مقالات واراء

الكلور يفتح الصندوق الأسود لحرب البرهان

بقلم: بروفيسور عبد المنعم همت

لم يكن استخدام الكلور في حرب السودان تفصيلًا عابرًا. عندما يتحول غاز يمكن أن يستخدم في تنقية المياه إلى سلاح يُلقى على مواقع الخصم، فهذا يعني أن الحرب دخلت مرحلة أخرى، وأن من قرر استخدامه كان يعرف جيدًا طبيعة ما يفعله.

التقارير التي ظهرت أخيرًا تكشف صورة أكثر خطورة. تحدث تحقيق نشرته «لوموند» عن وثائق ومراسلات وصور ومقاطع واتصالات اعترضتها أجهزة استخبارات، وقال إن الجيش السوداني بدأ الإعداد لاستخدام الكلور كسلاح في يوليو 2024. وتحدثت المعلومات عن تصميم عبوات تحتوي على الكلور، وعن تجارب سبقت استخدامها في العمليات، ثم عن هجمات وقعت قرب مصفاة الجيلي في سبتمبر من العام نفسه. كما أشارت تقارير أخرى إلى أدلة قوية على استخدام غاز الكلور هناك.

هذه ليست قصة جندي حمل عبوة إلى الميدان وتصرف من تلقاء نفسه. فهناك مادة يجب الحصول عليها، ووسيلة لتعبئتها، وسلاح يحملها، وتجربة للتأكد من فاعليتها، وطائرة أو وسيلة أخرى لنقلها، ثم قرار باستخدامها في منطقة مأهولة بالمقاتلين والمدنيين. وراء كل خطوة رجال يعرفون ما يفعلون، ووراء هؤلاء قيادة عسكرية تملك سلطة الإقرار والاستمرار والإيقاف.

العطا قال إنهم كانوا ينتظرون موافقة عبد الفتاح البرهان، بصفته القائد العام، قبل استخدام القوة القاتلة. هذه العبارة لا يمكن فصلها عن قضية الكلور. فإذا كان القائد العام هو صاحب الكلمة في قرارات استخدام القوة القاتلة، فكيف يمكن أن يتحول سلاح كيميائي إلى شأن يخص ضابطًا ميدانيًا وحده؟

وهذه الصفة ليست منصبًا بروتوكوليًا. البرهان هو القائد العام للجيش، وهي موقع القيادة الأعلى للجيش، ومنه تمر القرارات الكبرى المتعلقة بالحرب. لذلك فإن مسؤولية القائد لا تتوقف على أن يكون قد أمسك بورقة وكتب عليها أمرًا باستخدام الكلور. المسؤولية القيادية أوسع من ذلك: ما كان يعرفه، وما سمح باستمراره، والضباط الذين كانوا يعملون تحت سلطته، والقرارات التي اتخذت داخل المؤسسة العسكرية، كلها تدخل في حساب المسؤولية.

وتزداد خطورة القضية مع ما نشرته «لوموند» عن مواد استخباراتية تتضمن رسائل ومكالمات مرتبطة بالبرهان في الفترة التي كان فيها برنامج السلاح الكيميائي قيد الإعداد والاستخدام. هذه المعلومات لا تجعل البرهان منفذًا مباشرًا لكل عملية، لكنها تضعه في المكان الذي يجب أن تبدأ منه الأسئلة عن القرار والرقابة والمسؤولية.

الولايات المتحدة نفسها انتقلت في هذه القضية من الحديث عن الاشتباه إلى موقف رسمي. ففي يونيو 2026 أعلنت أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية في عام 2024، وفرضت عقوبات مرتبطة بذلك. وكانت تقارير أمريكية ودولية قد سبقت القرار، وتحدثت عن استخدام الكلور في هجمات ضد قوات الدعم السريع.

لكن الحرب السودانية لا يمكن قراءة جانبها العسكري بعيدًا عن الإسلاميين. منذ اندلاع القتال، اعتمد الجيش على تشكيلات مسلحة وقوى سياسية واجتماعية موالية له، وكان للإسلاميين حضور واضح في التعبئة والقتال. كتائب مرتبطة بالتيار الإسلامي قاتلت إلى جانب القوات المسلحة، فيما وجد الإسلاميون في الحرب فرصة لاستعادة حضور سياسي وعسكري فقدوه بعد سقوط نظام عمر البشير.

لهذا فإن ملف الكلور يفتح بابًا أوسع من مسألة السلاح نفسه. إنه يضع العلاقة بين قيادة الجيش والإسلاميين أمام سؤال ثقيل: من كان يعرف ماذا يحدث داخل المؤسسة العسكرية؟ ومن كان يرى في استمرار الحرب مصلحة سياسية؟ وهل كانت كل القرارات العسكرية محصورة في قيادة الجيش، أم أن القوى الإسلامية التي شاركت في الحرب أصبحت جزءًا من البيئة التي سمحت بتوسيع أدوات القتال إلى هذا الحد؟

لا يصح وضع كل المسؤولية في سلة واحدة. استخدام الكلور، وفق التقارير التي تناولت الواقعة، يرتبط بالقوات المسلحة السودانية. هذه هي الجهة العسكرية التي يجب أن تتحمل المسؤولية عن السلاح الذي استخدمته قواتها. أما الإسلاميون، فتقع عليهم مسؤولية سياسية وأخلاقية عن الحرب التي شاركوا فيها، وعن موقفهم من الانتهاكات التي ارتكبت باسم المعركة التي قدموها باعتبارها معركة إنقاذ للدولة.

المفارقة أن الجيش ظل يقدم نفسه باعتباره حامي الدولة السودانية. لكن الدولة التي تستخدم الأسلحة الكيميائية ضد خصومها تفقد شيئًا من صورتها كلما ظهرت واقعة جديدة، والأسوأ أن السلاح الكيميائي لا يحسم حربًا، لكنه يكشف طبيعة السلطة التي قررت اللجوء إليه.

لذلك لا أرى أن السؤال الحقيقي هو: من حمل عبوة الكلور وألقاها؟ هذا سؤال صغير أمام قضية أكبر. السؤال هو: من كان يملك قرار الحرب، ومن كان يملك إيقاف هذا النوع من السلاح، ومن كان يعلم بما يجري داخل المؤسسة العسكرية؟

وفي هذه النقطة تحديدًا يظهر البرهان، ليس لأنه ثبت علنًا أنه كتب أمرًا باستخدام الكلور، فالمسؤولية القيادية لا تحتاج إلى هذا التبسيط، وإنما لأنه كان القائد العام للجيش عندما جرى إعداد السلاح واستخدامه، ولأن التقارير تتحدث عن وجود اتصالات ومواد مرتبطة به خلال الفترة نفسها.

أما الإسلاميون، الذين عادوا إلى السلاح من بوابة الحرب، فلا يخص البرهان وحده. لقد اختاروا موقعهم في هذه الحرب، وقاتلوا إلى جانب الجيش، ودافعوا عن استمرارها. ومع ظهور ملف الأسلحة الكيميائية، يصبح عليهم أن يجيبوا عن سؤال لن تختفي أهميته بتغير خطوط القتال: ماذا كانوا يعرفون عن الطريقة التي كانت تدار بها الحرب، وماذا فعلوا عندما عرفوا؟

كلما ظهرت وثيقة جديدة، اقتربت القضية من مركز القرار. وهناك، في أعلى هرم القيادة، يصبح الحديث عن المسؤولية أكثر جدية من الحديث عن معركة هنا أو هجوم هناك. الحرب قد تنتهي يومًا، لكن آثار القرار باستخدام سلاح كيميائي ستظل تبحث عن أصحابها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى