مقالات واراء

“جمهورية الزغاوة الوزارية: حين يُختزل الحكم في قبيلة وتُدار الدولة بالابتزاز السياسي”

عمار سعيد

في سابقة غير معهودة في تاريخ السودان السياسي، تُمنح ست وزارات سيادية أو تزيد – بل ويُحتفظ ببعضها – لمكون قبلي واحد هو الزغاوة، ضمن سلطة انقلاب بورتسودان المتداعية، وذلك في وقت تعاني فيه البلاد من أسوأ أزمة سياسية وعسكرية في تاريخها الحديث.
هذا التمكين غير المتوازن لم يصدر عن معادلة كفاءات أو إرادة شعبية، بل جاء نتيجة لابتزاز سياسي ممنهج تمارسه الحركات المسلحة التي تحالفت مع مليشيات الجنرال عبد الفتاح البرهان، وعلى رأسها حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي وحركة العدل والمساواة بزعامة جبريل إبراهيم.

ومن المهم التأكيد هنا أن مكون الزغاوة هو أحد المكونات القبلية السودانية الأصيلة، التي ساهمت في نضال البلاد وتاريخها الاجتماعي والسياسي والثقافي. غير أن الإصرار على حصر هذا الكم من الوزارات في يد هذا المكون – في سياق مشوه ومنحرف عن معايير الحكم العادل – لا يخدم الزغاوة، بل يسيء إليهم، ويزرع في الوعي الجمعي صورة زائفة تربط بينهم وبين المحاصصة والتمكين القبلي، وهو ما يشكّل ظلماً مزدوجاً: ظلم للمكون نفسه، وظلم للشعب السوداني الذي ينشد العدالة والتوازن في إدارة شؤونه العامة.

ما يثير القلق أكثر من التوزيع القبلي المخل، هو أن هذا النفوذ السياسي المُعطى لقوى مهزومة ميدانياً في أكثر من محور قتال، لا يعكس موازين القوى الحقيقية على الأرض، بل يعكس عمق الانهيار في مؤسسات الدولة، وخضوعها التام لمعادلات القوة المسلحة والابتزاز، بعد أن فقدت قدرتها على المبادرة أو بناء تحالفات وطنية متماسكة.

الحركات المسلحة المتحالفة مع البرهان – رغم انكساراتها المتكررة في دارفور وكردفان – أصبحت تشكل الحصن الأخير للجيش، ليس من موقع القوة، بل من منطلق غياب الخيارات. فالقيادة العسكرية تعتبر هذه القوات “الورقة الأخيرة” في وجه الانهيار الشامل، حتى لو كانت منهكة عسكرياً، وغير منضبطة سياسياً، وتفتقر للقبول الشعبي.

والأخطر أن الهزيمة المحتملة لهذه “القوة المشتركة” لن تفضي فقط إلى فراغ ميداني، بل إلى انهيار ما تبقى من منظومة السلطة في بورتسودان، بما فيها المليشيات الأمنية والعسكرية التي تتآكل من الداخل. هذا ما عبّر عنه صراحة قائد قوات الدعم السريع في آخر خطاباته، حين ربط سقوط القوة المشتركة بسقوط الدولة وهروب من تبقى من العسكر.

إن الواقع السياسي الحالي لا يعكس فقط اختلال ميزان الحكم، بل يُظهر كيف تحوّلت الدولة إلى رهينة لتحالف قبلي مسلح، تُدار مؤسساتها عبر الولاءات المناطقية، لا عبر معايير الحكم الرشيد.
وإن بقاء هؤلاء الوزراء في مواقعهم – رغم الرفض الشعبي، وفشلهم في أي مشروع وطني – يؤكد أن ما يجري في بورتسودان ليس إدارة دولة، بل توزيع غنائم في لحظة انهيار شامل.

فهل تُعقلن الدولة السودانية مسارها قبل الانهيار الكلي؟
أم أن هذه التجاوزات ستقود إلى مزيد من التشرذم، حتى يصبح السودان أشبه بكونفدرالية مليشيات لا دولة لها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى