إذا لم يدمع عيناك ما كتب الأخ محمد بحر في صفحته بالفيسبوك، فأختبر إنسانيتك:
محمد عبدالرحمن الناير

شهادة مُرّة على وقائع حرب لا تشبهنا ….
في بلادٍ أنهكتها السنون وتناوبت عليها السهام حتى أثخنتها، لا يزال السوداني يقف بين نارين: نار الواجب العسكري ونار الدم الذي يجري في عروقه. في السودان اليوم، ما عاد الخط الفاصل بين العدو والقريب واضحاً، فقد تشابكت البنادق كما تشابكت الأرحام، واختلط التراب الذي يُدفَن فيه الجندي الشهيد بتراب البيت الذي وُلد فيه.
هذه ثلاث حكايات ليست من الخيال، بل من ذاكرة وطن يتمزق… قصصٌ وُلدت من رحم المعارك لتصرخ في وجه التاريخ، علّه يتوقف لحظة ويصغي.
القصة الأولى: حميدان وكرومة… دمٌ واحد تحت رايتين
في معركة الميرم، كان الغبار يعلو السماء حتى صار نهارها ليلًا. حميدان، المقاتل في صفوف الدعم السريع، كان يتقدم كغيره من الشباب الذين دفعتهم الحرب إلى خطوط النار. لم يكن يفكر في شيء سوى تنفيذ الأوامر.
لكن حميدان كان يحمل سراً في صدره…
في ذلك المعسكر المقابل، يوجد كرومة—ابن عمّه، شقيق أبيه في ونسيبه زوج شقيقته الصغرى في ذات الوقت ،وهو كذلك رفيق طفولته الذي كان يلعب معه في فلاة الرعي و عتامير الزراعة، والذي كان يصطاد معه الوزين و في باكر طفولتهما يتسابقان لإلتقاط النبق من شجرة السدر، والذي كان يوقظه فجراً للصلاة حين ينام متعباً.
بدأت المعركة.
تعالت الصرخات.
سقط الرجال.
وتراجع الجيش… حتى دخل الدعم السريع المعسكر منتصراً.
بحث حميدان بين الجثث لا بعين المقاتل… بل بعين ابن العم.
حتى وقعت عينه على الجسد الذي خاف أن يجده.
هناك… كرومة ممدّد، بوجه هادئ ووجه تعلوه السكينة كمن نام ولم يستيقظ.
ركع حميدان…
ارتعشت يداه…
رفع رأس ابن عمه ووضعه على صدره… وبكى بكاءً لم يعرفه من قبل.
في لحظة، تلاشت كل الشعارات، كل الخطابات، كل المواقف.
لم يبقَ إلا الحقيقة الموجعة:
لقد قاتلوا بعضهم لأن الحرب قالت لهم هذا أخوك ولكنه عدوك.
حمل حميدان الجثمان على كتفه.
عاد إلى الفريق…
تقاطر الأهل ….
التف حوله الناس يعزّونه، ….
منهم من بكي …
منهم من اجهش ثم تحجرت الدموع في عينية ….
ومنهم من سدت العبرة حلقه….
أنه فقد قريباً كان يحبه.
لم يجرؤ أن يقول لهم إنه هو من دخل المعركة ضده…
وإنه هو من كان يقاتل تحت رايةٍ أخرى بينما الدم واحد…
واقبلت شقيقته الصغرى لتقول له حمدا لله على السلامه و لكنها سقطت مغشياً عليها عندما وجدت جثمان كرومه ممددا في العنقريب….
ياااالحزنها ….
ولكن الفاجعة التي ابكت الجميع عندما جاءت طفلة كرومه الوحيدة ذات الثلاثة أعوام…. ضاحكة … هاشة… تطلب من خالها أن يساعدها لإيقاظ ابيها …………
القصة الثانية: الضابط حامد… والابن حمّاد
في بابنوسة، كان الضابط المقدم حامد يقاتل ضمن الفرقة 22، وهو رجلٌ عرف العسكرية منذ شبابه، يؤمن بالانضباط وبحماية الوطن.
لكن الوطن خانه يوم فرّقت الحرب بينه وبين أبناءه ولم يستشعر قادته مسؤولية الأمر بسحب القوات بدلا عن زجهم في معركة افتقدت كل شروط النصر فكل أهله و قبيلته وحتي
ابنه حمّاد… لم يكن في صفه.
كان مقاتلاً في صفوف الدعم السريع.
لم يلتقيا منذ شهور.
لم يتحدثا.
كل منهما يحمل وجع السؤال:
لماذا أنا هنا؟
ولماذا أنت هناك؟
ومن منا يمثل مصلحة الوطن ؟
عندما اشتعلت معركة بابنوسة، كان كلٌ منهما في موقعه الأب داخل خطوط الجيش، والابن يتقدم مع الدعم السريع.
وفي نهاية اليوم… سقط أو تحرر موقع الجيش.
وأُسر الكثير من الجنود… بينهم الضابط حامد.
أتى حمّاد إلى موقع الأسرى ليوثق وجودهم ضمن قوائم الانضباط.
لم يكن يبحث عن أبيه…
كان يخاف أن يراه شهيداً… أو جريحا …
لكنه رآه و يا لهول ما رأت عيناه…
قد رأى أبيه منكسا رأسه أسيراً بين الأسري و بعض زملائه يستجوب ابيه
وعندما التقت أعينهما، اختنقت اللحظة بكاملها.
الأب على الأرض…
والابن واقف أمامه، ببزّته العسكرية، يحمل سلاحاً وجعله القدر في صف العدو.
لم يقل الأب شيئاً.
ولم يقل الابن شيئاً.
لكن وجهيهما كانا رواية كاملة من الألم.
لم يستطع حمّاد الاقتراب أو احتضان أبيه… الانضباط العسكري يمنعه.
ولم يستطع الأب مدّ يده نحو ابنه… العزة العسكرية تمنعه.
ظلّ كل منهما سجين وجعه.
سجين الحرب.
سجين الخيارات التي لم تكن لاي منهما يد فيها …
خرج حمّاد من الموقع وهو يشعر وكأنه ضاع في فضاءات لا مخرج منها.
كان يودّ لو يصرخ: هذه ليست حرباً… هذا قتلٌ لقلوبنا…
قتل لنخوتنا….
قتل لانسانيتنا….
القصة الثالثة: التوأم صالح وصلاح… لحظة العناق الأخير
لا شيء أكثر قسوة في كتب الحروب من رؤية توأمين يقف كل منهما في جيشٍ يقاتل الآخر.
صالح وصلاح، توأم يعرفه كثير من أهل المجلد دينقا ام الديار جيداً.
كانوا يشبهون بعضهم حتى في طريقة الضحك، وكان الناس يمزحون: “لو واحد اتوجع… التاني بحسّ يشكو ذات الالم.”
قبل الحرب التحق أحدهما بالجيش، والثاني بالدعم السريع.
لم يشعروا أن ذلك سيضعهما في مواجهة…
لكن الحرب لا تسأل أحداً عن قلبه و القادة لا يلقون بال
في معركة بابنوسة…
علم كل واحد منهما أن أخاه في الجهة المقابلة.
حمل كل منهما بندقيته وهو يستعد لأداء واجبه القتالي كما تقتضي واجبات الجندية غير آبه لاقتحام المخاطر أو إرتقاء سلم الشهادة ولكن…..
كل منهما يعلم أن توأمه ضمن قوات العدو ……
كل منهما كان يقول في قلبه:
“يا رب… ما أشوف فيه شر.”
لكن القدر كان أقسى من كل الرجاء.
في لحظة من لحظات الاشتباك…
حدث أن تواجها وجها لوجه………..
وجف القلبان……
تجمّد الدم في العروق…….
انخفضت البنادق……
توقف الزمن…….
رأى كل واحد فيهما نفسه…..
رمى صالح سلاحه…….
ورمى صلاح سلاحه……
صاحا معا في وقت واحد التوم ولضم…………….
اندفعا يعانقان بعضهما…
كأنهم طفلان يمرحان وليس مقاتلان في ساحة معركة..…
ويكرران بفرح غامر ولضم والله فقدتك …..
وفي اللحظة نفسها…
سقطت قذيفة….
انتهى كل شيء……
وجد الجنود التوأمين متعانقين… جثتان لكنهما روح واحدة ، قلباً واحداً…..
هذه القصص ليست روايات للمتعة الأدبية.
إنها مرآة لفظاعة الحرب السودانية التي لم تُبقِ شيئاً إلا وجرحته:
العائلة……
المصاهرة……
القرابة…….
الأبوة…….
الأخوة……
وحتى التوأم من بويضة واحدة وقد خرجا من رحم واحد في وقت واحد…
الحرب التي تجعل السوداني يدفن ابن عمه وصهره الذي قاتله…
والابن يقف كسيراً أمام والده الاسير…
والتوأم يحتضنان بعضهما وهما يموتان معاً…
هذه حرب ضد السودان نفسه،
ضد النسب،
ضد الدم،
ضد الذاكرة،
ضد إنسانيتنا جمعاً.
إن وقف الحرب لم يعد خياراً سياسياً…
بل ضرورة أخلاقية، إنسانية، ووجودية.
وإن الفاعلين الدوليين، الذين يمتلكون القدرة على الضغط من أجل وقف القتال، يتحملون مسؤولية تاريخية. فكل يوم يتأخر فيه العالم عن العمل، تُكتب قصة مأساوية جديدة…
قصة قد تكون أكثر وجعاً من هذه الثلاث بكائيات
الي كل سوداني…
الي كل سودانية….
الي كل صاحب ضمير…
الي كل من بيده كلمة أو قرار…
أوقفوا هذه الحرب.
لأجل حميدان وكرومة.
لأجل حامد وحمّاد.
لأجل صالح وصلاح.
لأجل ما تبقى من هذا الوطن.


