محالة الي مائة عام من العزلة توعدنا بها.
إذ أن مدي الرؤية في مثل هذه الصخور والجبال، لا يقاس كما في الرمال ببعد في المسافة، ولايقاس كذلك علي مد البصر القاصر في مداه.
مدي الرؤية يقاس الآن بمدي القدرة علي النفاذ الي ما وراء جدار “العطا” نفسه، جدار “السودان القديم” الذي هو آيل للسقوط لا محالة علي شارع هذا الزلزال الطويل.
فميزان القوة في مثل هذه الحروب لا يتبدل علي الأرض، بل يتبدل أول ما يتبدل داخل العقول والاذهان.
حيث بدا كأن أوان الخروج من لعبة الاختباء قد آن، إذ أن وردة شاعرنا “ود المكي” تفتح الآن أكمامها، تلد بستانها، تخرج غابة من بين أغصان شجرها، يحلق الآن بالافاق فينيق كان بجوف حريقها، يقطر عسل بري من عين رحيقها.
إنه الطوفان، ولا عاصم اليوم من هذا الطوفان، فقد إندلع الحريق، وتجاوزت القافلة منعطف الطريق، إذ لم يعد ثمة حريق يكمن في الشرر، ولا صدفة لا زالت تنطوي علي صدفها، لتباغت الناس بمنعطف هذا الطريق نفسه، الذي شارف النهايات.
وكما يقول محمود دريش:
“بَعْدَ البعيد بعيدٌ كُلَّما ابتعدا
صارَ البعيدُ قريباً من خطوط يديْ
أُحِسُّهُ وأراهُ واحداً أحدا”.
ويتساءل في المعادلة:
“لو عُدْتُ يوماً إلى ما كان، هلْ أجِدُ
الشئَ الذى كانَ والشئَ الذى سيكون؟”.
ثم يجيب علي نفسه:
“لو عدْتُ يوماً إلى ما كان لن إجدا
غيرَ الذى لم أجدْهُ عندما كُنْتُ”.
بل ويذهب الي أبعد في الذهول قائلا:
“أمر بالشئ كاللاشئ..
لا أجِدُ
الشى الذى يُوجَدْ”.
ليقول بيقين:
“لو عُدْتُ يوماً إلى ما كان، لن أجدا
الحُبَّ الذى كان والحبَّ الذى سيكونْ”.
لكن الادهي، حين يفتش داخل نفسه ذاتها ليسأل في حيرة:
“لوعدُتُ يوماً إلى نفسي فهلْ أجِدُ
النفسَ التى كانت النفسَ التى كانت؟”
قبل أن ينطق بحكمه النهائي:
“قلتُ: الوداع لما يأتى ولا يصلُ”.



