مقالات واراء

ألم يحن الوقت لإنهاء الحرب في السودان؟

دكتور/ إبراهيم الضي محمد أزرق باحث و أكاديمي

منذ إندلاع الحرب في السودان، دفع الشعب السوداني ثمنا باهظا من أرواح أبنائه وأمنه وإستقراره وإقتصاده، في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية التي شهدتها البلاد في تاريخها الحديث.

ومع إستمرار القتال، تتسع دائرة المعاناة، وتتزايد أعداد النازحين واللاجئين، وتتدهور الأوضاع الإقتصادية والإنسانية بصورة غير مسبوقة، وأن إستمرارها بأمر مجموعة صغيرة لا أحد يدرك غاياتهم ، سوى الرجوع للسلطة والمحافظة على الكراسي تحت ذرائع وشعارات كذوبة ، تأكد إنها لم تراعي ولا تخدم مصالح الشعب السوداني، بل أصبح يهدد وحدة الدولة ومستقبلها.

كما أن الإعتقاد بإمكانية القوات المسلحة وحلفائها حسم الحرب عسكريا أثبت حتى الآن، أنه وهم مكلف؛ فبعد سنوات من القتال لم يتمكن من تحقيق تقدم وتفوق عسكري واضح، بينما كانت النتيجة الأوضح هي المزيد من الدمار والقتل والنزوح والانهيار الاقتصادي.

وفي خضم هذه الحرب، ظهرت إتهامات خطيرة تتعلق بإستخدام القوات المسلحة السودانية ، أسلحة محظورة من بينها الأسلحة الكيميائية ، وقد أعلنت الولايات المتحدة أنها خلصت إلى أن الحكومة السودانية إستخدمت أسلحة كيميائية، وفرضت على خلفية ذلك عقوبات وإجراءات إضافية، فمثل هذه الإتهامات والإستخدامات ، بالرغم من أنها أثرت على المواطن بشكل جلي من ظهور بعض الأمراض الجلدية الجديدة وأمراض العيون ، نفوق الحيوانات ،تصحر الغابات وتلوث المياه ، إلا أنها أيضا تمثل تطورا بالغ الخطورة، لأنها لا تزيد فقط من معاناة السودانيين في مواجهات الأمراض والاوبئة ، بل إنها تؤدي إلى عزلة السودان دوليا، وقد تفتح الباب أمام إجراءات دولية أكثر صرامة وقد تلقي بظلالها بشكل مباشر على الشعب السوداني.

وفي الوقت نفسه، فإن الإتهامات بإرتكاب إنتهاكات وجرائم ضد المدنيين لاتقتصر على طرف واحد، إذ يواجه الجيش والقوات المتحالفة معه المختلفة إتهامات خطيرة بإرتكاب إنتهاكات واسعة، وهو ما يجعل إستمرار الحرب أكثر مأساوية بالنسبة للشعب السوداني الذي أصبح الضحية الأكبر لهذا الصراع.

إن إصرار الجيش والقوات المتحالفة معه وبأمر من جماعة الأخوان المسلمين على إستمرار الحرب ورفضهم لكل المبادرات والحلول وفي ظل هذه الظروف البالغة التعقيدات والسوء ، يضع المؤسسة العسكرية والقوى السياسية والمليشيات المسلحة الداعمة لها أمام مسؤولية تاريخية ، فالمسؤولية الوطنية لا تتمثل في تحقيق النصر العسكري بأي ثمن، وإنما في حماية الدولة والشعب والحفاظ على ماتبقى من مؤسسات البلاد، وفتح الطريق أمام حل سياسي ينهي الحرب ويعيد للسودانيين حقهم في إختيار نظام الحكم الذي يريدونه.

لقد دفع الشعب السوداني ثمنا غاليا من أجل الحرية والعدالة والديمقراطية، وقدم تضحيات كبيرة من أجل بناء دولة مدنية تقوم على سيادة القانون والمواطنة المتساوية ، ولذلك فإن أي محاولة لإعادة إنتاج الحكم العسكري أو فرض واقع سياسي بالقوة لن تؤدي في تقديري، إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات نفسها بصورة أكثر خطورة.

ألم يحن الوقت لكي يدرك معسكر إستمرار الحرب قوات مسلحة وسياسيين حركة الأخوان المسلمين والمليشيات المسلحة المتحالفه معهم، أن إستمرار القتال ليس طريقا إلى المستقبل؟
ألم يحن الوقت لكي يتقدم صوت العقل على صوت السلاح ؟
وأن يدرك الجميع أن السودان لن ينتصر فيه طرف على طرف، بل إن السودان كله يخسر كل يوم تستمر فيه هذه الحرب؟

إن المسؤولية الوطنية والأخلاقية تقتضي اليوم وقف الحرب، وفتح الطريق أمام تسوية سياسية شاملة، تضع مصلحة الشعب السوداني فوق مصالح القيادات والأحزاب والجماعات المسلحة، وتؤسس لمرحلة إنتقالية تقود إلى حكم مدني ديمقراطي، يختار فيه الشعب السوداني من يحكمه عبر صناديق الإقتراع، لا عبر فوهات البنادق.

لقد أنهكت الحرب السودان وشعبه، وحان الوقت لكي تتوقف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى