مقالات واراء

يظل التزام الإمارات العربية المتحدة بمستقبل السودان قويا

أنور قرقاش

لأكثر من خمسة عقود، ارتبطت الإمارات العربية المتحدة والسودان بعلاقات وثيقة، تجمعهما روابط تجارية وثقافية وصداقة عميقة. منذ تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة عام ١٩٧١، تبادل البلدان السلع والأفكار والاحتفالات. استثمرت الإمارات العربية المتحدة في السودان، موّلت الزراعة والمياه النظيفة، ودعمت وخلقت فرص عمل من خلال الاستثمارات التجارية. واليوم، تقف الجالية السودانية الكبيرة والمحترمة التي تعيش في الإمارات شاهدًا على هذه الصلة الراسخة.

على مدار تاريخ السودان المضطرب، شهد حروبًا وانقلابات، لطالما كانت الإمارات العربية المتحدة حاضرة لمساعدة ودعم الشعب السوداني. وللأسف، أعادت الحرب الأهلية التي اندلعت في أبريل 2023 رسم ملامح واقع السودان، جالبةً الموت والدمار والمعاناة الهائلة لشعبه. على مدى عامين تقريبًا، عملنا بلا كلل مع شركائنا للمساعدة في تخفيف وطأة هذه الكارثة، في محاولات متضافرة لتجنب الحرب بعد الإطاحة بالحكومة المدنية، ثم دعمنا المفاوضات، وقدمنا ​​المساعدات، وحثثنا الطرفين المتحاربين مرارًا وتكرارًا على وقف القتال والسعي إلى حل سياسي.

التزامنا بالسلام يتجاوز الكلمات . على مدار العقد الماضي، ساهمت الإمارات العربية المتحدة بأكثر من 3.5 مليار دولار أمريكي كمساعدات إنسانية للسودان، ومنذ بدء النزاع، تجاوزت هذه المساعدات 600 مليون دولار. علاوة على ذلك، كان صوت الإمارات العربية المتحدة من أنشط الأصوات في تسليط الضوء على آثار هذه الحرب على المدنيين الضعفاء. كما تعاونّا مع الدول المجاورة لتعزيز الإغاثة الإنسانية، وجمعنا جهات دولية فاعلة للدفع نحو حل سلمي.

تجلى هذا مؤخرًا في المؤتمر الإنساني الذي استضافته الإمارات العربية المتحدة بشأن السودان في أديس أبابا ، والذي عُقد على هامش قمة الاتحاد الأفريقي، بمشاركة إثيوبيا والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد). اجتمعت دول عديدة للدعوة إلى وقف إطلاق النار خلال شهر رمضان، ولتأكيد التزامها بمستقبل السودان. وفي هذا المؤتمر، وجّه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش رسالةً واضحةً مفادها: يجب على العالم أن يتحرك – بشكل عاجل وحازم – لمساعدة شعب السودان على الخروج من هذا الكابوس. ونحن نتفق تمامًا مع هذا الرأي، ولذلك يظل سعينا الدؤوب لوقف إطلاق النار ثابتًا.

هذا الالتزام جزء من رؤيتنا الراسخة لتعزيز السلام والازدهار والشراكة والتنمية الاقتصادية المستدامة في جميع أنحاء أفريقيا. وقد لعبت الشركات الإماراتية دورًا حيويًا في ربط القارة، من خلال بناء الموانئ، وتوسيع شبكات الطيران، وتمويل مشاريع البنية التحتية الكبرى. وقد ساهم تعاوننا مع الشركات الأفريقية في خلق فرص عمل، وتعزيز الابتكار، ودعم برامج التدريب والتعليم للشباب الأفريقي. لقد بنينا معًا علاقات دبلوماسية وتجارية متينة، ووطّدنا الروابط الأخوية في جميع أنحاء القارة. واليوم، تُعدّ الإمارات العربية المتحدة من بين أكبر المستثمرين في أفريقيا، بإرث من التعاون يمتد لأكثر من 50 عامًا. هدفنا واضح: نريد أن تزدهر أفريقيا والشرق الأوسط معًا.

إن تصرفات الحكومة السودانية، بقيادة القوات المسلحة، الهزلية أمام محكمة العدل الدولية ليست سوى لعبة سياسية وخدعة دعائية ، محاولةً لجر صديقٍ عزيز للسودان وأفريقيا إلى الصراع الذي أجّجته بنفسها. يأتي هذا في أعقاب تصرفات القوات المسلحة السودانية السخيفة أمام مجلس الأمن الدولي، والتي بُنيت بالمثل على افتراءات وأكاذيب وخرافات.

لا مجال للالتباس: القوات المسلحة السودانية هي أحد الطرفين المتحاربين. بعد استيلاء الجيش على السلطة في أكتوبر/تشرين الأول 2021، وإطاحة الحكومة الانتقالية المدنية التي عرقلت عملية الانتقال التي يقودها المدنيون في السودان، لعبت دورًا محوريًا في الصراع وعدم الاستقرار الذي تلا ذلك. وقد ساهمت أفعالها بشكل مباشر في تعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي، مما أكد عدم شرعيتها في نظر المجتمع الدولي. والإمارات العربية المتحدة جزء من إجماع دولي عندما تنظر إلى القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع كطرفين متحاربين.

إذا سعت القوات المسلحة السودانية حقًا إلى السلام، فالطريق واضح: الجلوس إلى طاولة المفاوضات التي سبق أن مُددت من خلال إعلان جدة ومجموعة جبال الألب، وغيرها. يمكن لهذه الحرب أن تنتهي اليوم إذا وافق الطرفان على فك الارتباط وقبول عروض الحوار المتكررة التي قدمها المجتمع الدولي والشركاء الموثوق بهم.

الحقيقة المأساوية هي أن الرصاص والقصف اللذين يقتلان المدنيين السودانيين الأبرياء يُطلقان من قِبل قوات كلٍّ من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. ومما يُثير الأسى أكثر سماع تقارير عن استخدام القوات المسلحة السودانية للأسلحة الكيميائية خلال هذا الصراع، وعلى مر تاريخ السودان.

في الوقت نفسه، تُقدّم الإمارات العربية المتحدة الأدوية والغذاء والمأوى والمساعدات الإنسانية . ورغم حملات التضليل المستمرة، فإننا لا ندعم أو نُقدّم أي دعم لأيٍّ من الطرفين. نُدين بشدة الفظائع التي ارتكبها الطرفان، وندعو إلى وقفها فورًا. ونظل ملتزمين بتنمية أفريقيا وازدهارها. وسيستمر دعمنا للاجئين الأبرياء الفارين – من المستشفيات إلى المخيمات في جنوب السودان وتشاد، والتي أُنشئت بالتعاون مع حكومتيهما.

والأهم من ذلك، سنواصل القيام بكل دور بناء ممكن للمساعدة في إنهاء هذه الكارثة الإنسانية والحرب العبثية. يستحق شعب السودان أكثر من مجرد البقاء على قيد الحياة – يستحق مستقبلًا مبنيًا على السلام والكرامة. يجب ألا نغفل عن ذلك. التزامنا تجاه هؤلاء الناس، وليس تجاه الأطراف المتحاربة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى