مقالات واراء

السودان: من “ترقيع” المهترئ إلى “تأسيس” الوطني

آدم الحاج أديب

​في حصاد هذا الأسبوع، ونحن نقف على تخوم تحولات كبرى، يبدو أن الأزمة السودانية قد استنفدت كافة محاولات “التجميل” السياسي. ما نرقبه اليوم ليس مجرد صراع عابر، بل هو انكشاف تام لخلل بنيوي مزدوج، عسكري ومدني، يضعنا أمام ضرورة فرز المواقف ضمن مشهد ثلاثي الأبعاد، بحثاً عن مخرج يؤسس للدولة ولا يكتفي بترقيع أطرافها.

​1. الخلل البنيوي: جيش الأنظمة لا جيش الوطن

​لاستقامة التحليل، يجب تثبيت حقائق تاريخية مفصلية؛ فالمؤسسة العسكرية السودانية، في جوهر نشأتها وتكوينها، لم تقم على عقيدة حماية “الوطن” كأولوية قصوى، بل تشكلت أدوارها تاريخياً حول حماية “الأنظمة وكراسي السلطة”.

​إن الأدلة على هذا الاختلال البنيوي صارخة؛ من توجيه السلاح نحو الداخل والقتل الممنهج في الهوامش، وصولاً إلى التفريط في السيادة الوطنية (حلايب، شلاتين، والفشقة)، مما يؤكد أن العقيدة القتالية كانت موجهة لتثبيت الحكم لا لصون الحدود. وجاء إرث “التمكين” ليجهز على ما تبقى من مهنية عبر إفراغ الجيش من كوادره الوطنية المستقلة.

​2. مثلث الرؤى: أين يقع المخرج؟

​لا يتوزع المشهد السوداني اليوم على رؤيتين فقط، بل يتمحور حول ثلاث رؤى متباينة في المنطلق والمصير:

​أولاً: رؤية القوى المدنية الديمقراطية (صمود): تركز على المسار المدني الديمقراطي ورفض شرعنة الحرب، لكنها تجد نفسها اليوم في مأزق حقيقي حيث تصطدم رؤيتها بالواقع العسكري والمدني معاً؛ فهي تفتقر لأدوات الضغط الميداني أمام سطوة السلاح، كما تواجه واقعاً مدنياً متشظياً يضعف من فعاليتها.

​ثانياً: رؤية حكومة بورتسودان: الرهان على ذات البنية العسكرية المتهالكة وإعادة إنتاج الأزمة، وهي الواجهة السياسية للوضع الراهن.

​ثالثاً: رؤية حكومة الوحدة والسلام (تأسيس): البديل الاستراتيجي الذي يطرح “التأسيس” عبر تحالفات وطنية (عسكرية ومدنية) تهدف لانتزاع السيادة وبناء مؤسسات الدولة من الصفر.

​3. المأزق الدولي وتصنيف “الإرهاب”

​يشهد الموقف الدولي والإقليمي تحولاً دراماتيكياً، خاصة مع تزايد المؤشرات نحو تصنيف المنظومة الإسلامية “منظمة إرهابية”. هذا التحول يضع حكومة بورتسودان في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، ويجردها من أي غطاء شرعي مستقبلي، ويضع السودان تحت طائلة القرارات القسرية والوصاية الدولية نتيجة ارتهان القرار العسكري لأجندة تنظيمات مصنفة دولياً.

​4. احتقان “تحالف الضرورة” وتعدد البنادق

​داخل “حضن الجيش” في بورتسودان وأم درمان، يغلي مرجل من التناقضات؛ حيث نجد خليطاً من قوى لا يجمعها إلا المصالح والمكاسب السياسية، تتوزع بين كتائب “البراؤون” الأيديولوجية، والقوات المشتركة ذات الولاءات المتباينة، والتشكيلات المستحدثة (الكيكلاب وغيرهم). هذا التعدد في “مراكز البندقية” يجعل من أي “ترقيع” قنبلة موقوتة ستنفجر عند أول منعطف سياسي.

​5. السيناريوهات القادمة: بين “الرباعية” والفصل السابع

​تُشير كافة المؤشرات الاستراتيجية إلى أن السودان دخل مرحلة “الحسم الدولي”. فالضغط الراهن الذي تمارسه القوى الكبرى حدد بوضوح أجندة المسارات القادمة: حماية المدنيين وفتح المسارات الإنسانية كأولوية غير قابلة للتفاوض.

​التلويح بالفصل السابع: إن استمرار تعنت الأطراف في الاستجابة لمبادرة “الرباعية” سيعني حتماً الانتقال من التدخل الدبلوماسي إلى القرارات القسرية.

​مصير التفاوض: المؤشرات تؤكد أن أي مائدة مفاوضات قادمة لن تكون للمحاصصة، بل ستكون “تفاوضاً تحت الضغط” لفرض واقع جديد بسقوف دولية لا تملك فيها السلطة الحالية رفاهية المناورة.

​الخلاصة: “التأسيس” لا “الترقيع”

​لقد أثبتت الحقائق التاريخية وضغوط المجتمع الدولي أن “الترقيع” مستحيل؛ فالمحرك نفسه قد احترق. المخرج الوحيد هو تأسيس جيش قومي من الصفر؛ جيش يصون السيادة في حلايب والفشقة كما يصون أمن المواطن في كل شبر.

​إن هذا الميلاد يتطلب التمسك برؤية “حكومة الوحدة والسلام (تأسيس)” كرافعة سياسية وعسكرية قادرة على إدارة التناقضات وتفكيك بنية التمكين، لبناء مؤسسة مهنية تكون حارساً للدولة لا حكماً عليها، وتخدم تطلعات الشعب لا طموحات “الصانع” الأيديولوجي.

​سؤال للرأي العام:

​”في ظل هذه التناقضات العميقة عسكرياً ومدنياً، وسياسياً واجتماعياً، ومع صعود وتصعيد خطاب الكراهية الذي بات ينهش في علاقة الإثنيات والجغرافيات السودانية؛ هل يمكن أن تعود ثقة السودانيين في بعضهم البعض، ويقدموا مصلحة الوطن في حدها الأدنى لضمان البقاء، أم أن تمزق النسيج الاجتماعي سيجعل من التدخل الخارجي هو (المؤسس) الوحيد لواقعنا القادم؟”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى