
الطابور الخامس ( Fifth column) مصطلح متداول في أدبيات العلوم السياسية والاجتماعية نشأ أثناء الحرب الأهلية الأسبانية التي نشبت عام 1936 واستمرت ثلاث سنوات وأول من أطلق هذا التعبير هو الجنرال إميليو مولا أحد قادة القوات الوطنية الزاحفة على مدريد وكانت تتكون من أربعة طوابير من الثوار فقال حينها إن هناك طابورًا خامسًا يعمل مع الوطنيين لجيش الجنرال فرانكو ضد الحكومة التي كانت ذات ميول ماركسية يسارية من داخل مدريد ويقصد به مؤيدي فرانكو من الشعب، وبعدها ترسخ هذا المعنى في الاعتماد على الجواسيس في الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكى والراسمالى”
” هذه سلسلة من مشاهد لجراحات المنطقة المؤلمة لحد الفجيعة التي ارتكبت بحق الإنسانية بما يمكن وصفها بجرائم الابادة الجماعية وهى ماتجعل مرتكبيها مجرمين حرب يجب ان يخضعوا لمفهوم العدالة الإنتقالية تأسيسا لانتقال يسهم فى بناء دولة تقوم على الحقيقة والمصالحة , وهذا النوع من الجرائم لايمكن ان يسقط بالتقادم لأن آثار الجريمة هنا مستمرة بإستمرار الآجيال … “
فى العام 1994م تناقلت احاديث المدينة بكادقلي الإختفاء الغامض للاستاذ “عبدالباقي على بابكر” وزميله “الطيب البدوي ابو البشر” من منزل الاخير بحي السوق بكادقلي فى مساء شاحب الغيوم القي بظلاماته على معالم المدينة الموشحة بالسواد
ولد الاستاذ “عبدالباقي على بابكر” بقرية الحويلة بالعسيلات شرق مدينة لحري فى الاربعينات وعمل بالتدريس بالمرحلة الثانوية بعد تخرجه من معهد إعداد المعلمين بام درمان بالعديد من المدارس بمختلف مدن السودان حيث عمل بمدرسة خور طقت الثانوية ثم
مدرسةالخرطوم الثانوية القديمة ثم مدرسة اروما الثانوية بنين ومدرسة مروى الثانوية بنات ومدرسة واو الثانوية بنين ثم أستقر به المقام مديراً لمدرسة عمربن الخطاب الثانوية بنين الدلنج.
وقد اشتهر الاستاذ “عبدالباقي” بين زملائه بطيب المعشر حتى فاض عطائه لمجتمع مدينة الدلنج الذي بادله حباً بحب ووفاءاً بوفاء ، استطاع باسلوبه التربوي ان يكسب تقدير الجميع حتى منح وساماً من مجتمع المدينة الذي نهل من فيض عطائه فقد كان معلما وتربويا مخلصاً لمهنته ووفياً لشعبه .
لعب الاستاذ “عبدالباقي ” دورا عظيما فى الإرتقاء بالعملية التعليمية بالدلنج حتى صار اسمه عنوانا للنجاح والتفوق الأكاديمي وفنحت بذلك اسمه بارزاً على قمم جبال النوبة بطقوسها وكرنفالاتها الشعبية المميزة ، طاب مقام الأستاذ بالمدينة التى تألفت معه واصبح مشيجاً بين مكوناته يضًج اسمه بين حديث مجتمعاتها بالتقدير والإحترام ، إذ كان بجانب إنه استاذاً الإ إنه كان ” اباً” رحيما وعطوفا بتلاميذه الذين بادلوه عطفاً بإحترام تجاوز جغرافية الجهة ومتناقضات اللون والقبيلة لمدينة رضعت من ثدي معهد إعداد المعلمين وعياً وثقافةً اجتازت حيز المكان لتتسع بدواخلهم مساحة الوطن وجغرافية أنسانه.
ولأن الاستاذ “عبدالباقي ” كان حميماً وهميماً بقضايا وحقوق المعلمين اختارته لجنة المعلمين لمتابعة إستحقاقاتها بكادقلي ووقتذاك كان المعلمون يشتكون من الضيق بسبب عدم صرف رواتبهم لما يقارب الـ” عام” بسبب تجويه الحكومة لوزارة المالية بتجنيب المرتبات لصالح دعم الجهاد الذي اعلنته هيئة علماء السودان عبر فتوي شهيرة بالابيض ضد شعب النوبة واصبح الموظفين والمعلمين يقدمون خدماتهم ويتقاضون نظيراً عنها ” جزاكم الله خير”.
هذه الاوضاع المزرية دعت المعلمين لتشكيل لجنة من المهمومين بقضاياهم والمناصرين لحقوقهم فتم إختيار الاستاذ “عبدالباقي علي بابكر” والذي شدا الرحال فى صبيحة يوم الخميس الموافق 1994/8/13م الي كادقلي ونزل بحي السوق بمنزل صديقه الطيب بدوي وفي حوالي الساعة الثانية عشر ليلا جاءت مجموعة من الإستخبارات العسكرية يرتدون “زياً” مدنيا ويحملون اسلحة كلاشنكوف فقاموا بإقتحام المنزل وإرهاب من بداخله تحت تهديد السلاح ثم أقتادوا الاستاذ عبدالباقي وزميله الى حامية كادقلي والتى لم يعودا بعدها حتى الان.
يقول إبن الأستاذ “عبدالباقي يوسف ” فى إفادته الى لم نترك جهة لها علاقة بموضوعنا إلا وذهبنا إليها ، من رئيس الجمهورية عمر البشير وحتى المنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان ، وآخر خطاب قدمناه كان إلى مركز الخرطوم الدولي لحقوق الإنسان بتاريخ (29/1/2012م) وذكرنا فيه القصة بأكملها كما تم فتحنا بلاغ جنائي بقسم شرطة كادوقلي بالنمرة (3433) وتحت المادة (162/174) بتاريخ 1994/8/15م ولكن للأسف لم يصل إلى أي شيء .ثم رفع مذكرة إلى رئاسة الجمهورية وقامت الرئاسة بدورها بتحويل المذكرة إلى مدير المكتب التنفيذي بوزارة الداخلية بتاريخ 1996/3/2م واخيراً تم رفع مذكرة وخطاب إلى هيئة المظالم والحسبة العامة بتاريخ 2009/12/31م بالرقم (هـ م ح ع م 2560) ، واضاف يوسف وانه يشعر ان هنالك قصورا واضحا وغموضا شديدا في هذا الموضوع وهل والده مازال حى أم فارق الحياة ؟ مؤكداً ان الاسرة قامت ، باعلان شرعي بالحكم بالوفاة حسب ما ينص عليه القانون ، وذهبت إلى الوزارة وصدقت لها بمعاش قيمته (178) جنيها تصرفه من معاشات ولاية الخرطوم.
وبحسب إفادات سابقة لافراد بالإستخبارات تحدثت اليهم عن المفقودين افادوا بأن المقبوض عليهم بتهمة الطابور الخامس يتم ” تفسيحهم” بعد يوم من القبض عليهم بخور العفن عبر قوة تعرف وسطهم ب”ملائكة الموت” وإنهم من شدة ولعهم بالقتل اصبحوا لايتورعون فى التصفية لمجرد الإشتباه او المعلومات التى ترد اليهم من المصادر بالاحياء حول تحركات الافراد.



