مقالات واراء

من يملك الشرعية والسيادة في السودان؟

مهند زامل

مسيرة نيالا اليوم تفتح سؤالًا يتجاوز الحدث نفسه: هل ما زالت الدولة هي المصدر الوحيد لتعريف الشرعية والسيادة، أم أن التحولات الاجتماعية والسياسية في السودان تفرض إعادة النظر في المفهومين؟

تقدم انتفاضة نيالا اليوم مقاربة موضوعية بين الحشود المصطنعة التي يبحث عنها البرهان و زمرته، حتى اصبح يتطفل على الحفلات والمناسبات، خاصة كانت أم عامة ليرغي ويزبد ثم يستمع إلى صراخ الجوقة والمأجورين فيرى في نفسه صورة الجنرال المحرر.
وهذا بالضبط ما وصفه ماركيز بالهذيان الأخير للجنرال، في رائعته (الجنرال في متاهته) التي تتناول الأشهر الأخيرة من حياة سيمون بوليفار. والذي بكل الأحوال لا يمكن تشبيه سيرته الذاتية بجنرال السودان المتهالك، إلا فقط في هذيانه الأخير.
وبين الحشود العفوية التي ترى في خروجها للشوارع تأييدًا لحكومة السلام ومبادئ تحالف السودان التأسيسي واجبًا مقدسًا لا يمكن التلاعب به.
لقد استخدمت الدولة السودانية على مدى عقود هذين المفهومين لإحكام عملية العقاب الجماعي والقتل والتشريد والتجويع عبر سياسة استخدام الغذاء والدواء كأحد أسلحة الحروب.
والآن، ووفقًا للتحولات البنيوية التي يشهدها السودان المعاصر، تأتي الضرورة في وضع السياقات المنهجية التي تحكم المفهومين، في محاولة لإيجاد تعريف أشمل وأدق ليستوعب الحركة الاجتماعية والسياسية التي يعيشها السودان اليوم.
وفي هذا السياق دعونا نلقي بعض نقاط الضوء والإيضاحات الإبستيمولوجية حول المفهومين.

*الشرعية:-

المقصود هنا الشرعية السياسية، وبمعنى أدق هي (إلى من تفوّض السلطة؟) ذاك السؤال الذي ظل حاضرًا لسنين عددًا في دول ما بعد الاستعمار، والذي استفحل جدًا في حالة السودان، وذلك لما يعنيه السودان من تناقضات ثقافية، دينية، جغرافية وغيرها!

فقد اعتادت هذه النخب المؤبوة بفكرة تضخم الذات في السودان بإعطاء هذا المصطلح (الشرعية) أو الدولة، زخمًا في غير موضعه، وهذا هو التبرير الخفي لبنيات التفكير المستبطنة، بأن الشرعية ذات* ولا تؤاخذ إلا من تلك الذات! وهو الافتراض الخفي لفكرة التمييز والتفوق العرقي والمناطقي.

إن المفهوم الطبيعي للشرعية هي التفويض المباشر وغير المباشر للسلطة (باعتبار أنها أداة لاحتكار العنف بشكليه “الرمزي والمادي”)، والمؤسف أن هذه النخبة، وبرغم امتلاكها لجميع أدوات احتكار السلطة نتيجة للظروف التاريخية التي واتت لها بذلك، ما زالت تجهل أهم عوامل الشرعية. وهي الشعب: تلك الشعوب التي نهضت كطائر الفينيق من تحت رماد القصف المميت والدمار، وكأنما تثأر لحياة جديدة مليئة بالأمل والوعود.
هذه هي الشرعية، والتي تعني في مكنونها تفويض السلطة من قاعدة إلى رأس هرمي يتحكم في أمورهم، كما حدث في تفويض السلطة في نظرية (الرجل الكبير) في العصور الأولى من التاريخ.
وفقًا لهذه السردية المقتضبة، فإن مفهوم الشرعية بُني على هذه الفرضية (شرعية الجماهير أو الشعب)، وفي هذا السياق فهذه الجماهير أو الشعوب فقد انتفضت انتفاضة ذاتية انفعالية احتفاءً منها بما رأته يمثل شرعيتها الذاتية ويحفظ كرامتها و…… إلخ.

من هي السيادة:-

لا يفوتني أن أستحضر في خضم المجاعة الإنسانية التي ضربت إقليمي جبال النوبة والفونج منذ العام 2012 بعد تجدد النزاع في تلك المناطق، ذلك المصطلح الذي برز عنيفًا وكأنه لم يكن! وقد كان هو المبرر الأوحد في جميع جولات التفاوض الماراثونية والتي استمرت لسنين عجاف، بغرض إدخال المساعدات الإنسانية للمناطق المنكوبة. فكانت الردود كالعادة وكما هي متوقعة (السيادة).
وبما أن مفهوم السيادة يعني السلطة العليا المطلقة، فقد يتبادر إلى الذهن هنا سؤال: إلى من تؤول السلطة العليا المطلقة؟ هل هي للشعب باعتباره الركيزة الأساسية المؤسسة لمفهوم الدولة، أم إلى الدولة والتي ما هي إلا أداة لخدمة الشعب.
يأتي مفهوم السلطة أو السيادة بحسب تسلسله التاريخي، ووفقًا لوجهة نظر العلوم الاجتماعية، بترتيبه الهرمي الذي يحتل الشعب فيه الأساس القاعدي، من ثم تأتي الدولة، والتي تعتبر مجرد اختراع بشري أو شعبي بسيط لتنظيم حياتهم. لتأتي من بعدها السلطة أو السيادة كمرحلة أخيرة يتم تفويضها، سواء كان لشخصيات اعتبارية أو هيئات أو منظمات أو أحزاب، جميعها قابلة للتغيير متى ما رأى المفوِّض ذلك (والمفوِّض دائمًا هو الشعب).
إننا نرى من هذه السياقات أن مفهومي الشرعية والسيادة منابعُهم هي الشعوب، وبالضرورة هي صاحبة الشرعية والسيادة الأسمى، وعندما تقول كلمتها الأخيرة قد لا توجد قوة تستطيع قهر إرادتها مهما امتلكت من سلطة.
لذلك لا يمكن النظر إلى المسيرات والتظاهرات المتكررة التي تخرج في مناطق تأسيس باعتبارها أحداثًا سياسية عابرة، بل يجب النظر لها على أنها رسالة شديدة التحذير، تعبر عن إرادة صادقة وحقيقية لهذه الشعوب في رغبتها في الحرية والانعتاق من صلف دولة الفساد والاستبداد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى