كادقلى… الملف الاسود…ضحايا الطابورالخامس(2) إبراهيم مرمطون يرتقي بإبتسامته الى عنان السماء…
إيهاب مادبو

الطابور الخامس ( Fifth column) مصطلح متداول في أدبيات العلوم السياسية والاجتماعية نشأ أثناء الحرب الأهلية الأسبانية التي نشبت عام 1936 واستمرت ثلاث سنوات وأول من أطلق هذا التعبير هو الجنرال إميليو مولا أحد قادة القوات الوطنية الزاحفة على مدريد وكانت تتكون من أربعة طوابير من الثوار فقال حينها إن هناك طابورًا خامسًا يعمل مع الوطنيين لجيش الجنرال فرانكو ضد الحكومة التي كانت ذات ميول ماركسية يسارية من داخل مدريد ويقصد به مؤيدي فرانكو من الشعب، وبعدها ترسخ هذا المعنى في الاعتماد على الجواسيس في الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكى والراسمالى)…
” سلسلة من مشاهد لجراحات المنطقة المؤلمة لحد الفجيعة لجرائم ارتكبت بحق الإنسانية بما يمكن وصفها بجرائم الابادة الجماعية وهى ماتجعل مرتكبيها مجرمين حرب يجب ان يخضعوا لمفهوم العدالة الإنتقالية تأسيسا لانتقال يسهم فى بناء دولة تقوم على الحقيقة والمصالحة , وهذا النوع من الجرائم لايمكن ان يسقط بالتقادم لأن آثار الجريمة هنا مستمرة بإستمرار الآجيال … ”
” اللابسة التوب مع العصرية
شباب كليمو اذانى اذية ”
كانت واحدة من اجمل اغنيات الدلوكة فى ذلك الوقت وكليمو من الاحياء التى تميزت بإجتماعياتها وتداخل انسانها لدرجة يمكن وصفها بالاسرة الواحدة حيث اشتهر حى كليمو وهو من اعرق الاحياء بمدينة كادقلى بالتعايش الاجتماعى بين جميع قاطنيه …
نشأ فى هذا الحى الانسان الخلوق ابراهيم مرمطون وهو شاب مهذب يجبرك على احترامه وكانت ابتسامته لاتفارق شفتيه كلما قابلته رسم على وجهك سحر تلك الابتسامة …
كذلك اشتهر الحى بالرياضة والثقافة ولاينافسه فى ذلك سوي حى الملكية مرتع صبا ونشأة الاديب السودانى يحي فضل الله العوض فكانت رابطة كليمو الادبية من انشط الراوبط الثقافية بالمدينة وكذلك نادى الهلال كادقلى الذى برع فيه الكابتن الخلوق ابراهيم مرمطون صاحب اللمسات الساحرة للكرة التى كان يعزف سيمفونية من الالحان الخالدة …
حينما كنا اطفالنا تتخطفنا الامنيات كان ابراهيم مرمطون صديقا للكل لما ظل يقدمه لنا من هدايا وقد كتب عنه الاديب يحي فضل فى واحدة من تداعياته الموسومة بعنوان
” ابراهيم مرمطون رمزا مرموزا للفجيعة حيث قال فيها ( إبراهيم مرمطون، لا يملك إلا ذلك التميز كلاعب كرة قدم، لاعب وسط حريف، مهاجم مباغت بقدمه اليسرى المميزة وواحد من أهم من لبس شارة الكابتن في فريق هلال كادوقلي، لذلك يمتلك ويمتلكه حب كل الناس في كادوقلي.كانت دراجته الرالي المزينة بالأشرطة اللاصقة والملونة تجوب شوارع كادوقلي وعادة ما تستقبله تلك الشوارع مهللة باسمه، ذلك الاسم المحبوب الذي صنعة تميزه في كرة القدم، أبواب المنازل كانت تستقبل طرقاته المهذبة حين يكون في جولته الشهرية لقراءة عداد المياه إذ أنه كان يعمل في هذه الوظيفة التي انسجمت مع نجوميته فكان يدخل تلك البيوت وبدلاً من قراءة العداد فقط، كان الترحاب يتباهى بقدومه وأهل البيت يحاولون وبقدر الإمكان إطالة مدة مكوثه معهم، كان (إبراهيم مرمطون) يمتلك ذلك القبول الذي يحرض على الحب وإلتفاف الناس حوله.
في العام 1990، العام الذي اختفى فيه الكابتن (إبراهيم مرمطون)، قوة كبيرة مكونة من الجيش والدفاع الشعبي جاءت من (هبيلا) وقامت بمهاجمة (قردود البشام) وقتلوا اثنين من المدنين هما (عبدالله سومي) و(لاسارا كودي) وحرقوا كل القرية وأخذوا كل الأبقار والغنم في القرية وقامت الحكومة والمليشيات بحرق كثير من القرى وقد دمروا (موحيلا) و(تميدا) و(كرندل) و(لوبي) (الباتا) و(الفارس) و(تاج) و(أم دردر) وقد نزح المواطنون إلى الجبال وقد قام الجيش بحرق كل محصول العام من الذرة وتم منع المواطنين من الزراعة بإحكام المراقبة وحرق المزارع.
(إبراهيم مرمطون) كان ميالاً للقراءة والإطلاع وكان من المدمنين التردد على مكتبة العم (عابدين) والتي هي عبارة عن كشك في الزاوية الشمالية للجامع الكبير، أذكر أنه جاءني مرة والفرحة في عينيه تتألف مع ابتسامة ضجت بها أسنانه البيضاء كالحليب، كان يحمل معه مسرحية (خطوبة سهير) للكاتب المسرحي والدرامي (حمدناالله عبدالقادر)، كانت المسرحية قد طبعت في كتاب من منشورات مصلحة الثقافة عام 1976، قلب الصفحات وأشار بإصبعه على موضع يعرفه وحين قرأت ما أشار إليه وجدت هذه الأغنية التي كان يتغنى بها (خليل) والد (سهير) وهو قادم إلى خطوبة ابنته وهو يترنح سكرانا على شارع البيت.
((جمال زي ده
أصلو ما شفنا
إنت من كليمو
و لا من مرتا؟))
(كليمو) هو الحي الذي يسكن فيه (إبراهيم مرمطون)، (مرتا) بضم الميم من أحياء الجانب الشمالي من كادوقلي وكأن الأستاذ (حمدناالله عبدالقادر) قد إنحاز إلى أصداء ذاكرته حين كان يعمل بمجلس كادوقلي فكان بهذا الإنحياز قد داعب أوتار تلك الفرحة داخل وجدان (إبراهيم مرمطون) في العام 1990، العام الذي اختفى فيه (إبراهيم مرمطون) من الوجود كان عام المجاعة وتعطيل المشاريع الزراعية والحرائق والنزوح، النهب المسلح، القتل والموت المجاني وخطف الأطفال وخطف واغتصاب النساء،
ها هي شوارع كادوقلي لا تملك إلا أن تبحث عن خطواته التي لا تهمل حتى تلك الدروب الصغيرة والأزقة الشاحبة.
ها هي صيحات معجبيه ترتد إلى دواخلهم رافضة القبول بغيابه ذلك القاسي قسوة أيام الظلام والانتهاكات التي حولت كادوقلي إلى منطقة عمليات بدلا من حالة كونها مدينة آمنة.في العام 1990، عام اختفى فيه (إبراهيم مرمطون) وتحول إلى مجرد جثة مفقودة وتتمانع عليها الحياة بمجرد قبر، ها هو (إيراهيم مرمطون) يذهب بعيداً إلى حيث لا يدري أحد وتمارس كادوقلي هذيانها تجاه غياب (إبراهيم مرمطون)، ذلك الهذيان السري للغاية خوفاً من ذلك الغول الذي يسمى بالاستخبارات العسكرية التي قبضت على (إبراهيم مرمطون) كتجلي حقيقي لوسواس الحرب.
تم اعتقال (إبراهيم مرمطون) تحت مسمى غريب اجتاح المدينة من قبل الاستخبارات العسكرية كتهمة، أعتقل (إبراهيم مرمطون) بتهمة أنه من (الطابور الخامس) مع أنه لا يعرف من الطوابير إلا الطابور أمام صراف خزانة مصلحة الإشغال أو هيئة توفير المياه أيام صرف المرتبات.و هكذا ذهبت الاستخبارات العسكرية بـ(إبراهيم مرمطون) إلى حيث لا يدري أحد وإلى ذلك الغياب الأبدي الذي منعه عن من يحب وعن ما يحب وعن من يحبونه باغتياله وتصفيته.من كان يصدق أن الوسواس القهري الذي تصنعه الحرب يؤدي إلى قتل الكابتن المحبوب ونجم كادوقلي (إبراهيم مرمطون)؟
بعد إعلان الجهاد في جبال النوبة في العام 1992، كان يمكن للنازجين الذين يقيمون في معسكرات حول كادوقلي رؤية عبارة مكتوبة على جبل يقع على الطريق بين كادوقلي والدلنج ويبعد حوالي 8 كيلو عن كادوقلي، العبارة هي (كادوقلي الجهاد) وحتما، يمكننا أن نحصي الخسارات الباهظة من الأرواح والدماء كي تكتب هذه الجملة على جبل في جبال النوبة.)
التقيت بأحد افراد اسرته وقد سالته عن خفايا اختفاء ابراهيم مرمطون حيث ذكر لى انه فى ذلك اليوم الذى مازال يتذكره جيدا ان عناصر ترتدى الزى المدنى كانت تحوم بالقرب من منزلهم بحي كليمو ولم يعيرهم اهتماما حيث ان المدينة حينها قد سكنها الوسواس والمصير المجهول فالسؤال هنا اجابته قد تكون مصيرا مظلما للغاية قد يفقدك حياتك … خرج ابراهيم من منزله مساءا متوجها لزيارة احد اقاربه ولكنه لم يعود فى ليلته وقد اعتقد اسرته انه بات ليلته هناك .. يومين وثلاث ومرمطون فى غيابه القسري , تحول البيت الى مايشبه بيوت البكاء والحديث هنا لمحدثي من افراد اسرته … قال بعد صمت طويل وآهة عميقة “ماكنا عارفين لابراهيم اعداء او خصوم ” فيما بعد تسرب الخبر كالصاعقة داخل الحي تتناقله مجالس المدينة همسا إشارة الى ذلك المصطلح الدموى “الطابور الخامس” …
ذهب ابراهيم الى علياء ربه شهيدا وترك لنا سؤال مشروعا حول أهمية العدالة الانتقالية فى جبر الضرر وإنصاف ضحايا الحروب والنزاعات وهى قضية جوهرية يجب ان نتصدى لها جميعا خصوصا فى اقليم جبال النوبة / جنوب كردفان الذى شهد اسوء انواع الانتهاكات والجرائم ضد الانسانية



