
على الرغم من مرور أكثر من 150 عاماً على رحلة الرحالة ناختقال لبعض ممالك بلاد السودان القديمة (برنو، باقرمي، تمبكتو، ودّاي ودارفور) والتحولات الكبيرة التي حدثت بتلك المناطق والمجتمعات مع حقبة الاستعمار، ومن ثم الدول الوطنية بعد الاستعمار، إلا أن كتابات وقراءات ناختقال تظل في غاية الأهمية، لأنها تساعد في معرفة جوانب كثيرة من حياة تلك المجتمعات في تلك اللحظة. وهذه قراءة اطلاع وتلخيص لأوصاف وأحداث مهمة من الكتاب وفقاً لتقديري الشخصي.
وُلد ناختقال، مؤلف كتاب الصحراء وبلاد السودان، في سكسونيا في 23 فبراير 1834م، وعمل طبيباً في الجيش البروسي، وتقاعد في العام 1862م بسبب المرض، وبعدها أقام في تونس وعمل طبيباً وتعلم فيها اللغة العربية، ومن ثم كُلّف للقيام ببعثة إلى كَيكُوة عاصمة برنو شمال نيجيريا الحالية على بحيرة تشاد. قام ناختقال بتأليف مجلداته باللغة الألمانية، تناول فيها رحلته من طرابلس، وعبر (فزّان) جنوب غرب ليبيا إلى إقليم (تبستي) الواقع حالياً في ليبيا وتشاد والنيجر، ومن ثم إلى برنو، حيث قدّم هدايا الملك البروسي إلى السلطان، ومنها إلى سلطنة باقيرمي في تشاد، ثم إلى تمبكتو بدولة مالي الحالية. ثم يسرد الجزء الأخير عن رحلته من ودّاي في شرق تشاد إلى دارفور والأُبيض والخرطوم. تُرجمت أعمال ناختقال من الألمانية إلى اللغة الإنجليزية بواسطة (ألن ب. فيشر وهمفري ح. فيشر)، وقام بتعريب رحلة إلى ودّاي ودارفور الأستاذ سيد علي محمد ديدان.
أولاً: الرحلة إلى ودّاي
1. من كَيكُوة بدار بَرنُو إلى أبَّشي بدار ودّاي
ينطلق ناختقال من كيكوة من بلاد برنُو في رحلة إلى مملكة ودّاي من (1 مارس إلى 16 أبريل 1873م)، وعلى هامش صفحات الكتاب يوضح الكاتب ديدان أن كيكوة ظلت عاصمة برنُو إلا أن غزاها السلطان رابح فضل الله السوداني في 9 مايو 1893م، ولانعدام الماء وبناءً على نصائح مستشاريه نقل العاصمة إلى دَيكّوة. لقد قدم ناختقال وصفاً تفصيلياً للمناطق وتضاريسها وطبيعة سُكانها وأشكال ووسائل التبادل التجاري للبضائع، لتبدأ رحلته من برنو ويمر بمناطق ودار الكَتكو وقبيلة المكاري في (قولو) وقري (موقلام) وأولاد صالح التي تسكنها مجموعات عرب الشُوا (الشُوا تعني العرب بلغة البرنو) وعرب أولاد بوخدر وعرب دقينة، ويقدم أوصافاً دقيقة للأودية ومناطق تجمع المياه التي تسمى بـ (الرِجِل)، والأنهر الكبيرة (لوقون – شاري – بحر الغزال) وهي جميعها تتجمع لتصب في بحيرة تشاد، وقدم وصفاً لطبيعة التربة وتنوعها من طينية، رملية وجبلية بكل المناطق على طريق الرحلة، ونوعية الأشجار كالطلح والكَرنُو والهشاب والسَرح، وأنواع الطيور كالبط وأبو سِعن وأبو منجل والغرنوق، والمحاصيل الزراعية كالدخن والذرة الشامية وثمار شجرة السدِر ذات الحجم الكبير والتي تسمى بالكَرنو، والسمك المجفف، وأن المنطقة تتميز بانتشار الجواميس والزراف والغزال، وأن القوات العسكرية التي تقوم بجمع الضرائب بمملكة برنو تسمى (الكاشلا). ثم مرت الرحلة بمناطق الكِريدة وهم من قبائل القُرعان والمناطق الجبلية لمجموعات الكُوكَا و الكَبقا، وبإقليم فُتَرِي الذي يضم أكثر من مئة قرية جنوب وشمال البحيرة توجد منطقة (المَلمّ) لقبيلة البِلالة الذي يقال أن أصلهم من الكانوري في كانم ولكن ملكهم الملك جُراب يقول أنهم بلالة ينحدرون من أصول عربية وينتمون لأولاد حِميد المنتشرون في مملكة ودّاي وبحر الغزال وبرنو. يوجد بفُترِي أيضاً الجلابة الذين يمارسون التجارة بين ممالك ودّاي وبرنو وكانم وباقِرمَا، والحُجاج من قبيلتي الهوسا والفلاتة، كما تقيم بالمنطقة مجموعات الكُوكَا وأبوسِمين. وعبر منطقة البَطحة وسهل يمتد من فُترِي إلى أراضي ودّاي ترتاده على فترات متقطعة بعض القبائل العربية من الجعادين وأولاد حِميد والزَبَدة والنوالينا والسلامات، ثم مناطق قبائل الكُوكَا التي تمتد مع قري (الزُيود) إحدى القبائل العربية التي مالت للاستقرار ومعها بعض من (الخُشتة) المنحدرون من ملوك ودّاي لكنهم الآن الجيل الرابع نزلوا إلى مرتبة المواطنين العاديين، وتمر الرحلة بسلسلة جبال كُوندُقو حتى (وَارَا) العاصمة السابقة لسلطنة ودّاي، وتليها منطقة مجموعات كدّوي وأبوسنون قرب منطقة جبل أبو شراريب.
2. الوصول إلى أَبَشِي في حضرة السلطان (علي) في أبريل – 20 مايو 1873م
في الطريق إلى قصر السلطان يحكي نختقال عن مخاوفه، باعتباره غريباً ومسيحياً، وبعد وصوله أبشي يصف قصر السلطان الذي يعد صرحاً شامخاً وفق المعايير المحلية، فهذا البناء شيده دنقلاوي من النيل. وفي القصر يُعرف خدم السلطان بالطويرات. كما قدم وصفاً دقيقاً للقصر ومجالسه وللتقاليد التي يتم اتباعها لاستقبال الغرباء والضيوف، وقد سأله السلطان عن فترة إقامته عند خصمه سلطان باقِرمِي ومناطق الوثنيين في (سمراي) حيث ترابط قواته هناك. لقد تفهم السلطان زيارة نختقال لودّاي كرحالة، وأذِن له بزيارة كل أقاليم السلطنة. ذكر نختقال أن السلطان (علي) سلطان قوي تبنّى سياسة تأمين الحدود وحماية الأجانب بنية تقوية علاقات مملكته مع البلاد الأخرى وتشجيع التجارة، ويأمل في فتح طريق البحر الأبيض الذي يربط بنغازي بودّاي والذي ظل مقفولاً لأكثر من خمسين عاماً منذ عهد السلطان عبدالكريم صابون. وحكى نختقال مواقف كثيرة تُبيّن طبيعة العقاب لجرائم السرقات والتهجم على الممتلكات في أسواق المدينة، وأن عادة نساء ودّاي اللائي لا يتخطين الرجال إلا وهن جاثيات على ركبهن ومن مسافة معقولة، وأن سلاطين ودّاي من عاداتهم سمل عيون إخوتهم وأقاربهم الذين يتطلعون للعرش، ووالدة السلطان تعرف بـ (الممو) وتتمتع بسلطات واسعة، ويوجد بالمدينة مجموعة من التجار الأجانب مثل التونسي والقيرواني وغيرهم، وكان رئيس التجار هو الدنقلاوي الحاج أحمد تنقا، وأن الأهالي غير متسامحين مع التجار الأجانب، يحسّون بأنهم جشعون ودخلاء ينعمون بخيرات البلاد. غادر نختقال مع (الكُرسي) وهو موظف عند السلطان إلى منطقة (وَارَا) العاصمة القديمة للسلطنة مروراً بمناطق جبال قبائل (كَلِنقَن) و (كُوندُونقو) مروراً بمدينة (نِمرو) بمبانيها الطينية الفسيحة والتي أُلحِقت بها قرى صغيرة سكانها من دنقلا والخرطوم وسنار وكردفان، يقوم على حُكمِهم (الشيوخ)، ويتراوح عدد قاطني الحي بين أربعة إلى خمسة آلاف، ويقف (الكُرسي) على قمة الهرم الإداري وهو موظف يتقاضى الضرائب من التجار الجلابة. أشرف نختقال على معالجة مرضى لأمراض تلف مُقلة العين، وقروح الجدري، وفتاق السرة. كما ذكر أن سلطان ودّاي عمل على توطين آلاف من البَاقِرمَة بالمدينة، فهم أكثر مهارة في البناء وصناعة السروج والصناعات الجلدية ونسج الأقمشة القطنية والحياكة والتفوق في شؤون الزراعة.
3. الرحلة إلى رنُقا
الذهاب إلى رُنقا عبر دار سلا مناطق الداجو، تقع سلا جنوب شرق ودّاي وكانت تدفع الضرائب للسلطنتين ودّاي ودارفور، لقد حكم الداجو سِلا منذ أن قدموا إليها من اتجاه دارفور منذ قرون، فكل عاداتهم وتقاليدهم تربطهم بدارفور. لقد مرّ نختقال بجبال الكَشامرة وجبال الكَنجقا، وجبال (كدُوما) وهي المنطقة الوسطى في ودّاي ويحكمها التُنجر، وكانت مقر السلطان داؤد المِرين آخر سلاطين التُنجر الذي انتهى حكمه على يد عبد الكريم بن جامع مؤسس سلطنة ودّاي، ثم مناطق خلا أم جرار البطحة ومناطق (أم دم) و (أم دقيمات) و (فج الخلا) وقرية (بُرام) لقبيلة الخُزام ومناطق قبيلة الكَجاكسَا مثل قرية (بريسيس) و (أولو) و (تافي). تحدث نختقال عن الزيجات التي تتم بين عوائل السلاطين والعُقداء حكام المناطق، وعن عمليات صيد الفيل ووحيد القرن في حوض نهر السلامات ودار رنُقا وكوتي، وذكر أن بعض العرب الرحل الذين استقروا بالمنطقة بعد نفوق مواشيهم بسبب الطاعون، وأن سلطان ودّاي استدعى عقيد السلامات المشرف على الجنوب لأنه سيبعث بملك جديد لدار رُنقا، وأن السلامات يعيشون على ضفاف الأنهار ويقومون بغارات موسمية للجنوب بغرض الحصول على الرقيق ويقدمون جزءاً منه للسلطان في (أَبَشي) يقدر بمئة من الرقيق وخمسمائة كحد أدنى من الماشية سنوياً. لم يستطع نختقال الوصول إلى رُنقا نتيجة للتعب والإرهاق وظروف الخريف في منطقة تتميز بالمستنقعات والأودية والغابات، وعاد إلى أبَشِّي. وحكى عن المصابين بحمى الملاريا وآلام المفاصل وفقر الدم عند الأهالي. قال نختقال أن تجار النيل الجلابة عاملوه بنبل أكثر من أي تجار آخرين. سأل نختقال وعرف قصة قتل ابن بلاده الرحالة (إدوارد فوقيل) في أبشي في عهد السلطان السابق.
4. الدولة والشعب في ودّاي
استرسل نختقال في توصيف المملكة وحدودها إلى أن يقول أنها بشكل عام ترتفع من الغرب للشرق، أغلب أراضي الشمال صحراوية والجنوب تسوده التربة الطينية الخصبة، ويشكل نهرا البطحة والبطيحة المنحدران من الجبال شريان الحياة، ونهر السلامات بجنوب ودّاي. أن السلطنة تمتد جنوباً لدار رُنقا التي جزء من سكانها (المنقاري) و(الكِبيت)، وأن (المَبا) هم نواة سكان ودّاي، ثم تأتي القبائل الإفريقية المهاجرة للمنطقة والقبائل العربية من مجموعتي الأبالة والبقارة. تقع مناطق المَبا شمال – وَارَا – العاصمة القديمة ثم (الكَدوي) وديارهم جبال كدوك، وذكر نختقال أن فرع (النيمنا) أي الحدّادين يعيشون في شتات بين مجموعات الودّاي وهم محتقرون في المجتمع. ثم تأتي مناطق أولاد جمعة، ثم (المراريت) الذين تفصل مناطقهم بين المبا والتاما، وشمال مناطق المراريت تقع ديار (المِيمَا) ويقول أن المِيما ينتشرون هناك بعيداً في تُمبكتو، ثم تأتي مجموعات (المَلنقا) و (المَادَبا) و (المَادَلا). وأن مناطق (الأَسَنقور) جنوب تاما وغرب المراريت والمساليت. أما في الغرب فالكَشامَرة والكَجاكسَة والمَرفا والبِرقِد والمُوبِي زُرقة. كما أن مساليت البطحة يسكنون شمال المَسَامجَة وشرق الكُوكَا وجنوب الجنوب الغربي لدار الزُيود، ويسكن البِلالة وأبوسِمين إقليم فُتري. وأن القبائل العربية في ودّاي تسمى (الأَرَمقُو) بلغة المَابا وهي: (السلامات) يسكنون بحر الطين أي بحر السلامات وبحيرة إيرو، و(المسيرية) بمناطق جبل خريس وينقسمون إلى حمر وزرق، و(أولاد راشد) هم الأكثر عدداً قبل عزلهم عن الزبيدة والحميد والحيماد، و(الجعادين) يتمركزون في مناطق فُتري وعُلا وخرُوب، و(الخُزام) يقطنون مع الجعادين، و (الشَّرفة) ويسمون بني حسين، و (الحيماد) و (الترجم) و (المهادي) و (الزنانيت) و (المجانين). أما العرب الأبالة: فهم (المحاميد) قبيلة كبيرة ويقال أن أصلها يرجع للأخوة محمود ومهر ونايب وراكال الذي يسمى عريق، و (الحمدية) ولهم صلة بأولاد راشد وتقع مناطقهم بقرب وادي الحمرة وابكر وشوكان وعلى تخوم ديار الزبدة، وبني هلبة.
يذكر نختقال أن من المجموعات العربية التي ساندت عبدالكريم بن جامع وسكان وداي الأصليون من الاستيلاء على الحكم، وبالتالي نالت امتيازاً سلطوياً، هي المهرية والعريقات والنوايبة وبني هلبة وأبو شدر. وذكر نختقال أن مجموعات الودّاي التي تتحدث لغة المَابَا هي: كدوي، أولاد جمعة، قالوم، ضكير، ملنقا، مادبا، دبا، وأن لغات: المساليت، المَرفَا، الكَشامرة، كوندونقو لها علاقة بلغة المابا.
5. نظام الحكم والتجارة وسبل كسب العيش في سلطنة ودّاي
يتحدث نختقال عن قصر السلطان – مجلس السلطان – قادة المناطق والجيوش.
السلطان واعتلاء عرش المملكة:
ذكر نختقال أن العرش ينتقل للابن الأكبر المولود من زواج شرعي أو إلى أقارب السلطان من في عروقهم دماء ملكية من المجموعات التي تمثل أصل الودّاي وهم الكدوي وأبوسنون وأولاد جمعة والملنقا والمادبا والمادلا والكُونُدونقو، أما أبناء السلطان من المستعبدات (أَنَرمِيل) أو المنتميات لقبائل أُخضِعت بالسيف فلا يحق لهم اعتلاء العرش. ويصف نختقال قصر السلطان مداخله وأقسامه الداخلية مثل قسم غرف السلطان وجناح النساء (الهبابات) وأكواخهن التي تقارب الخمسين كوخاً، والخدم الفلنقايات، و(الممو) الملكة الأم، و(الميارم) جمع ميرم شقيقات السلطان وهن صاحبات نفوذ عكس زوجات السلطان، وأن الرجال (الخِصيان) لهم دور كبير في السلطة وتنظيم علاقاتها، وأن جزءاً من مهام كبير الخصيان هو الاهتمام بقضايا زوجات السلطان. كما استرسل نختقال في وصف مراسم التنصيب أو التتويج ومبايعة العلماء للسلطان الجديد، وأن (خشم الكلام) هو المنادي الذي يخرج ويطوف المدينة معلناً تنصيب السلطان الجديد. فعندما كان البلاط في – وَارَا – كان لزاماً على السلطان الجديد قضاء أسبوع في جبل (سُرقة) مقر النحاس السلطاني، وبانتهاء الفترة تُنحر مئة من البقر ومثلها من الإبل والخراف بمدافن السلاطين في (تَمنّق) لأرواح أسلافه، ويقسم اللحم على سكان القرى المجاورة – حُراس الأضْرِحة. وأن المترجمين (خُشوم الكلام) عادة ينتمون لقبائل العريقات أو المهرية، ويقوم السلطان الجديد بتسريح نساء السلطان المتوفي، وأن الأولاد المولودين من أمهات حرائر والمؤهلون لاعتلاء العرش – تُسمل – أعينهم بواسطة رئيس الحدادين (سُلطان الحدّادين) عن طريق قطعة مُحماة من الحديد، وفي بعض الأحيان يتجاوز بعض السلاطين هذه العادة القاسية. وبعد التتويج تأتي الوفود من مقاطعات (باقِرمِي – تاما – سِلا – رنُقا) محملة بالهدايا. وأخيراً يستقبل السلطان سفراء الدول المجاورة – برنو ودارفور – كما يرسل السلطان عدداً من (الخِصيان) إلى القسطنطينية مع عطايا مجزية للمدن المقدسة – مكة والمدينة.
مجلس السلطان:
المستشارون الحكماء الكبار وهم (الكمكُلك) جمعها الكماكل وهم الأجاويد، و(التنقا كُلك) و (التُلك). وأن (الجَرمَة) هم المشرفون على الإسطبلات السلطانية بالإضافة إلى قيامهم بمهام مهنية وإدارية أخرى؛ كأن يكون أحدهم مسؤولاً عن الخيل أو الحراس الخصوصيون للسلطان أو إدارة أحد أقاليم البلاد.
المسؤولون وقادة الجيوش وحكام المناطق:
تُقسّم سلطنة ودّاي سياسياً إلى:
1. المديرية الشمالية؛ أي دار (تِرتالو).
2. المديرية الجنوبية؛ أي دار الصعيد، دار (ترلولو).
3. المديرية الشرقية؛ أي دار (تُلك)، وتشمل إدارات القبائل الحدودية من الأسنقور ومساليت الحوش الشرقية.
4. المديرية الغربية؛ أي دار (لُلُك).
5. مديرية المراكز الجبلية؛ أي دار (كدرو) وتشمل المناطق الجبلية مثل أبوتلفان وديار التُنجُر.
أن المسؤولون (الكمكلك أو الكماكل) من مجلس السلطان و (العُقداء) قادة الجيوش هم الموظفون الأكثر أهمية في الدولة، يقومون بإدارة المديريات، ويوجد بينهم الأحرار والأرقاء والمخصيون، ومن مهامهم إدارة القرى التي تقع في دائرة اختصاصهم، وتطبيق القانون على أهلها، والإشراف على الأراضي والآبار والأنهار، ويقاسمون سلطات قضائية مع الكماكل، وجمع الغرامات والضرائب، وقيادة الحملات العسكرية واستنفار الأهالي وحث الناس على القتال.
6. الشيوخ؛ وهم لحكم مناطق القبائل الصغيرة.
7. إدارة الفئات المجتمعية وهم (سلطان الرُحل)، و(سُلطان الحدادين). فالحدادين هم طبقة منبوذة في ودّاي ودارفور وبرنو وبالأخص بين قبائل التبو، فالحدادين لا تُقبل مصاهرتهم، لذا يتزاوجون فيما بينهم ولا يؤاكلهم أحد، وعبارة – حدّاد – سُبة لا تُغتفر وقد تؤدي إلى سفك الدماء.
كما هناك وظيفة (التراجنة) مفردها ترنجك، ويعتبرون القوات الشرطية الخاصة، مهمتهم مراقبة من تجري في عروقهم دماء ملكية لكشف أي مؤامرات تهدد عرش السلطان، كما ينفذون أحكام الإعدام على شاغلي الرتب العليا، ويعمل أربعة منهم كضباط لحراس السلطان الشخصيين الذين قد يبلغ عددهم الآلاف عند الخطوب للزود والدفاع عن السلطان. أما وظيفة (الفتاشي)؛ فهي المفتش الذي يتولى الرقابة سراً على المشروبات كالمريسة، وله سلطة توقيع العقوبات كالجلد أو إتلاف الأواني أو حلق الرأس.
المحاكم والقضاء:
القضاء هو من سلطات الكماكل والفقهاء، لتطبيق القانون إذا كان غرامات أو إعدامات، وأن بعض المنازعات لا يفصل فيها إلا السلطان. بعض المحاكم تتكون من اثنان من الكماكل والملوك والفقهاء.
في حالة الحروب تلتزم كل قبيلة بالدفع بفرسانها للميدان، ذكر نختقال أن سلطان ودَّاي يمتلك حوالي أربعة آلاف من البنادق والتي يجلبها العرب من نواحي طرابلس وساحل شمال أفريقيا، أما أسلحة البارود فيجلبها تجار النيل. فعند بداية الحرب يكون السلطان بجناح الوسط، والعُقداء في الطليعة، والكماكل وحملة الفؤوس وحملة الرماح والبنادق والمتحصنون بالدروق والتروس حماة السلطان، ومن خلفهم الطويرات حملة الرماح، وسلطان الحدادين وأتباعه، والخصيان من رجال الملكة (ممو). كما تناول نختقال طبيعة المساكن بقرى السلطنة، ومبانيها وأكواخها، وعن الأطفال طلبة القرآن، ويتناول نختقال مجمل تفاصيل الحياة، والأعياد، ومناسبات الزواج، وأنواع المشروبات الروحية والتبادلات التجارية.
6. تاريخ ودّاي
يذكر نختقال أن مناطق من دارفور ووداي قبل دخول الإسلام كان التنجر هم سادتها، وقد أجهز عبدالكريم بن جامع على نفوذهم وسلطانهم بودَّاي.
(1) عبدالكريم بن جامع مؤسس سلطنة ودَّاي (1635م – 1655م)
يقول نختقال أن جامع قدم مع أسرته من ناحية الشرق قبل سقوط التنجر بوقت طويل، وأن أصول هذه الأسرة ترجع للجعليين في شندي وجدهم هو صالح بن عبدالله بن عباس ولذا يسمون أنفسهم بالعباسيين، وأن ربط أسرة جامع عند بعض العلماء بقبيلة القمر هو اعتقاد خاطئ. مكث هؤلاء المهاجرون أولاً في دارفور بالإقليم الجبلي شرق كوبي المعروف باسم (وودا)، ثم انتقلوا إلى جبل برقو شرق كبكابية قبل حلولهم بدار ودَّاي. استقر جامع في (دُبا) على تخوم وارا – العاصمة القديمة – واستطاع ابنه عبدالكريم تكوين مجتمعاً إسلامياً صغيراً ارتبط به دعوياً منذ أن كان في (بِّديري) – من أعمال باقرمة – وعند عودته خطط لإزاحة الحكم الوثني، وجرت الأمور كالآتي: كان للملك داؤد – ملك التنجر – بنت تسمى (الميرم أيسة) تأمرت مع عبدالكريم لخلع والدها من الحكم، أدرك الملك داؤد المؤامرة، وأمر بالقبض على عبدالكريم، إلا أنه تمكن من الهرب، ولاحقاً كون تحالفاً من مجموعات المبا بالمنطقة وزعماء عرب المهرية والنوايبة والعريقات، وانتزع الحكم من ملك التُنجر، وأسس بداية مملكة ودَّاي وعاصمتها – وارا – وخلال فترة حكمه كان يدفع الضريبة لدارفور كما كان يفعل التُنجر.
(2) السلطان عروس بن عبدالكريم بن جامع (1655م – 1678م)
(3) السلطان خريف بن عروس (1678م – 1681م) الذي قتل بعد اعتلائه العرش بثلاث سنوات في حملة ضد (ملبس) سلطان تاما في (نايري).
(4) السلطان يعقوب بن عروس (1681م – 1707م)، الشقيق الأصغر للسلطان خريف. يذكر نختقال الرواية الشعبية التي تقول أن الأمطار كفت عن الهطول لسبعة أعوام متتالية، كجزاء إلهي لعدم إخلاص الرجال لملكهم خريف عند مقتله بدار تاما، وأن الأمطار لم تهطل إلا بعد أن أعاد السلطان يعقوب جثمان أخيه من دار تاما والذي وجده بكامل هيئته ولم يتحلل، ومن بعدها ازدهرت البلاد.
كما أوقف السلطان عروس عادة إرسال – أميرة – ضريبة للسلطان أحمد بكر سلطان دارفور، بل حاول السلطان عروس غزو دارفور، وسار حتى وصل رهد (برقنا) المتاخم لجبل مرة، وأرسل السلطان أحمد بكر جنوده الذين حاصروا السلطان عروس، فانسحب، وبعدها تم إبرام اتفاقية سلام بين الطرفين؛ إلا أنه عندما آلت السلطة في دارفور للسلطان عمر ليل حفيد السلطان أحمد بكر طالب ودَّاي بدفع تلك الضريبة، وعندما لم يتلق الرد، سار بجيشه والتقى بجيوش السلطان عروس، انتهى الأمر بأسر السلطان عمر ليل الذي أمضى بقية حياته بوداي إلى أن وافته المنية هناك.
(5) السلطان عروس بن يعقوب بن عروس (1707م – 1747م)
40 عاماً كانت عهداً للسلام والرفاهية وتأمين البلاد.
(6) السلطان جودة بن عروس بن يعقوب (1747م – 1795م)
يعتبره الكثيرون المؤسس الثاني للسلطنة، وفي عهده توفي عمر ليل سلطان دارفور الأسير، فقرر السلطان أبو القاسم شقيق عمر ليل وخليفته الانتقام من ودّاي عقب تلقيه خبر وفاة شقيقه، جهز جيشاً وسار به إلى ودَّاي وخاض معركة مع جيوش السلطان جودة عروس، وهُزم جيش سلطان الفور، وأسرت جيوش ودّاي أمير البحر الكينجاوي من جيش الفور وظنوا أنه السلطان أبو القاسم، الذي في حقيقة الأمر أصيب بكتفه وولى هارباً لبلاده. لقد قاد السلطان جودة ثماني حملات ضد الوثنيين (الجناخرة) جنوب البلاد، وأخضع الجزء الأكبر من كانم.
(7) السلطان صالح درت بن جودة (1795م – 1803م)
(8) السلطان عبدالكريم صابون بن صالح درت (1803م – 1813م)
صعد إلى العرش بعد مقتل أبيه صالح درت عبر ملابسات على إثرها كان صابون باطشاً بأقاربه وبكل مناوئيه في الحكم، وأن أخيه (أسد) فر إلى دارفور طلباً لحماية السلطان محمد الفضل، إلا أن أسد تم استدراجه إلى ودّاي وسُملت أعينه. لقد نجح عبدالكريم صابون في غزو باقرمة، ومنذ ذلك التاريخ صارت باقرمة تدفع الجزية لودَّاي، كما قاد عبدالكريم صابون حملة ضد (أبو دريك) سلطان تاما واقتحم حصونه إلى أن فر لديار الزغاوة، وأخيراً أبقى على أبودريك بعد أن التزم بدفع الجزية لودّاي. وأخمد صابون تمرد الكدوي والقِمر. وبعده تم تنصيب ابنه محمد بساطي إلا أنه توفي بمرض الجدري بعد شهرين من اعتلائه العرش.
(9) السلطان يوسف (خريفين) بن عبدالكريم صابون (1813م – 1829م)
اعتلى العرش وهو طفل لم يبلغ الحلم.
(10) السلطان راغب بن خريفين
(11) السلطان عبدالعزيز بن درمة
يذكر نختقال الضعف والتفكك والتمردات والصراعات الداخلية، والثورات الداخلية التي استنزفت البلاد وصارت حمامات من الدم. توفي السلطان عبدالعزيز وكان أبناؤه في سن الطفولة، وبأسم أكبرهم آدم سيطر خاله كمكلك (أبو أمة) على الحكم وجمع قواته للتصدي للجيش الغازي من دارفور التي كانت في عهد السلطان محمد الفضل، وأصطحبت الحملة إلى ودّاي معها الأمير محمد شريف أحد أمراء ودّاي وهو ابن السلطان صالح درت الذي فرّ إلى دارفور أبان عهد السلطان صابون، ولكن يقول نختقال أن الراجح هو انتحال عزالدين شخصية شقيقه محمد شريف واعتلاؤه العرش بمساعدة جيوش الفور.
(12) السلطان محمد شريف (1835م – 1858م)
خاض محمد شريف حروباً مع تاما ومع برنو وسار حتى بحيرة تشاد وعبرها إلى كسري، ودخل مفاوضات مع خصومه في برنو، وعاد إلى ودّاي. لقد قام السلطان محمد شريف بنقل العاصمة من وارا إلى أبشي، وفقد محمد شريف بصره، مع ازدياد العصيان والتمردات والمعارك الداخلية التي خلفت أكثر من سبعة آلاف قتيل. وأخيراً واجه محمد شريف ابنه تنتلك محمد المتمرد الذي فرّ إلى دار تاما.
(13) السلطان علي محمد شريف
بدأ حكمه منذ العام (1858م) واستمر لتاريخ زيارة نختقال 1873م، استقرت في عهده البلاد، لقد درج السلطان على اختيار موظفيه دون التقيد بانتماءاتهم القبلية أو العائلية – خلافاً لما جرى عليه العمل – وكان يعطي المنصب لمن يستحقه متى ما أنس في المرشح الكفاءة، وتميز عهده بالتطبيق الصارم لمبادئ العدالة والسلوك القويم. وبعدها بدأ نختقال رحلته إلى دارفور من تاريخ 11 يناير – 8 مارس 1874م.
ثانياً: الرحلة إلى دارفور
1. من أبّشي بدار ودّاي إلى دارفور
تحرك نختقال من مدينة أبشي مع القافلة المتجهة إلى دارفور، معهم أحمد تنقا “الصغير” رئيس التجار بودّاي، وأن هناك ثلاثة طرق لدارفور، أحدهم يأخذ انحناءة نحو الشمال عبر إقليم تاما، والثاني يقع إلى الشمال الشرقي عبر دار سِلا، أما الثالث فهو طريق القوافل المتجهة نحو الشرق مباشرة حتى دارفور. مرّت القافلة بوادي (قرميل) وشرق جبال كلقن وقرية (مُرّة)، يصف نختقال طبيعة التربة وتنوعها والأودية وطبيعتها والغطاء النباتي، عبرت القافلة قرية (تَركَنة) عاصمة الإقليم الشرقي لدار ودَّاي ومقر حاكم الإقليم، ويواصل نختقال في وصف تفاصيل المناطق إلى أن وصلت الرحلة السلسلة المعروفة بـ (ترجي ودَّاي)، ومن ثم وادي (أسُونقا) ووادي (بير دقيق) بالقرب من حدود تاما، ويتبع هذا الإقليم للمسؤول حنفي مسئول (دار فيا). يصف نختقال حياة وطبيعة مجموعات الفور والترجم والمحاميد الذين يقابلونهم بالطريق. تمر الرحلة بوادي كجا، ويقول أن المَرارِيت يعيشون جنوب دار قِمر وشرق وداي (سناط)، وعند وصولهم منطقة (تنيت) تلقوا أنباء مؤكدة عن هزائم جيش دارفور الذي هاجم قوات الزبير، وكانت القوة في البداية سجلت نصراً حاسماً على قوات النور (النور عنقرة كان حينها من أعوان الزبير)، وأن أحمد شطة وعبدالباري سقطا في المعركة التي نشبت في اليوم التالي، وأن السلطان إبراهيم سيقود الجيوش بنفسه. تحركت القافلة من تنيت إلى كبكابية، ويذكر نختقال الأودية وأشجار النبق والهجليج والطُندب، لقد مرت الرحلة بقرية (مرشام) وجبال (كاورا) المتفرع من سلسلة جبل مرة، ثم وادي (كبكابية) والتي تعني بلغة الفور أن الودَّاي (رموا الدروع) في معركة بينهم والفور في هذا المكان. ويقع إقليم كبكابية على سفح جبل مرة. لقد سارت القافلة جنوب جبل (أبوكتف) ومنها إلى (كوبي) وهي مقر للتُجار الجلابة الذين استقروا في الفاشر، وحكى نختقال عن أهم العملات المتداولة وهي (قطع التُرمبا) والدولار (ماري تريزا) وقماش (الطرق) وهو قطع رفيعة داكنة اللون من القماش المصبوغ باللون الأزرق.
2. الإقامة في الفاشر (9 مارس 1874م)
يصف نختقال وداي أو رهد (تَندَلتي) وهو اسم المدينة، وأن (الفاشر) تعني مجلس السلطان أو العاصمة التي تم نقلها إلى هذا الموقع في عهد السلطان عبدالرحمن الملقب بعبدالرحمن الرشيد، حيث كانت سابقاً في منطقة (طُرة). أقام نختقال بحيّ الجلابة (سويلنقا) ويقول المترجم ديدان في الغالب هي تصغير لسولنقا والتي تعني (العربي) بلغة الفور. قدم نختقال وصفاً دقيقاً لقصر ومحل إقامة السلطان، وتقاليد المقابلات السلطانية، وذكر أن السلطان إبراهيم وعد بحمايته ومساعدته في رحلته إلى مصر التي تستعجل حضوره. لاحقاً وجد نختقال فرصة وقدم طلب إذن تجوال داخل البلاد، مبرراً ذلك بأنه يريد الذهاب جنوباً ليرى نبع (رتوتوك) بجبل مرة ذي المياه الساخنة، إلا أن السلطان إبراهيم رفض الطلب وقال أن البلاد لا تحتمل، فهناك نزاع قائم مع الحكومة المصرية، وأنه لا يأمن على حياته خارج العاصمة، وبعدها تخلى نختقال عن فكرة التجول داخل البلاد بغرض دراسة المنطقة وشعبها، إلا أنه طلب من السلطان المساعدة في ترشيح ثلاثة أشخاص على أن تكون لأحدهم الدراية بالأراضي والحواكير، وآخر يعرف تاريخها، وثالث ملماً بالعربية واللهجة المحلية؛ فكانوا الفكي عبدالعزيز الذي هاجر أسلافه من باقرمي إلى دارفور في عهد السلطان أحمد بكر (1682م – 1722م) وشقيقه الفكي محمد، والباسي طاهر، و(باسي) تعني العظيم بلغة الفور.
3. تاريخ دارفور
ذكر نختقال أن ما وجده من مصادر تاريخية شحيحة لا يمكن الاعتماد عليه كمصدر حقيقي لتفاصيل تاريخ دارفور، وأن هذا التدوين يقتصر على السرد لذكري حكام البلاد دون إسنادها لتواريخ محددة، ويحمل تضارباً وتناقضاً في كثير من الروايات في أمور جوهرية. وجد نختقال قائمة بها 13 اسماً لسلاطين أسرة (الكيرا) و25 من سلاطين (الداجو) و20 من سلاطين (التُنجر)، ويقول إلا أن هناك أخطاء جوهرية ومتناقضة بشأن الحقب الزمنية والتسلسل الموضوعي التاريخي. يقال أن أول سلاطين الداجو، السلطان (جتار) عاش بجبل مرة. يذكر نختقال أن هناك مخطوطين عتيقين، أحدهما مع باسي أحمد الطاهر عبارة عن أوراق رسمية لتواريخ مضى عليها الدهر، وآخر مخطوط سلطاني يعرف بكتاب (دالي) في حيازة الأبو شيخ دالي، يحتوي على المبادئ الأساسية للإدارة والنظام القضائي. لقد عاش سلاطين – الداجُو – في جبل مرة منذ أمد بعيد، وأن سلطنتهم لم تكن مطلقة بل اقتصر نفوذهم على الفور والقبائل الأخرى على تحصيل الضرائب، وأن سلطانهم الأول (كوسبر) عاش في (دُبا) على السفح الشرقي للجبل ودفن هناك. يقول نختقال أن أحد أمراء الداجو الذين فروا من دار سِلا لودَّاي سلمه قائمة تحوي 21 اسماً من سلاطين الداجو، لاحظ نختقال أن أغلب حكامهم يحملون الأسماء العربية. أما – التُنجر – يدعون بأن جذورهم تعود للجزيرة العربية وأن أصولهم الحديثة تعود لتونس وأبوزيد الهلالي، يقول نختقال أنه وجد بعض التُنجر في منطقة يقال لها (تونس) بمملكة كانم، وتشير المراجع إلى أن جدهم هو (أحمد المعقور) والذي ينتسب إليه أيضاً (الكيرا) حكام الفور الحاليون، وأن التُنجر سحبوا البساط من الداجو دون قتال، وهم وثيقي الصلة بشعوب الجبال الأخرى التي تعيش في عزلة عن بعضها البعض، وأنهم أدخلوا الثقافة العربية لدارفور، واقتصر سلطانهم على القبائل الجبلية فقط مع إلزام البقية كالداجو بدفع الضرائب فقط؛ ولا تقتصر دلائل الصلة بين الكيرا أسرة الفور المالكة والتنجر على ادعاءات الطرفين بالانتماء لأحمد المعقور فقط، بل بثبوت انتقال السلطة من التنجر إلى أسرة الكيرا. ويقول نختقال حسب الروايات أن قائمة حكام دارفور كالآتي:
1. حكم الداجو لعدة قرون جبل مرة، ثم انتقل سلطانهم إلى التنجر دون قتال.
2. تصاهر التنجر والكيرا “من قبيلة الفور” وبمرور الزمن تكونت أسرة كيرا الحاكمة نتيجة هذا التمازج ثم انتزعت حكم دارفور بالقوة من التنجر.
3. دخل الإسلام دارفور إبان حكم الكيرا وتحديداً في عهد السلطان سليمان صولون (سلونقا)، حوالي عام 1600م.
كما تناول نختقال تحليل التضارب في العلاقات والتواريخ في الرواية التي تقول أن أحمد المعقور عندما دخل دارفور حظي بمكانة سامية لدى (كورما) السلطان الذي لم يرد اسمه في القوائم المختلفة لحكام دارفور، أن كورما تزوج من (فورا) ابنة زعيم الكيرا والتي أنجبت له ابناً أسماه (شو) ثم طلقها، وتزوجها – فيما بعد – أحمد المعقور فأنجبت له ولده (دالي)، وهناك رواية أخرى تقول بأن رفاعي بن أحمد المعقور هو الذي تزوج ابنة زعيم الكيرا وأنجب منها شو أو (سو) و (دالي)، ويقول نختقال أن كل الروايات تؤكد أن (شو) هو آخر حكام التنجر، وأنه من الواضح أن أسرة الكيرا تستمد اسمها من الأم فقط. وأن مقر السلطان (شو) الذي يلقب بدورشيد أو (دورسيد) في جبل (سي) أحد سلسلة جبال كاورا شمالي هضبة جبل مرة، بينما المقر الرئيسي للكيرا في جبل (نامي) على سفح جبل مرة.
(أ) حكم سلاطين (الكيرا):
1. السلطان (دالي) واسمه دليل بحر وهو مؤسس سلطنة الكيرا، تقول الرواية أنه انتزع الحكم من أخيه غير الشقيق (شو)، فرض دالي الأمن وسن القوانين التي ما زالت تستمد اسمها منه، وعاش في جبل (نامي) و(طُرة) أرض أجداده لأمه، وقسم دالي البلاد إلى مديريات:
(أ) المديرية الشرقية (دار دالي).
(ب) المديرية الجنوبية (دار أما).
(ج) المديرية الجنوبية الغربية (دار دما).
(د) المديرية الشمالية (دار الريح) أو دار تكناوي.
(ه) المديرية الغربية (دار الغرب).
ثم شرّع – دالي – الأسس التي تحقق الموارد لتلك المديريات عن طريق آليات إدارية واحدة، ثم وضع القانون الجنائي المعروف بكتاب دالي، وهو قانون وضعي غرضه استنباط الوسائل لتحقيق الموارد، لا يتضمن أي عقوبات استئصالية كالإعدام أو بدنية، بل كان يكفل قدراً من الحريات الشخصية، واقتصرت عقوباته على الغرامات تبعاً لجسامة الجرم. ويقال أن دالي حكم فترة طويلة نعمت فيها دارفور بالأمن والاستقرار، ويبدو أن عهده كان في منتصف القرن الخامس عشر، ويذكر نختقال أنه قد خلف دالي عشرة من السلاطين لم نقف على تواريخ حكمهم. أن للسلطان دالي ثلاثة أبناء وهم (صابون) و (سيكر) و (بحر)، ويستمر نختقال في تناول أبناء وأحفاد دالي إلى أن يصل لإسم (كورو) الذي تكرر في قوائم الأسرة أنه أب للسلطان سليمان صولون، وأن كورو هُزم في صراع السلطة على يد (تونسام بن بحر) جد المسبعات.
2. السلطان سليمان صولون (1596م – 1637م)
في أوج الصراع بين (كورو) و(تونسام)، أخفى كورو ابنه سليمان وهو في المهد مع مساليت الزربان في ودَّاي – عشيرته لأمه – ولاحقاً خلع سليمان الحكم من تونسام، فأعطى سليمان روحاً جديدة للسلطنة، وأيضاً أدخل الإسلام وجعله الدين الرسمي للبلاد، تمددت السلطنة في عهده، ولم يستطع إخضاع كل ديار المساليت لكنه أخضع جزءاً منها، بالإضافة لبلاد الأورو والبرقد والزغاوة والمراريت والبيقو والتنجر، ثم وسع سلطانه شرقاً حتى نهر عطبرة عمق النيل، وشمالاً حتى البديات، كما احتل ديار البرتي الذين كانوا تحت إمرة السلطان (نامدو)، ودفن سليمان صولون في (طُرة) قلب السلطنة.
3. السلطان موسى سليمان صولون (1637م – 1682م)
4. السلطان أحمد بكر بن موسى سليمان (1682م – 1722م)
أبرز السلاطين بعد دالي وسليمان صولون، استقدم الفقهاء وشيد المدارس وحث الأهالي على مراعاة الفرائض الإسلامية، في عهده تدفقت الهجرة من بلاد برنو وباقرمة وتقاطر على البلاد الفلاتة والعرب والبلالة وسكان النيل من الجلابة. عاش أحمد بكر في (قري) بدار كرني في البداية ثم استقر في (أبو أسيل) بجبل مرة، وقاد حملات عسكرية ناجحة فهزم القمر وأجلى الودّاي عن دياره.
5. السلطان محمد دورة أو (محمد هارون) بن السلطان أحمد بكر (1722م – 1732م)
6. السلطان عمر ليل بن محمد دورة (1732م – 1739م)
عمر ليل – أي عمر الحمار – يتداول الفور الاسم كناية عن الصبر والتحمل، بدأ في (موجالا) ثم انتقل إلى (قوقرما) بالمديرية الغربية على وادي جلداما. حبس شقيقه أبا القاسم في جبل مرة مع دليب وأبيض أبناء أحمد بكر اللذان فرا – فيما بعد – وانضما لعيساوي بن جنقول حاكم المسبعات في كردفان. كان السلطان عمر محباً للقتال، قاد حملة للقتال ضد ودَّاي بقيادة (دوقاباني) وتعني (الحملة الطائرة) كلفته عرشه وأفقدته حريته.
7. السلطان أبوالقاسم بن محمد دورة (1739م – 1752م)
انتقاماً للهزيمة من ودَّاي جهز جيشاً كبيراً لغزوها لكنه هُزم، وتخلص من حكمه كبار رجالات الدولة ليخلفه السلطان تيراب.
8. السلطان محمد تيراب (1752م – 1785م)
فرض هيبة الدولة وحارب الفساد، ولعدم تجاوب الناس معه اضطر لتقريب الزغاوة – أهل والدته – وعين هاروت من زغاوة كوبي سلطاناً على الإقليم وأعطاه النحاس، كما عين عمر بن هاروت في وظيفة (أرندلنق) أي مدير المقر السلطاني، ونال الابن الآخر حسيب الأقرن وظيفة (أبو ألنقا) وهي درجة عالية تجمع تسعة عشر اختصاصاً رفيعاً. خاض تيراب مجموعة من الحروب، وتوفي في كردفان وهو في طريقه لمقابلة ملك الفونج.
9. السلطان عبدالرحمن بن أحمد بكر (1785م – 1799م)
خاض حرباً كادت أن تقسم البلاد مع إساغة تيراب، وأدار خلافه على مراحل مع حاكم الإقليم الشرقي لدارفور (أبو شيخ كُرا) وهو منصب الوزير الأعظم وقائد الجيوش، وتعود أصوله للتنجر، الذي أخضع المسبعات في كردفان، وسحقهم في أم جنيحات وجعل من (بارا) مقراً له، ووطد سلطانه وأعطى لنفسه وللإقليم استقلالية أكثر من المسموح به عند السلطان.
10. السلطان محمد الفضل بن عبدالرحمن
كان صغيراً عند تنصيبه، وسُلم الحكم بعدها بثلاث سنوات حكمها القائد (كُرا). في عهده حاول المقدوم (مسلم) حاكم كردفان أن يستقل بحكمه عن دارفور، وهو الذي خلف (دكومي) على حكمها. ويقول نختقال أن محمد الفضل أصبح ظالماً باطشاً، سام القبائل العربية سوء العذاب وأوسعهم ذبحاً ونهباً وتقتيلاً، فحدثت مذبحة بن هلبة، ومعارك انتهت بتشتيت العريقات ليلتحقوا بقبائل أخرى في مقدمتها قبيلة المحاميد في تاما. كما بدأ حرب الرزيقات التي استمرت لسنوات عديدة، مات فيها الآلاف لكنها لم تنجح في إخضاعهم. وخاض السلطان صراعات كبيرة مع المؤملين في اعتلاء العرش، خاصة أخويه حسب الكريم وأبومدين. وفي نهاية حكمه خاض حرباً ضد ودَّاي، انتهت بتولي محمد شريف أمير ودَّاي الذي كان يقيم في (جمعان) بجنوب دارفور ليصبح سلطاناً لودَّاي.
11. السلطان حسين محمد الفضل
اعتلى العرش بوصية من والده، استمرت في عهده الحرب على الرزيقات، كانت علاقته جيدة مع سلطان ودَّاي علي محمد شريف، كما نجح السلطان حسين في الحفاظ على السلام مع مصر، وتحصل على فرمانين من عبدالمجيد (1839م – 1861م) وعبدالعزيز (1861م – 1876م) – سلاطين القسطنطينية – ضمن بموجبهما استقلال دارفور تحت حماية الباب العالي. رغم كل هذه الضمانات، لقد قُدِّر للسلطان حسين أن يرى بعينيه غزوة بلاده واحتلالها بواسطة المصريين. يحكي نختقال قصة (محمد البلالاوي) من طالب علم ببلاط السلطان حسين إلى صراعه مع الوزير المتسلط أحمد شطة حول أرض منحها له السلطان، فقتل الوزير ابني الفقيه، وفي نهاية الأمر توجه البلالاوي نحو العاصمة المصرية وتحدث لنائب الملك وأقنعه أنه من أسرة حاكمة وبهذه الصفة يستطيع أن يحكم دارفور وودَّاي حتى فُتري، ويمكنه مساعدة الحكومة المصرية في احتلال دارفور، ردته الحكومة المصرية للخرطوم والتقى بالنائب العام، وسمحت له الحكومة المصرية بتكوين فرقة عسكرية ودعمته بالأسلحة والمؤن وسمحت له بالتوجه نحو حدود دارفور الجنوبية؛ وبدأ محمد البلالاوي في مناوشة دارفور، وظهر له مغامر آخر وهو (الزبير) ينتمي لقبيلة الجعليين في شندي، والتحق الزبير بخدمة الحكومة، ثم عمل أخيراً في تجارة العاج والرقيق على مقاطعات جنوب السودان، بدأ مع تاجر مصري يدعى (أبوعموري) المصري، وبعد كساد تجارة العاج والرقيق بجنوب دارفور، مما ضاق على هؤلاء المغامرين، نشأ نزاع عنيف بين الزبير والبلالاوي انتهى بمقتل الأخير، واستطاع الزبير ضم قوات البلالاوي، وخاطب الخرطوم والقاهرة وقام بتعويض الحكومة عما أنفقته في تسليح البلالاوي. تواترت الأحداث بالمنطقة وتنامت قوة المغامرين (البحارة) بجميع البلدان حتى ديار برنو، حاول سلطان ودّاي حث جاره سلطان دارفور للقيام بفعل حاسم لدرء هذا الخطر المحدق، مع استعداده للمشاركة بنفسه وبقواته لرد العدوان عن دارفور، إلا أن السلطان حسين آثر التريث، وقال أن التخلص من البحارة بالقوة، يجعل الحكومة المصرية تتخذه ذريعة لاحتلال دارفور.
12. السلطان إبراهيم بن حسين
اعتلى العرش بعد وفاة والده، وفي هذه الأثناء عُين الزبير مديراً لمديرية بحر الغزال، وهاجم الزبير الرزيقات وهزمهم في (شكا)، ويورد مترجم الكتاب معلومة أنه في هذه المعركة أسر الزبير الخليفة عبدالله التعايشي – الذي حكم السودان فيما بعد – في هذه المعركة وهم بقتله وغير رأيه بناءً على نصيحة مستشاريه. تطورت الأحداث بالمنطقة ودارت معارك متعددة. تلقى إسماعيل باشا أيوب الحاكم العام للسودان المصري أمراً للتقدم صوب دارفور، فتحرك من كردفان، وتوغل في أراضي دارفور بالتنسيق مع قوات الزبير الذي تحرك نحو الفاشر ودخل المدينة في بواكير خريف عام 1874م. أقام إسماعيل باشا قيادته في (طُرة)، وفي عام 1875م استسلم الأمير حسب الله عم السلطان إبراهيم الذي توفي في معركة منواشي، وتم نفيهم للقاهرة كأسرى حرب، حيث استقبلهم الخديوي في ربيع 1875م.
4. النظم الإدارية لدارفور
يذكر نختقال أنه لإدارة البلاد التي تم فتحها حديثاً بواسطة نائب سلطان مصر إسماعيل باشا (1863م – 1879م) نهج إسماعيل نهجاً متشددا، وقسم البلاد إلى خمس مديريات هي:
1. المديرية الشمالية (دار تكناوي) بها 12 مركزاً إدارياً.
2. المديرية الجنوبية (دار أمة).
3. المديرية الجنوبية الغربية (دار دما) بها 12 مركزاً إدارياً، عرف هذا الإقليم باسم دمنقا ويسمى حاكمه الدمينقاوي، ويقع الآن في زالنجي.
4. المديرية الشرقية (دار دالي) بها 5 مراكز إدارية.
5. المديرية الغربية (دار الغرب) بها 3 مراكز كبيرة وهي دار فيا، دار كرني ودار كير.
في عهد السلطنة كان:
(أ) لكل مديرية حاكم يسمى (أبو) مضافاً لاسم المديرية مثلاً أبو تكناوي، أبو أمة، أبو دالي …الخ، باستثناء دار الغرب. وفقاً للأعراف القديمة فإن أبا تكناوي من (الكنيونقا) فرع من قبيلة الفور، والأبا أمة من (السومنقا)، والأبا دمة من (المرنقا)، أما مديرية دالي فغالباً ما تسند لكبير الخصيان فيلقب بأبوشيخ دالي، وهو الوصي على أولاد السلطان المتوفي إذا كانوا قصراً، تؤول له كافة الصلاحيات.
هناك مناطق مستثناة من النظم الإدارية وتخضع مباشرة للسلطان، وتدار عبر شراتي وهي (دار طرة)، و(روكرو) أي بئر السلطان، وهي أكثر مناطق البلاد خصوبة، ويعود ريعها للسلطان وأفراد عائلته.
(ب) تقسم المديريات إلى مراكز ويحكم كل مركز (شرتاي).
(ج) تقسم المراكز إلى إدارات أصغر على رأس كل إدارة مسؤول يسمى (الدملج).
(د) توجد وظيفة وسيطة بين الشرتاي والدملج ويسمى شاغلها (زامبي) أو زامي، ويشرف هذا الزامبي على الدمالج والذين يطلق عليهم الفقهاء أي مديرو مدارس وخلاوي القرى، والذين يتولون كتابة الرسائل لمن هم دونهم.
(ه) سلاطين وشيوخ وفرش القبائل: أن وظائف “الأبو – الشرتاي – الدملج – والزامي أو الزامبي” هي وظائف لمسؤولين عن إدارة قبائل الفور. لذلك توجد وظائف أخرى بلفظ (سلطان) لكن يميز بينها وبين – سلطان البلاد. سلاطين قبائل: المسبعات، البرقد، البيقو، المساليت، المراريت، زغاوة كولي، الذين يعيشون في المناطق الداخلية للبلاد يتبعون لسلاطين يتولون شؤونهم.
أما القبائل العربية: المعروفة بقوتها وأهميتها التاريخية تتعامل معها الحكومة عن طريق شيوخها وشيوخ النحاس أي (شيوخ الطبول الكبيرة) والذين يعدون في مرتبة السلاطين الآخرين.
أما التاما والأورا وبعض فروع المساليت في غرب البلاد: تدار شؤونهم عن طريق شيوخ يطلق عليهم (الفرشة).
(و) موظفو بلاط السلطان:
1. المقدوم: وظيفة بسلطات عليا، يتولى مراقبة الـ (أبو) حكام المديريات.
2. الأبو شيخ أو أبو دالي يتميز عن بقية حكام المديريات بوظيفته الإدارية ببلاط السلطان، أما الآخرون فيلتزمون البقاء في مناطقهم ولا يأتون للعاصمة إلا بناءً على استدعاء من السلطان.
3. الملكة الأم (أبا كُري أو أري) أما (الأياباسي) فتعني المرأة العظيمة وعادة ما تكون أخت السلطان.
4. الكامين: أي عنق السلطان ويطلق عليهم لفظ ظل السلطان ولهم وضعية تقارب درجة الملكة الأم.
5. الأرندلنق: أي حارس الباب وهو مدير مدينة الفاشر وعمدتها ورئيس الدرك وممثل السلطان في المديرية الغربية.
6. الفورنق أبا: هو خبير القوانين والأعراف والقيم والقاضي بفصل المنازعات، ويذكر نختقال ملاحظة أنه رغم دخول الإسلام، إلا أن قوانين دالي هي السارية.
7. الوزير (الأبو كوتنقا) والأبو دادنقا: وهم مشرفي القصر.
تناول نختقال الأدوار التفصيلية لموظفي بلاط السلطان، بما في ذلك المشرفون على الطبول، والفلاقنة الذين يخدمون في القصر، وموظفي الإسطبل، ومراقب أعمال دباغة الجلود، ومترجم السلطان، ومراقب المخازن، كما ذكر نختقال تفاصيل احتفالات تنصيب السلطان.
5. السكان والمنتجات في دارفور
تناول نختقال أوصافاً تفصيلية للمجموعات والمجتمعات وعلاقاتها وادعاءاتها لأصولها، إلى أن يقول أن أكثر المناطق اكتظاظاً بالسكان هي الوسط والغرب والجنوب الغربي، أما الشمال والشمال الغربي فأقل كثافة، وكذلك الشرق الذي يكاد يكون خالياً من السكان، وترتكز الكثافة السكانية تبعاً لخصوبة الأراضي ووفرة مياه الأمطار والمجاري المائية لجبل مرة. كما يورد تقديرات إحصائية لعدد القرى والسكان لكل مديرية ولكل السلطنة فيقدر عدد السكان بثلاثة ملايين ونصف المليون.
يقول نختقال أن الضرائب والعشور التي تجبى من الغلال عن طريق جباة الضرائب (أبو جباي)، وضرائب القطعان، والأراضي الزراعية (توقاندي). والجمارك يطلق عليها (خدمة) وتختلف حسب مصدر البضائع من ودَّاي أو كردفان.
6. آخر الأيام في الفاشر (مايو – 1 يوليو 1874م)
يتناول نختقال الحديث عن الأحداث التي تدور في جنوب البلاد حيث يضغط الزبير باشا رحمة وقواته على ديار الرزيقات من جهة، كما يتقدم جلابي آخر من أتباع الزبير من (الدبة) عبر ديار التعايشة في الجهة الأخرى طمعاً في احتلال دارفور. وينتقل نختقال ليقارن بين ثقافة المسكن والملبس في دارفور وودّاي وبرنو، كما يقول أنه عجز عن الحصول على الوثائق المتعلقة بالأسرة الحاكمة وتدرجها التاريخي، التي يقال أنها مدونة في قانون (دالي)، ويقول أيضاً أن سلطان ودَّاي سارع بتكوين حلفاً دفاعياً مع دارفور للتصدي للأتراك حتى الموت؛ إلا أن ذلك لم يُراعَ بعد رحيل السلطان حسين سلطان دارفور. وأخيراً تحرك نختقال مع قافلة من الفاشر إلى الأبيض في 2 يوليو – 10 أغسطس 1874م.
خاتمة
تظل كتابات نختقال، رغم مرور أكثر من قرن ونصف، وثيقة حية لتاريخ المنطقة وتركيبتها السكانية والاجتماعية، وتعكس عمق الروابط التاريخية بين مجتمعات دارفور وودّاي وغيرهما من الممالك الأفريقية ببلاد السودان القديمة، قبل أن تقسمها الحدود الاستعمارية التي رسمتها القوى الأوروبية الاستعمارية وفقاً لمصالحها. وتؤكد تلك الكتابات، إلى جانب دراسات الحدود المعاصرة، أن أي حوار جاد حول مستقبل المنطقة يجب أن ينطلق من فهم هذا التاريخ المشترك، ومن إدراك أن الشعوب كانت وما زالت الأكثر تضرراً من التقسيمات التي لم تراعِ واقعها الجغرافي والبشري. وإن العمل على تحقيق الاستقرار والتنمية يتطلب تجاوز النظرة الأمنية الضيقة، والانفتاح على آفاق التعاون الإقليمي والتكامل والوحدة، بما يخدم مصالح المجتمعات والشعوب ويحقق تطلعاتها في العيش الكريم والسلام المستدام.
يناير 2022م – الخرطوم



