مقالات واراء

ادم مكرم يكتب: الزراعة السودانية بين الحرب وإعادة البناء (5)

الأرض في السودان: من نزاعات الحيازة إلى الإنتاج والسلام

حين تدخل الحرب إلى الحقل، لا تتوقف دورة الإنتاج وحدها، بل تهتز العلاقة التي تربط الإنسان بالأرض، والعمل بالموارد، والحقوق بمستقبل المجتمعات. وقد كشفت الحرب السودانية، التي اندلعت في 15 أبريل 2023، هشاشة البنية الزراعية، لكنها أعادت إلى الواجهة أيضًا سؤالًا أعمق من مجرد استعادة النشاط الزراعي: ما الأسس التي ينبغي أن تقوم عليها العلاقة بين الأرض والإنسان والدولة، حتى يصبح الإنتاج ركيزة للاستقرار، لا امتدادًا للصراع؟

في المقال السابق، «حين تدخل الحرب إلى الحقل»، تناولنا كيف تتفكك دورة الإنتاج حين تتعطل المدخلات الزراعية، ويتراجع التمويل، وتُقطع طرق النقل، وتتآكل الصلة بين المزارع والسوق. غير أن إعادة بناء هذه الدورة لا يمكن أن تبدأ من الآلات والبذور والأسمدة وحدها؛ إذ تسبقها ضرورة النظر في الأرض نفسها، وفي الحقوق المرتبطة بها، وفي المؤسسات التي تنظم استخدامها وتضمن العدالة في الانتفاع بمواردها.

فالأرض ليست مجرد مساحة قابلة للزراعة، ولا أصلًا اقتصاديًا يمكن قياس قيمته بسعر السوق وحده. إنها مورد للإنتاج ومصدر للعيش، ووعاء للعلاقات الاجتماعية، ومرتكز للاستقرار في المجتمعات الريفية. وحين تضطرب الحقوق المرتبطة بها، يصبح الاستثمار محفوفًا بالمخاطر، ويتراجع استعداد المنتجين لتوسيع نشاطهم، وتتسع المسافة بين الإمكانات الزراعية المتاحة والقدرة الفعلية على استغلالها.

الأرض بين القانون والعرف والواقع

تتسم العلاقة بالأرض في السودان بتعدد أنماط الحيازة والانتفاع، وتداخل الحقوق القانونية مع الممارسات العرفية والاجتماعية. فهناك أراضٍ مسجلة، وأخرى تُمارس عليها حقوق الحيازة أو الانتفاع وفق ترتيبات محلية، فضلًا عن أراضٍ ترتبط باستخدامات جماعية، تشمل المراعي ومصادر المياه ومسارات حركة القطعان.

ولا يعني هذا التعدد بالضرورة وجود نزاع؛ فقد أسهمت ترتيبات محلية، في ظروف كثيرة، في تنظيم استخدام الموارد وتسوية الخلافات. لكن المشكلة تظهر عندما تضعف المؤسسات القادرة على تنسيق هذه الحقوق، أو تتعارض القرارات الإدارية مع الواقع الاجتماعي، أو يصبح الوصول إلى العدالة مرتبطًا بالقدرة المالية والنفوذ السياسي والقوة المسلحة.

لقد أظهرت تجارب التنمية الزراعية في السودان أن توفير الأرض للمشروعات لا يكفي وحده لضمان نجاحها. فالمزارع يحتاج إلى حق واضح ومستقر في الانتفاع بها، وإلى ضمانات تحمي استثماره في تحسين التربة أو إنشاء منشآت الري، كما تحتاج المجتمعات المحلية إلى الثقة بأن مشروعات التنمية لن تأتي على حساب حقوقها ومواردها وسبل عيشها.

ومن هنا، فإن الإصلاح الزراعي لا يعني إعادة توزيع المساحات فحسب، بل يتطلب مراجعة الكيفية التي تُحدد بها الحقوق، وتُدار بها الموارد، وتُحسم بها النزاعات، وتُحمى بها مصالح المنتجين والمجتمعات المحلية.

الحرب وتفاقم أزمة الحقوق

تضيف الحرب الراهنة أبعادًا خطيرة إلى هذه الإشكالية. فالنزوح القسري، وتعذر العودة إلى القرى والمزارع، وفقدان الوثائق، وتضرر السجلات والمؤسسات، كلها عوامل قد تجعل إثبات الحقوق وممارستها أكثر صعوبة. كما أن استمرار انعدام الأمن يضعف قدرة المزارعين على استعادة حيازاتهم، ويجعل بعض المناطق عرضة لتغيرات قسرية في أنماط استخدامها.

ولا يمكن افتراض أن كل غياب عن الأرض يعني التخلي عنها، أو أن السيطرة الفعلية عليها تمنح صاحبها حقًا مشروعًا فيها. فالنزوح الناتج عن الحرب ليس قرارًا اقتصاديًا طوعيًا، والعودة إلى الأرض ينبغي أن تستند إلى حماية الحقوق وإجراءات عادلة، لا إلى موازين القوة التي فرضها النزاع.

وتزداد هذه المسألة حساسية في دارفور، حيث تتداخل الأراضي الزراعية مع المراعي ومسارات الرعاة ومصادر المياه، وتتشابك المطالبات بالأرض مع تاريخ من التهميش والنزاعات المحلية والتدخلات السياسية والعسكرية. ولا يصح اختزال هذه الصراعات في الانتماء القبلي وحده؛ فالعوامل الاقتصادية، وضعف الإدارة العامة، وتغير أنماط استخدام الموارد، وتراجع آليات التسوية، كلها عناصر ينبغي فهمها في سياقها المتداخل.

إن استعادة الاستقرار الزراعي في هذه المناطق تتطلب الاعتراف بتعدد المصالح والحقوق، وتوفير آليات موثوقة لتوثيق المطالبات وتسوية النزاعات، وضمان ألا يتحول ضعف المتضررين أو غيابهم القسري إلى فرصة للاستحواذ على مواردهم.

من الحق في الأرض إلى القدرة على الإنتاج

تتضح أهمية إصلاح العلاقة بالأرض حين ننظر إلى أثرها في القرار الاقتصادي للمزارع. فالإنتاج الزراعي يحتاج إلى استثمار يمتد عبر المواسم: إعداد الأرض، وشراء المدخلات، وصيانة المعدات، وتحسين التربة، وتطوير وسائل الري أو حصاد المياه. وكلما زادت المخاطر المتعلقة بالحيازة، تراجعت الحوافز للاستثمار طويل الأجل، خصوصًا لدى صغار المنتجين الذين لا يمتلكون احتياطيات مالية تمكّنهم من تحمل الخسائر.

لكن وضوح الحقوق، على أهميته، ليس كافيًا وحده. فالأرض التي تفتقر إلى الطرق ومصادر المياه والطاقة والتمويل والخدمات الزراعية قد تظل خارج دائرة الإنتاج، حتى عندما تكون حقوق الانتفاع بها مستقرة. ولذلك ينبغي النظر إلى إصلاح الأراضي بوصفه جزءًا من سياسة زراعية متكاملة تربط بين الحيازة والبنية التحتية والتمويل والتسويق والإرشاد الزراعي.

وتبرز هنا ضرورة التمييز بين الأراضي غير المزروعة والأراضي غير القابلة للاستغلال في ظروفها الحالية. فليست كل مساحة غير مزروعة أرضًا زراعية جاهزة للإنتاج؛ إذ تتفاوت الأراضي في خصائص التربة، وتوافر المياه، وملاءمة المناخ، وتكاليف التهيئة، والقيود البيئية والاجتماعية. وقد تكون بعض المساحات ضرورية للرعي أو حماية الموارد الطبيعية أو الاستخدامات المجتمعية الأخرى.

ومن ثم، فإن الحديث عن الإمكانات الزراعية غير المستغلة ينبغي أن يستند إلى بيانات دقيقة تحدد طبيعة الأراضي، ومواردها المائية، وتكاليف تطويرها، والحقوق المرتبطة بها، والجدوى الاقتصادية والبيئية لاستغلالها. فالتوسع الزراعي الذي يتجاهل هذه الاعتبارات قد يرفع الإنتاج في الأجل القصير، لكنه يخلق نزاعات جديدة ويستنزف الموارد التي يعتمد عليها الإنتاج مستقبلًا.

إصلاح الأرض ليس شأنًا إداريًا وحده

إن بناء سياسة عادلة للأرض يتطلب مؤسسات قادرة على توثيق الحقوق، وإتاحة المعلومات، وتسوية المطالبات، ومراجعة القرارات المتنازع عليها وفق إجراءات واضحة. كما يتطلب الاعتراف بالحقوق القانونية والعرفية المشروعة، وإشراك المجتمعات المحلية في القرارات المتعلقة باستخدام الموارد، وضمان تمثيل النساء وصغار المزارعين والرعاة في عمليات التخطيط والتسوية.

وفي المناطق المتأثرة بالحرب، تكتسب حماية الوثائق والسجلات أهمية خاصة، إلى جانب إنشاء آليات آمنة لتسجيل المطالبات وحفظ الأدلة المتعلقة بالحيازة والانتفاع. وينبغي ألا تؤدي صعوبة استعادة الوثائق الرسمية إلى إسقاط الحقوق تلقائيًا، كما لا ينبغي أن تتحول الأعراف المحلية إلى غطاء لإقصاء الفئات الأقل قدرة على الدفاع عن مصالحها.

وتحتاج هذه العملية إلى إطار وطني يربط إصلاح الأرض بالتعافي الاقتصادي والعدالة الانتقالية وبناء السلام. فالتسوية التي تفرضها القوة قد توقف نزاعًا مؤقتًا، لكنها لا تؤسس لاستقرار دائم. أما التسوية القائمة على الاعتراف بالحقوق، والشفافية، وإمكانية مراجعة القرارات، فتمنح المجتمعات فرصة لاستعادة الثقة في المؤسسات وفي إمكان التعايش حول الموارد المشتركة.

ولا يعني ذلك تأجيل الإنتاج إلى حين حل جميع النزاعات، بل إدارة التعافي الزراعي بطريقة لا تعمق المظالم القائمة. يمكن إعادة تأهيل البنية الزراعية واستعادة الخدمات ودعم المنتجين بالتوازي مع توثيق الحقوق وتسوية المطالبات، شرط ألا يُستخدم الاستثمار ذريعة لفرض واقع جديد على حساب أصحاب الحقوق.

من إصلاح الأرض إلى إصلاح الزراعة

إذا كانت الأرض تمثل قاعدة الإنتاج الزراعي، فإن طريقة إدارتها تحدد جانبًا مهمًا من قدرة السودان على تحويل موارده إلى تنمية. غير أن الإصلاح لا يكتمل بإزالة النزاعات وحدها؛ إذ ينبغي أن ينتقل من حماية الحق في الأرض إلى معالجة العوائق التي تحول دون استخدامها المنتج والمستدام.

وهنا تظهر الفجوة بين ما يمتلكه السودان من إمكانات زراعية وما يحققه فعليًا من إنتاج. فهناك مناطق تعتمد على الأمطار وتواجه تقلب المواسم وضعف الخدمات، وأخرى تمتلك إمكانات للري لكنها تعاني مشكلات البنية التحتية والإدارة والتمويل. وفي الحالتين، لا يمكن فصل أداء الأرض عن السياسات التي تنظم استخدامها، وعن قدرة الدولة على توفير الخدمات، وعن شروط وصول المنتجين إلى الأسواق.

لكن هذه القضايا تستحق نقاشًا مستقلًا، حتى لا تتداخل تفاصيلها الفنية مع قضية الحقوق والحيازة التي يتناولها هذا المقال. فالإصلاح الزراعي الذي نحتاجه لا يبدأ بافتراض أن الحل يكمن في توسيع المساحات المزروعة، ولا ينتهي بتسجيل الأرض في السجلات الرسمية. إنه عملية متكاملة تعيد تنظيم العلاقة بين الإنسان والموارد والمؤسسات، وتضع الإنتاج في خدمة المجتمع، لا المجتمع في خدمة التوسع الإنتاجي وحده.

لقد كشفت الحرب مقدار ما يمكن أن يخسره السودان حين تتفكك مؤسساته وتُترك موارده بلا إدارة عادلة وفعالة. لكنها كشفت أيضًا أن إعادة البناء تتيح فرصة لمراجعة السياسات التي أخفقت في تحويل الإمكانات الزراعية إلى تنمية متوازنة، وفي حماية حقوق المنتجين، وفي تقليل التنافس المدمر على الأرض والمياه.

فالسؤال لم يعد فقط: كم يمتلك السودان من الأراضي الزراعية؟ بل كيف تُدار هذه الأرض، ومن ينتفع بها، وما الشروط التي تجعل استخدامها منتجًا وعادلًا ومستدامًا؟

ومن هذا السؤال ننتقل، في المقالات المقبلة، إلى واقع الزراعة المطرية والزراعة المروية في السودان. سنبحث في معوقات كل نمط، وفي الأسباب التي تجعل مساحات من الإمكانات الزراعية بعيدة عن الإنتاج، وفي حدود التحول من الزراعة المطرية إلى المروية، وما يتطلبه ذلك من مياه وتمويل وبنية تحتية وإدارة رشيدة. فإعادة بناء الزراعة ليست سباقًا نحو زيادة المساحات المزروعة فحسب، وإنما مشروع وطني لإعادة بناء القدرة على الإنتاج، وصون الحقوق، وتحقيق الأمن الغذائي، وجعل التنمية جزءًا من شروط السلام الدائم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى